في الوقت المناسب تماماً لمؤتمر ميونيخ للأمن، جاء العنوان الرئيسي: جنود بوتين البالغ عددهم 15000 جندي قادرون على هزيمة الناتو!
إصدار تجريبي من إكسبرت
اختيار اللغة 📢
تاريخ النشر: ١٣ فبراير ٢٠٢٦ / تاريخ التحديث: ١٣ فبراير ٢٠٢٦ - المؤلف: Konrad Wolfenstein

بالتزامن مع مؤتمر ميونخ للأمن، جاء العنوان الرئيسي: 15 ألف جندي من جنود بوتين قادرون على هزيمة الناتو! – صورة إبداعية: Xpert.Digital
خلف كواليس لعبة الحرب "العالمية": ما الذي يخفيه العنوان الرئيسي حول نقاط ضعف الناتو
ليس الدبابات، بل السياسة: النتيجة الحقيقية (والخفية) لمحاكاة حرب الناتو
لم تكشف مناورة الحرب في المقام الأول عن أوجه قصور عسكرية أو نقص في الدبابات. بل كانت النتيجة الحقيقية، وإن كانت خفية، مشكلة في صنع القرار السياسي والوحدة.
بدا الأمر وكأنه سيناريو صادم للغاية، جاء في الوقت المناسب تمامًا لمؤتمر ميونخ الأمني: فلاديمير بوتين قادر على إخضاع حلف الناتو بـ 15 ألف جندي فقط. ولكن ما هو السر الحقيقي وراء هذا العنوان الذي انتشر كالنار في الهشيم؟
عندما نشرت صحيفتا بيلد ودي فيلت تقريراً حصرياً عن محاكاة حرب قبل وقت قصير من أهم اجتماع لسياسة الدفاع الغربية، كان الحماس واضحاً. السيناريو: هجوم روسي خاطف على دول البلطيق يُشلّ أقوى تحالف عسكري في العالم في غضون أيام. بدت الرسالة واضحة - نحن عُزّل، وعلينا إعادة التسلح. لكن أي شخص يُمعن النظر في هذا التقرير الإخباري سيجد تناقضات صارخة.
كيف لجيش يدّعي خسارة أكثر من 1.2 مليون جندي في أوكرانيا، ويخوض حرب استنزاف مرهقة، أن يكون فجأةً قادراً على شنّ هجوم خاطف عالي الحركة ضد حلف الناتو؟ يكشف تحليل معمق لمحاكاة الحرب التي أُجريت في جامعة هيلموت شميدت أن نتيجة المحاكاة لم تكن مرتبطة بقوة روسيا بقدر ما كانت مرتبطة بتردد الغرب.
تتناول هذه المقالة نظرة موضوعية تتجاوز العنوان الرئيسي. نحلل القيود المنهجية لمحاكاة الحرب ونقارن السيناريوهات المُحاكاة بالحقائق الملموسة للإرهاق العسكري الروسي.
ذو صلة بهذا الموضوع:
عندما يصبح الخوف نموذجاً تجارياً إعلامياً، فإن التحليل الرصين هو أول ما يموت
كان التوقيت مثالياً. عشية مؤتمر ميونخ الأمني لعام 2026، وهو أهم اجتماع سنوي لسياسة الأمن الغربي، نشرت صحيفة بيلد عنواناً رئيسياً لفت انتباه حتى أكثر خبراء الأمن خبرة: بوتين قادر على هزيمة حلف الناتو بـ 15 ألف جندي فقط. أظهرت محاكاة حربية، أجرتها صحيفة دي فيلت في ديسمبر 2025 بالتعاون مع المركز الألماني لمحاكاة الحرب في جامعة هيلموت شميدت التابعة للقوات المسلحة الألمانية في هامبورغ، أن قوة روسية صغيرة قادرة على إخضاع أقوى تحالف عسكري في التاريخ في غضون أيام قليلة. تصدّر الخبر عناوين الصحف العالمية، ونُشرت تقارير عنه في صحيفة وول ستريت جورنال، وموقع بوليتيكو، وصحيفة الإندبندنت البريطانية، والعديد من وسائل الإعلام الأخرى. ما يبدو للوهلة الأولى تحذيراً استراتيجياً خطيراً، يستدعي عند التدقيق فيه تقييماً أكثر دقة يأخذ في الاعتبار كلاً من القيود المنهجية لمحاكاة الحرب والمصالح الاقتصادية الكامنة وراء هذا التهديد.
