أمراء الحرب والذهب والجوع: من المستفيد الحقيقي من الانهيار الاقتصادي للسودان؟
إصدار تجريبي من إكسبرت
اختيار اللغة 📢
تاريخ النشر: 3 نوفمبر 2025 / تاريخ التحديث: 3 نوفمبر 2025 - المؤلف: Konrad Wolfenstein

أمراء الحرب، والذهب، والجوع: من المستفيد الحقيقي من الانهيار الاقتصادي في السودان؟ – صورة إبداعية: Xpert.Digital
تضخم بنسبة 200%، وتدمير نصف الاقتصاد: الحقيقة المُرّة وراء الأرقام في السودان
منارة أمل إلى "دولة فاشلة": القصة المأساوية للانهيار الاقتصادي في السودان
إن فكرة سعي الشركات السودانية للتوسع في السوق الأوروبية وسط الدمار الحالي تصطدم بواقع مرير ومأساوي. إن أي نقاش حول استراتيجيات دخول السوق، أو الشراكات التجارية، أو "غزو" الأسواق الألمانية ليس سابقًا لأوانه فحسب، بل هو أيضًا سوء تقدير جوهري للوضع الكارثي في بلدٍ دُمّرت بنيته الاقتصادية والاجتماعية بشكل ممنهج. السودان ليس سوقًا صعبًا، بل في ظل الظروف الراهنة، لم يعد سوقًا بالمعنى الحقيقي.
أدت الحرب الأهلية الدائرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، والمستمرة منذ أبريل/نيسان 2023، إلى انهيار اقتصادي شامل. وتُظهر الأرقام صورة قاتمة: فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 42%، وارتفع معدل التضخم إلى 200%، وفُقدت 5.2 مليون وظيفة، أي نصف إجمالي الوظائف. أما العاصمة الخرطوم، التي كانت تُعتبر القلب الاقتصادي للبلاد، فقد أصبحت الآن أطلالاً بعد عامين تقريباً من القتال الضاري.
لكن وراء هذه الأرقام المجردة تكمن مأساة إنسانية ذات أبعاد عالمية. فمع وجود أكثر من 30 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة و12.9 مليون نازح، يشهد السودان أكبر أزمة لاجئين في العالم. ويتفشى الجوع في معظم أنحاء البلاد. ولم يقتصر الأمر على إضعاف الاقتصاد فحسب، بل تحوّل إلى اقتصاد حرب، حيث يموّل أمراء الحرب آلتهم الحربية بنهب الموارد كالذهب وقمع أي مبادرة مدنية.
لذا، لا تُعدّ هذه المقالة دليلاً لدخول سوق مستحيل، بل هي تحليل دقيق للانهيار الاقتصادي، يُسلّط الضوء على الأسباب الهيكلية التي جعلت السودان عاجزاً فعلياً عن أن يكون شريكاً تجارياً. وتتناول المقالة كيف أُهدر مستقبل واعد، وكيف يعمل اقتصاد الحرب، ولماذا يعتمد أي أمل في الانتعاش الاقتصادي على إنهاء الصراع وعقود من إعادة الإعمار الشاقة.
من الواقع إلى التكهنات: لماذا لا يسمح الواقع الاقتصادي السوداني بالتوسع الأوروبي
يواجه سؤال فرص التوسع للشركات السودانية في الأسواق الألمانية والأوروبية حقيقةً مُقلقة: يفتقر السودان حاليًا إلى قاعدة متينة من القطاع الخاص تُبرر أو تُمكّن التوسع التجاري الدولي. فالحرب الأهلية الدائرة منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية لم تُدمر البلاد ماديًا فحسب، بل قضت أيضًا على أي بنية تحتية تجارية قائمة. والوضع الاقتصادي ليس صعبًا فحسب، بل كارثي لدرجة تجعل أي نقاش حول استراتيجيات دخول السوق الأوروبية ضربًا من العبث.
الأرقام الصادمة تتحدث عن نفسها: فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي للسودان من 56.3 مليار دولار أمريكي في عام 2022 إلى ما يُقدّر بنحو 32.4 مليار دولار أمريكي بحلول نهاية عام 2025، أي بخسارة تراكمية قدرها 42% من إجمالي الناتج الاقتصادي. وبلغ معدل التضخم مستوىً فلكياً قدره 200% في عام 2024، في حين فُقدت 5.2 مليون وظيفة، أي نصف القوى العاملة. هذا ليس مجرد تراجع اقتصادي، بل انهيار اقتصادي شامل. أكثر من 30 مليون شخص، أي ما يزيد عن 60% من السكان، بحاجة إلى مساعدات إنسانية، و12.9 مليون نازح، وتعاني 14 منطقة على الأقل من مجاعة حادة.
