تاريخ النشر: ٢١ يناير ٢٠٢٦ / تاريخ التحديث: ٢١ يناير ٢٠٢٦ - المؤلف: Konrad Wolfenstein

التحول الطاقي في ألمانيا: بين نموذج عالمي يحتذى به واختبار اقتصادي صعب – صورة إبداعية: Xpert.Digital
الثمن الباهظ للريادة: متى تصبح الريادة مخاطرة اقتصادية؟
التحول العالمي في مجال الطاقة: مراجعة البيانات
وصل توليد الكهرباء العالمي إلى نقطة تحول حاسمة. ففي عام 2023، ولأول مرة، سيأتي 30% من الكهرباء العالمية من مصادر متجددة. يُمثل هذا التطور تحولاً هيكلياً تاريخياً يُفند التوقعات السائدة حول الوقود الأحفوري. فقد تجاوز الوقود الأحفوري ذروته التاريخية في العقد الثاني من الألفية، وخسر منذ ذلك الحين نحو عشر نقاط مئوية من حصته السوقية. في الوقت نفسه، شهدت الطاقة النووية انخفاضاً مستمراً، حيث انخفضت حصتها من توليد الكهرباء العالمي إلى النصف تقريباً، وهي حالياً أقل من 10%. تُظهر هذه الأرقام بوضوح أن إزالة الكربون ليست مشروعاً أوروبياً خاصاً، بل واقعاً عالمياً. وقد ارتفعت نسبة الطاقة المتجددة من 20% إلى 30%، مواصلةً بذلك الاتجاه الذي بدأ في العقد الأول من الألفية. هذا التحول لا رجعة فيه ويتسارع بوتيرة متزايدة.
ألمانيا كدولة رائدة: أساطير وحقائق
لطالما اعتُبرت ألمانيا مثالاً رائداً في التحول الناجح للطاقة. وقد حظي الدور الريادي الذي اضطلعت به البلاد من خلال التخلص التدريجي من الطاقة النووية والتوسع الهائل في مصادر الطاقة المتجددة بإعجاب دولي واسع. ويبدو أن الأرقام تُبرر هذا الإعجاب، حيث ارتفعت حصة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الكهربائية الألماني من 6.5% عام 2000 إلى 58% عام 2024. هذه الزيادة الهائلة، التي بلغت ثمانية أضعاف خلال عقدين فقط، تُعدّ مثيرة للإعجاب. لقد كانت ألمانيا بالفعل في طليعة هذا التحول، ومهدت الطريق أمام العديد من الاقتصادات الأخرى. واعتُبرت قرارات العقد الأول من الألفية الثانية، ولا سيما قانون مصادر الطاقة المتجددة، جريئة وذات رؤية مستقبلية. ولكن وراء هذه الأرقام الناجحة، تكمن حقيقة اقتصادية معقدة تُلقي الضوء بشكل كبير على الصورة الأوسع للميزانية العمومية.
إمدادات الكهرباء العالمية: الصعود المتواصل للطاقة المتجددة
يُظهر المنظور العالمي أن ألمانيا ليست حالةً معزولة. ففي 102 دولة، تبلغ حصة الطاقات المتجددة 30% أو أكثر، بل وتتجاوز 69 دولة حاجز الـ 50%. وتُنتج الصين وحدها 32% من كهرباء العالم من مصادر متجددة، تليها الولايات المتحدة بنسبة 11%، ثم البرازيل بنسبة 7%. وبلغت الاستثمارات في الطاقات المتجددة قرابة 500 مليار دولار في عام 2022، مُشكّلةً 83% من القدرة الكهربائية الجديدة. وتُهيمن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على النمو، حيث زادت الطاقة الشمسية بنسبة 23%، وطاقة الرياح بنسبة 10% تقريبًا. وانخفضت تكاليف الطاقة الشمسية انخفاضًا كبيرًا، وهو تطور ساهمت ألمانيا بشكلٍ كبير في انطلاقه. وقد دفعت الإعانات الألمانية للطاقة الشمسية في العقد الأول من الألفية الثانية التطور التكنولوجي العالمي وخفضت الأسعار للجميع. وغالبًا ما يُستهان بهذا الأثر الإيجابي. لقد دعمت ألمانيا التحول العالمي في قطاع الطاقة.
تراجع الطاقة النووية: اتجاه عالمي
تتراجع الطاقة النووية عالميًا، حيث انخفضت حصتها من 17.5% عام 1996 إلى 9% عام 2024. ورغم بناء مفاعلات جديدة في الصين، لا يزال إنتاج الكهرباء الإجمالي أقل من ذروته التاريخية. أما خارج الصين، فقد انخفضت الطاقة النووية بنسبة 14% مقارنةً بعام الذروة. ولا يستطيع السوق الصيني تعويض هذا التراجع العالمي. فبين عامي 2005 و2024، تم تشغيل 104 مفاعلات، بينما تم إيقاف تشغيل 101 مفاعل. وقد بنت الصين 51 مفاعلًا جديدًا، في حين انخفض هذا العدد خارج الصين بمقدار 48 مفاعلًا. وتتزايد تكاليف الطاقة النووية، في حين تصبح مصادر الطاقة المتجددة أرخص فأرخص. ولا يزال الحديث عن نهضة الطاقة النووية مجرد وهم، فالواقع يُظهر تراجعًا متسارعًا. ولم تكن ألمانيا متأخرة في هذا المجال، بل كانت رائدة في هذا التوجه العالمي.