آلية المحاكاة: ما الذي تمت محاكاته فعلياً
كانت محاكاة الحرب طموحة للغاية من الناحية المنهجية. شارك ستة عشر شخصًا، من بينهم مسؤولون ألمان وحلف شمال الأطلسي رفيعو المستوى سابقًا، في سيناريو تدور أحداثه في أكتوبر 2026 في غرف منفصلة. تولى المحلل العسكري النمساوي فرانز ستيفان غادي دور رئيس الأركان العامة الروسي، بينما لعب ألكسندر غابويف، مدير مركز كارنيغي روسيا أوراسيا في برلين، دور فلاديمير بوتين. وشمل المشاركون من الجانب الغربي، من بين آخرين، المفتش العام السابق للجيش الألماني إيبرهارد زورن، وعضو البرلمان رودريش كيسويتر.
يفترض السيناريو وقف إطلاق النار في الحرب الأوكرانية صيف عام ٢٠٢٦. ثم اختلقت روسيا أزمة إنسانية في جيب كالينينغراد التابع لها، واتخذت ذلك ذريعةً لاحتلال مدينة ماريامبولي الليتوانية، الواقعة في مركز نقل أوروبي ذي أهمية استراتيجية، مع وجود نحو ١٢ ألف جندي متمركزين في بيلاروسيا وقوات إضافية من كالينينغراد. زرعت طائرات روسية مسيّرة ألغامًا على الحدود البولندية الليتوانية، وحوصرت قوات الناتو المتمركزة هناك عند قاعدتها. في المحاكاة، رفضت الولايات المتحدة تفعيل المادة الخامسة، وترددت ألمانيا، وحشدت بولندا قواتها لكنها لم تتدخل.
بعد ثلاثة أيام من المحاكاة، كانت النتيجة سيطرة روسيا على ممر سوالكي، وهو الممر البري الوحيد لحلف الناتو الذي يربط دول البلطيق، مما أدى فعلياً إلى شلّ الحلف. لخص غادي النتيجة الرئيسية قائلاً: إن الردع لا يعتمد على القدرات فحسب، بل أيضاً على ما يعتقده العدو بشأن إرادة الطرف الآخر. في مناورة الحرب، كان هو وزملاؤه الروس على يقين من أن ألمانيا ستتردد، وكان ذلك كافياً لتحقيق النصر.
ما لا تُظهره المحاكاة: المقدمات المبنية والقيود المنهجية
مهما كانت نتائج هذه الدراسة كاشفة فيما يتعلق بعمليات صنع القرار السياسي، فإن العنوان لا يروي سوى نصف الحقيقة. فقد اعتمدت المحاكاة على عدد من الفرضيات التي شكلت مجتمعةً سيناريو أسوأ الحالات، وهو سيناريو من غير المرجح أن يحدث في الواقع.
أولًا، يفترض السيناريو أن الولايات المتحدة لن تتدخل ولن تُفعّل المادة الخامسة خلال أول 48 ساعة. ورغم أن هذا السيناريو وارد في ظل إدارة أمريكية انعزالية، إلا أنه ليس النتيجة الأرجح. فالولايات المتحدة تحتفظ بوجود عسكري دائم في أوروبا، ولها مصالح أمنية كبيرة في دول البلطيق. ثانيًا، تفترض المحاكاة أن ألمانيا وبولندا ستلتزمان الحياد رغم العدوان الروسي الواضح على دولة عضو في حلف الناتو، وهو مسار عمل، وإن كان مقبولًا سياسيًا، إلا أنه يُقلل من شأن آليات التصعيد التلقائي القائمة في هيكل قيادة الناتو. ثالثًا، وكما أكد غابويف نفسه، من المرجح أن الدول الأوروبية كانت ستتحرك في وقت أبكر في الواقع، استنادًا إلى التقارير الاستخباراتية، مقارنةً بما حدث في المحاكاة، حيث تم تقييد تدفق المعلومات بشكل مصطنع.
وصفت المتحدثة السابقة باسم حلف الناتو، أوانا لونجيسكو، التي لعبت دور الأمين العام للحلف في مناورة الحرب، النتائج بأنها واقعية للغاية، للأسف، لكنها أكدت أيضاً على الطبيعة التشخيصية لهذه المناورة. وهذه هي النقطة الحاسمة: مناورة الحرب ليست حرباً بحد ذاتها، بل هي أداة لتحديد مواطن الضعف في عمليات صنع القرار وهياكل القيادة، وليست تنبؤاً بمسار الحرب الفعلي.
حقيقة الجيش الروسي: جيش على وشك الإنهاك
يُظهر تقييم موضوعي للوضع العسكري الروسي تناقضًا صارخًا مع العنوان الرئيسي. فقد توصل معهد دراسات الحرب (ISW)، في تحليله الشامل الصادر في نوفمبر 2025، إلى استنتاج صادم: منذ الغزو الشامل لأوكرانيا، شهد الجيش الروسي تحولًا سريعًا وشاملًا، مُحسّنًا قدراته لخوض حرب الخنادق. ومن المرجح أن القوات المسلحة المُنهكة لم تعد قادرة على شنّ حرب مناورة فعّالة واسعة النطاق. فروسيا لا تستطيع سوى شنّ هجمات مُحددة المواقع، وهي عاجزة عن القيام بمناورات عملياتية كبيرة.
تُعدّ أعداد الضحايا جراء الحرب في أوكرانيا كارثية بالنسبة لروسيا. فبحسب بيانات أوكرانية، أكدتها إلى حد كبير مصادر حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فقدت روسيا أكثر من 1.2 مليون جندي بحلول يناير/كانون الثاني 2026، من بينهم نحو 30 ألف قتيل في ديسمبر/كانون الأول 2025 وحده، بالإضافة إلى ما لا يقل عن 30 ألف جريح أو مفقود شهريًا. وفي عام 2025، جندت روسيا ما بين 403 آلاف و405 آلاف رجل للخدمة التعاقدية، بمعدل شهري يبلغ حوالي 34 ألفًا، وهو أقل بكثير من إجمالي الخسائر الشهرية التي بلغت نحو 60 ألفًا. وبالتالي، ومنذ نهاية عام 2025، باتت روسيا تفقد من الجنود أكثر مما تستطيع تجنيده.
الوضع فيما يتعلق بالمعدات ليس أفضل حالاً. فقد أكد مشروع أوريكس الهولندي للاستخبارات مفتوحة المصدر، من خلال صورٍ مرئية، خسارة أكثر من 20 ألف قطعة من المعدات العسكرية الروسية بحلول يناير/كانون الثاني 2025، بما في ذلك 15039 وحدة مدمرة. وتقدر القوات المسلحة الأوكرانية إجمالي الخسائر الروسية بحلول نهاية عام 2025 بنحو 12 ألف دبابة، ونحو 25 ألف مركبة مدرعة، ونحو 38 ألف منظومة مدفعية. وكان المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية قد حذر في وقت مبكر من عام 2025 من أنه إذا استمر معدل الخسائر والتدمير الحالي، فلن تمتلك روسيا ما يكفي من دبابات القتال الرئيسية لشن هجمات فعالة بحلول بداية عام 2026.