إنجاز التحول في ألمانيا: من التخصص إلى التيار السائد
حوّلت ألمانيا التحول في قطاع الطاقة من فكرة محدودة إلى مصدر طاقة صناعي رئيسي. وبحلول عام 2024، بلغت حصة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء الألماني 58%. وبلغت الطاقة المتجددة 137 تيراواط/ساعة من طاقة الرياح، و61 تيراواط/ساعة من الطاقة الشمسية، و46 تيراواط/ساعة من طاقة الكتلة الحيوية. ووصلت ذروة القدرة الإجمالية للطاقة المتجددة إلى 82 جيجاواط. استندت الاستراتيجية الألمانية إلى عقود طويلة الأجل مدتها 20 عامًا، مع إعطاء الأولوية للوصول إلى الشبكة. وقد أدت هذه السياسة إلى موجة من الاستثمارات، حيث انخفضت تكاليف الطاقة الشمسية عالميًا بنسبة 80%. وساهمت ألمانيا في ذلك من خلال دمج الطاقة الشمسية على نطاق واسع في وقت مبكر. كان المنطق الاقتصادي واضحًا: وفورات الحجم وتأثيرات التعلم ستؤدي إلى انخفاض الأسعار. وقد نجحت هذه الخطة. وموّلت الرسوم الإضافية لصندوق دعم الطاقة الألماني هذا التحول. واستفادت الصناعة من انخفاض أسعار الجملة، حيث انخفضت أسعار الكهرباء بنسبة 30% خلال عامين.
التقييم الاقتصادي: هل هو نموذج يحتذى به أم إشارة تحذير؟
يتباين الأثر الاقتصادي لانتقال ألمانيا في قطاع الطاقة. تُقدّر دراسة أجرتها غرفة التجارة والصناعة الألمانية (DIHK) التكاليف الإجمالية لهذا الانتقال بما يتراوح بين 4.8 و5.4 تريليون يورو بحلول عام 2049. وسيتعين مضاعفة الاستثمارات أو زيادتها ثلاثة أضعاف، من 82 مليار يورو سنويًا إلى ما بين 113 و316 مليار يورو بحلول عام 2035. وتبلغ تكاليف شبكة الكهرباء وحدها 1.2 تريليون يورو، بينما تصل تكاليف الاستيراد إلى ما بين 2.0 و2.3 تريليون يورو. أما تكاليف تشغيل محطات التوليد فتبلغ 500 مليار يورو. هذه الأرقام تُشكك في قدرة ألمانيا التنافسية. سيضطر الاقتصاد الألماني إلى استثمار ما بين 15 و41% إضافية، ما سيزيد العبء على الشركات والأسر بشكل كبير. ويتراجع القبول الشعبي لهذا التحول. تقترح الدراسة خطة بديلة من شأنها توفير ما بين 530 و910 مليارات يورو. كما أن تأجيل هدف الحياد المناخي لمدة عامين سيوفر ما بين 80 و220 مليار يورو إضافية. وقد تتجاوز الوفورات الإجمالية تريليون يورو. والسؤال المطروح: هل كانت ألمانيا متسرعة جدًا، ومكلفة جدًا، ومتعصبة أيديولوجيًا؟
مستقبل التحول في مجال الطاقة
لم تكن ألمانيا سائقة متهورة، بل رائدة شجاعة. كانت قرارات العقد الأول من الألفية الثانية صائبة وضرورية، إذ أطلقت عملية خفض تكلفة الطاقة المتجددة عالميًا. مع ذلك، فإن التكاليف الاقتصادية باهظة. تُظهر الدراسة أن السياسات الحالية غير مستدامة ماليًا. يجب أن يصبح التحول أكثر كفاءة، مع تقليص البيروقراطية والحفاظ على الانفتاح التكنولوجي. يمكن لشبكات الغاز نقل الهيدروجين، كما يُعدّ الميثان الحيوي والهيدروجين الأزرق من الخيارات المتاحة. لقد مهدت ألمانيا الطريق، ولكن عليها الآن ضبط التكاليف. يحمل هذا الدور الريادي خطر أن يصبح عبرة للآخرين. يكمن التحدي الرئيسي في تحقيق التوازن بين حماية المناخ والقدرة التنافسية. لا يمكن أن ينجح التحول في قطاع الطاقة إلا باقتصاد قوي. تُعلّمنا التجربة الألمانية أن الرؤى تحتاج إلى واقع اقتصادي.