في الوقت نفسه، ورغم هذا الاستثمار الهائل للقوى العاملة والمعدات في أوكرانيا، لم تحقق روسيا سوى القليل. فمنذ بدء غزوها الشامل عام 2022، سيطرت روسيا على نحو 19% من الأراضي الأوكرانية، مع احتلالها لنحو 7% منها قبل ذلك التاريخ. أما المكاسب الإقليمية منذ يناير/كانون الثاني 2024، فلا تتجاوز 1.5% من الأراضي الأوكرانية. ويشير تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الصادر في يناير/كانون الثاني 2026 إلى أن القوات الروسية، في أبرز هجماتها، تقدمت بمعدل يتراوح بين 15 و70 متراً يومياً، وهو معدل أبطأ من أي حملة هجومية كبرى في أي حرب من حروب القرن الماضي. وقد دفعت روسيا ثمن هذه المكاسب الإقليمية الضئيلة بأعلى معدل خسائر بشرية بين القوى العظمى في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية.
مركز الأمن والدفاع - المشورة والمعلومات
يقدم مركز الأمن والدفاع مشورة الخبراء ومعلومات حديثة لدعم الشركات والمؤسسات بفعالية في تعزيز دورها في سياسة الأمن والدفاع الأوروبية. وبالتعاون الوثيق مع فريق عمل الدفاع التابع لمبادرة "تواصل الشركات الصغيرة والمتوسطة"، يُعنى المركز بشكل خاص بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تطوير قدراتها الابتكارية وتنافسيتها في قطاع الدفاع. وبصفته نقطة اتصال مركزية، يُشكل المركز جسراً حيوياً بين الشركات الصغيرة والمتوسطة واستراتيجية الدفاع الأوروبية.
ذو صلة بهذا الموضوع:
انتصار روسيا على الناتو؟ الحقيقة المزعجة وراء التخويف
تفوق حلف الناتو الساحق في العدد
ليس الدبابات، بل التردد: إن أكبر تهديد لأوروبا هو شيء آخر
إن مقارنة الجيش الروسي بجيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) تُبرز سخافة هذا العنوان الرئيسي بشكلٍ جليّ. يبلغ عدد جنود الناتو 3.44 مليون جندي في الخدمة الفعلية، مقابل 1.32 مليون جندي روسي. أما نسبة الطائرات المقاتلة فهي 22,377 إلى 4,957، والسفن الحربية 1,143 إلى 339، ودبابات القتال الرئيسية 11,495 إلى 5,750. وبلغت ميزانية الدفاع المشتركة للناتو في عام 2024 حوالي 1.47 تريليون دولار أمريكي، مقارنةً بميزانية روسيا المقدرة بين 110 و149 مليار دولار أمريكي. حتى مع استبعاد الولايات المتحدة، أنفقت دول الناتو الأوروبية على الدفاع أكثر من روسيا، بعد تعديلها وفقًا لتعادل القوة الشرائية: 430 مليار دولار أمريكي مقابل 300 مليار دولار أمريكي.
خلصت دراسة أجرتها منظمة غرينبيس، بتكليف من الباحثين في مجال السلام هربرت وولف وكريستوفر شتاينميتز عام 2024، إلى أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) يتفوق على روسيا بشكل كبير في جميع المعايير العسكرية الرئيسية تقريبًا، حتى بدون الولايات المتحدة. فقد امتلكت الدول الأعضاء في الناتو 5406 طائرات مقاتلة، منها 2073 طائرة في أوروبا، مقارنةً بـ 1026 طائرة روسية فقط. ولم يكن التكافؤ واضحًا إلا في مجال الأسلحة النووية. كما وجدت الدراسة أن روسيا متأخرة بشكل ملحوظ في العديد من مجالات تطوير الأسلحة، وهي فجوة يصعب سدها خلال عقد من الزمن.
ذو صلة بهذا الموضوع:
- خطة سرية بعنوان "خطة عمليات ألمانيا": هل ستكون ألمانيا جاهزة للحرب بحلول عام 2029؟ من سيدفع تكاليف الاستعدادات لحالة طوارئ محتملة؟
ومع ذلك، فإن المحاكاة تثير حساسية بالغة
لا تعني هذه الأرقام أن المحاكاة عديمة الجدوى، بل على العكس، فهي تُشير إلى ثغرة حقيقية وخطيرة، لا علاقة لها بالقوة العسكرية الروسية. تكمن المشكلة الحقيقية في عملية صنع القرار السياسي في الغرب. إن مسألة ما إذا كانت ألمانيا مستعدة فعلاً للمخاطرة بجنودها دفاعاً عن ليتوانيا ليست مسألة افتراضية، بل هي مسألة تمس مصداقية استراتيجية الردع لحلف الناتو برمتها.
عبّر غادي عن هذا بدقة: هدف روسيا من الحرب في البلطيق ليس الغزو، بل تشويه سمعة حلف الناتو كتحالف. إذا استطاعت روسيا أن تثبت بشكل قاطع أن دول الناتو لن تتكاتف في الأزمات، فسيكون الضرر الاستراتيجي أكبر بكثير من أي مكسب إقليمي. وقد أظهرت المناورة الحربية أن الخطر الأكبر لا يأتي من الدبابات الروسية، بل من السعي إلى التوافق في بروكسل وبرلين وواشنطن.
لا شك أن هذه النتيجة قيّمة. فقد توصلت مؤسسة راند إلى استنتاجات مماثلة في عام 2016، مشيرةً إلى أن القوات الروسية قادرة على الوصول إلى تالين وريغا في غضون 36 إلى 60 ساعة. وبعد مرور ما يقرب من عقد من الزمان، لا تزال هذه الثغرة الرئيسية قائمة: فبمجرد أن تُرسّخ روسيا وقائعها على الأرض، سيكون تغييرها مكلفاً للغاية.
قدرة روسيا على إعادة البناء: مسألة وقت، وليست مسألة إرادة
إن مسألة ما إذا كانت روسيا قادرة على تشكيل تهديد لحلف الناتو على المدى المتوسط أكثر تعقيدًا مما يوحي به العنوان. ففي عام 2024، حللت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي مسارات إعادة بناء روسيا حتى عام 2030، وخلصت إلى أنه على الرغم من سعي روسيا لتنفيذ برنامج طويل الأمد لإعادة بناء قواتها المسلحة، إلا أن هذا البرنامج يواجه عوائق كبيرة بسبب العقوبات والقيود الاقتصادية ونقص العمالة. وقد حذر الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، في يونيو/حزيران 2025، من أن روسيا قد تكون قادرة على شن عمليات عسكرية ضد الدول الأعضاء في الناتو في غضون خمس سنوات. وأكد معهد دراسات الحرب هذا التقييم، لكنه شدد على أن روسيا لن تضطر بالضرورة إلى خفض قواتها المسلحة إلى مستويات ما قبل عام 2022 لتحقيق ذلك.
صرح وزير الدفاع الروسي، أندريه بيلوسوف، خلال اجتماع موسع للجنة التنفيذية لوزارة الدفاع في ديسمبر/كانون الأول 2024، بأن صراعًا واسع النطاق مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) واردٌ خلال العقد المقبل، وأن الجيش الروسي بحاجة إلى إعادة هيكلة وفقًا لذلك، بغض النظر عن نتيجة الأزمة الأوكرانية. وتشير تقديرات استخبارات الناتو إلى أن روسيا ستنتج حوالي 1500 دبابة، و3000 مركبة مدرعة، و200 صاروخ إسكندر بحلول عام 2025، ومن المرجح أن يكون جزء كبير منها مُعاد تدويره من مخزونات الحقبة السوفيتية.
في الوقت نفسه، يُظهر الاقتصاد الروسي علامات واضحة على وجود ضغوط. فقد تباطأ النمو الاقتصادي إلى 0.6% في عام 2025، وانخفض الإنتاج الصناعي، وظل التضخم مرتفعاً بشكل ملحوظ، وتعاني البلاد من نقص حاد في الأيدي العاملة. ووفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، لم يكن لروسيا أي شركات ضمن أكبر 100 شركة تكنولوجية في العالم، مما يحد بشكل كبير من قدرتها التنافسية على المدى الطويل في التقنيات الرئيسية مثل الذكاء الاصطناعي.
التمييز الضروري: المخاوف المشروعة مقابل التخويف
لا يعني كل هذا أن المخاوف بشأن العدوان الروسي لا أساس لها من الصحة. فقد حذر رئيس جهاز الاستخبارات الألمانية (BND)، مارتن ياغر، من أن روسيا لن تتردد في مواجهة عسكرية مباشرة مع حلف الناتو إذا رأت ذلك ضرورياً. وحدد مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية السابق، ديفيد بترايوس، ليتوانيا باعتبارها الهدف الأرجح في حال نجاح روسيا في أوكرانيا. هذه التحذيرات تستحق الاهتمام.
لكن الادعاء بأن روسيا قادرة على هزيمة حلف الناتو بـ 15 ألف جندي هو تبسيط مفرط لا يمت للواقع بصلة. فدولة تسيطر، بعد أربع سنوات من الحرب، على أقل من 20% من أوكرانيا بأكثر من مليون جندي وإنفاق عسكري هائل، وتتقدم بمعدل يتراوح بين 15 و70 متراً يومياً، لا تستطيع في الوقت نفسه هزيمة حلف يضم 3.44 مليون جندي، وميزانية دفاعية أكبر بعشر مرات، وتفوقاً تكنولوجياً في كل المجالات تقريباً. ما تُظهره المحاكاة في الواقع ليس قوة روسيا، بل ضعف أوروبا السياسي، وهذه مشكلة مختلفة تماماً لا يمكن حلها بمليارات الدولارات من الإنفاق العسكري وحده.
كان من الأجدر أن يكون العنوان الأكثر صدقًا: "تُظهر مناورة الحرب أن أوروبا تستسلم للضغوط السياسية". لكن هذا العنوان كان سيجذب عددًا أقل من النقرات، ويُثير مخاوف أقل، ولا يتناسب مع السردية التي تُبرر زيادة الإنفاق الدفاعي. إن حقيقة أن المشكلة سياسية في المقام الأول وليست عسكرية تُقلل منها التغطية الإعلامية بشكل ممنهج، لأن الإرادة السياسية لا يُمكن شراؤها من شركة راينميتال.
أوروبا بين نقطة تحول في التاريخ وخطر التضخم
قدّم البنك المركزي الأوروبي أرقامًا تدعو للتأمل في تحليله لتأثير الإنفاق الدفاعي الإضافي. إذ بلغ إجمالي الإنفاق العسكري الإضافي في منطقة اليورو بين عامي 2025 و2027 ما يقارب 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي. ولا يتجاوز تأثيره على النمو 0.06 إلى 0.12 نقطة مئوية سنويًا، كما يبقى تأثيره على التضخم محدودًا. ولا تدعم هذه البيانات التوقعات السائدة بأن إعادة التسلح يمكن أن تكون حافزًا اقتصاديًا.
في الوقت نفسه، يحذر النقاد من التكاليف البديلة. فكل يورو يُنفق على الأسلحة يعني يورو أقل متاحًا للتعليم والرعاية الصحية والتحول في قطاع الطاقة. ويجادل باحثا السلام وولف وستاينميتز بأن التفوق التقليدي الحالي لحلف الناتو لا يبرر الحاجة إلى زيادة دائمة في الإنفاق العسكري على حساب مجالات حيوية أخرى.
لا يعني هذا أن أوروبا لا تعاني من أي عجز دفاعي. فجاهزية القوات المسلحة الألمانية العملياتية لا تزال موضع إشكال، وصناعة الأسلحة الأوروبية متشرذمة، والتنسيق السياسي في حالات الأزمات يحتاج بوضوح إلى تحسين. ومع ذلك، فإن حل هذه المشاكل يتطلب، في المقام الأول، إصلاحات هيكلية، وتكاملاً أفضل، وقبل كل شيء، إرادة سياسية، لا ذعراً إزاء جيش منهك حالياً جراء الحرب في أوكرانيا.
ذو صلة بهذا الموضوع:
- عندما تتحول البنية التحتية في زمن السلم إلى لوجستيات حرب | خطة عمليات ألمانيا: مركز اللوجستيات تحت الضغط
ما تبقى: السؤال الصحيح، ولكن بصياغة خاطئة
تطرح محاكاة الحرب التي أجرتها صحيفة "فيلت" ومركز ألعاب الحرب الألماني سؤالاً جوهرياً: هل أوروبا مستعدة للدفاع عن حلفائها في أحلك الظروف؟ والإجابة التي تقدمها المحاكاة مقلقة. إلا أن عرض وسائل الإعلام لهذه النتيجة تحت عنوان "بوتين قادر على هزيمة الناتو بـ 15 ألف جندي" مضلل ومثير، ويصب في مصلحة من سيستغلون هذا الشعور بالتهديد بطريقة أو بأخرى.
لذا، فإن مصداقية هذا الادعاء مسألة نسبية. فباعتبارها أداة تشخيصية لتحديد مواطن الضعف السياسي في هياكل صنع القرار في حلف الناتو، تُعدّ المحاكاة قيّمة. أما كبيانٍ عن الوضع العسكري الحقيقي، فهي مشوّهةٌ بشكلٍ كبير. وباعتبارها حدثًا إعلاميًا أُطلق بالتزامن مع مؤتمر ميونيخ للأمن، وظهر وسط تزايد مخزونات الأسلحة وبرامج إعادة التسلح التي تُقدّر بمليارات الدولارات، فإنها تخدم تحديدًا ما أسماه أيزنهاور، في خطابه الوداعي الشهير عام 1961، بالمجمع الصناعي العسكري.
تُشكّل روسيا تحديًا أمنيًا خطيرًا. لكن دولة تُنهك قواتها المسلحة بشكل منهجي في حرب أوكرانيا، وتخسر جنودًا شهريًا أكثر مما تُجنّد، وتتقلص اقتصاديًا إلى مستوى قوة إقليمية، وتتخلف تكنولوجيًا، عاجزة عن هزيمة حلف الناتو عسكريًا، لا بـ 15 ألف جندي ولا بـ 150 ألفًا. مع ذلك، ما تستطيع روسيا فعله هو استغلال الانقسامات السياسية داخل الحلف. وهذا ما يجب أن يكون العنوان الرئيسي.
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
رئيس قسم تطوير الأعمال
رئيس فريق عمل الدفاع التابع لشبكة الشركات الصغيرة والمتوسطة
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
التواصل معي عبر wolfenstein ∂ xpert.digital
اتصل بي على الرقم +49 89 89 674 804 (ميونخ) .
خبراء الخدمات اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج
يشهد الاقتصاد العالمي حاليًا تحولًا جذريًا، لحظة فارقة تهز أركان الخدمات اللوجستية العالمية. لقد ولّى عهد العولمة المفرطة، الذي تميز بالسعي الدؤوب لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة ومبدأ "التوريد في الوقت المناسب"، ليحل محله واقع جديد. يتميز هذا الواقع الجديد بتغيرات هيكلية عميقة، وتحولات في موازين القوى الجيوسياسية، وتزايد تشرذم السياسات الاقتصادية. إن القدرة على التنبؤ التي كانت تُعتبر أمرًا مفروغًا منه في الأسواق الدولية وسلاسل التوريد تتلاشى، ليحل محلها فترة من عدم اليقين المتزايد.
ذو صلة بهذا الموضوع:
