إن الحديث عن "الصناعات والشركات السودانية" التي يمكنها "توسيع أعمالها في أوروبا" في ظل هذه الظروف يُشوّه الواقع تمامًا. فلا تكاد توجد شركات سودانية عاملة قادرة على الاستمرار لأكثر من مجرد البقاء. فقد انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 70%، والقيمة المضافة للزراعة بنسبة 49%. حتى الشركات الكبرى القليلة التي كانت موجودة قبل الحرب، مثل مجموعة دال، توقفت عن العمل أو نقلت عملياتها. وانهارت البنية التحتية المصرفية، وانقطعت طرق التجارة، وأصبحت العاصمة الخرطوم، التي كانت يومًا ما القلب الاقتصادي للبلاد، أطلالًا.
وبالتالي، لا يتناول هذا التحليل فرص التوسع السوداني الوهمي في أوروبا، بل يتناول الأسباب الهيكلية التي تجعل السودان غير موجود بشكل فعال كشريك اقتصادي في ظل الظروف الحالية - وما هي التحولات الأساسية اللازمة لكي نتمكن من التفكير في العلاقات التجارية الدولية مرة أخرى.
منارة أمل إلى ساحة حرب: الدمار الاقتصادي لبلد
لا تكمن مأساة السودان في الكارثة الراهنة فحسب، بل في الفرصة الضائعة أيضاً. ففي عام 2019، وبعد الإطاحة بالدكتاتور عمر البشير، بدأت تلوح في الأفق بوادر أمل دولي. ونظمت ألمانيا مؤتمراً للشراكة مع السودان في يونيو/حزيران 2020، تعهد فيه الشركاء الدوليون بتقديم 1.8 مليار دولار أمريكي لدعم عملية التحول. وفي عام 2021، منح صندوق النقد الدولي والبنك الدولي السودان تخفيفاً لديونه بموجب مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، مما خفض ديونه الخارجية من 56.6 مليار دولار أمريكي إلى حوالي 6 مليارات دولار أمريكي. وبدا وكأن السودان، بعد عقود من العزلة، قد يصبح شريكاً مستقراً.
تبددت هذه الآمال مع الانقلاب العسكري الذي وقع في أكتوبر/تشرين الأول 2021، حين استولى الفريق أول عبد الفتاح البرهان على السلطة وأطاح بالحكومة الانتقالية المدنية. وتجمدت المساعدات الدولية، وتوقفت برامج التنمية. لكن الكارثة الحقيقية بدأت في أبريل/نيسان 2023، عندما تحول الصراع على السلطة بين جيش البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو إلى حرب أهلية.
كانت العواقب الاقتصادية كارثية وغير مسبوقة في سرعتها. كان الإنتاج الصناعي يتركز تقليديًا في منطقة الخرطوم الكبرى، حيث دارت أعنف المعارك. نُهبت المصانع، ودُمرت الآلات أو سُرقت، وقُصفت منشآت الإنتاج. استمرت معركة الخرطوم قرابة عامين، وتُعتبر واحدة من أطول المعارك وأكثرها دموية التي شهدتها عاصمة أفريقية، حيث تجاوز عدد القتلى 61 ألفًا في منطقة العاصمة وحدها. لم ينجح الجيش إلى حد كبير في طرد قوات الدعم السريع من الخرطوم إلا في مارس 2025، ولكن بحلول ذلك الوقت كانت المدينة قد تحولت إلى أطلال مدمرة.
كما تكبدت الزراعة، التي كانت تساهم بنحو 35% من الناتج المحلي الإجمالي وتوظف 80% من القوى العاملة قبل الحرب، خسائر فادحة. فقد انخفض إنتاج الحبوب في عام 2024 بنسبة 46% عن مستوى عام 2023، وبنسبة 40% عن متوسط السنوات الخمس الماضية. ولم يتمكن العديد من المزارعين من زراعة حقولهم إما بسبب فرارهم أو لأن المناطق أصبحت ساحات قتال. وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بشكل حاد، فأصبح الأرز والفاصوليا والسكر باهظة الثمن في بعض المناطق، بينما تضاعفت أسعار اللحوم أكثر من مرتين.
لقد تم تجريم قطاع الذهب، الذي كان يُدرّ نحو 70% من عائدات التصدير، بشكل فعلي. وسيطر كلا الطرفين المتحاربين - الجيش وقوات الدعم السريع - على مناجم الذهب، ويستخدمان عائداتها لتمويل حربهما. ويُقدّر أن ما بين 80 و85% من الذهب السوداني يُهرّب إلى الخارج، وخاصةً إلى الإمارات العربية المتحدة. ولا تُمثّل صادرات الذهب الرسمية إلى الإمارات، والبالغة 750.8 مليون دولار أمريكي في النصف الأول من عام 2025، سوى جزء ضئيل من حجم التجارة الفعلي. ويحول هذا الاقتصاد الحربي دون أي تنمية اقتصادية منظمة، وحوّل السودان إلى دولة فاشلة سيطرت فيها الجريمة المنظمة وهيمنة أمراء الحرب.
كانت العلاقات الاقتصادية الألمانية السودانية، ذات التاريخ العريق، هامشيةً حتى قبل الحرب. فقد بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي في عام 2021 ما لا يزيد عن 128 مليون يورو. وشكّلت صادرات السودان التقليدية إلى ألمانيا - كالقطن والصمغ العربي والسمسم - نسبةً ضئيلةً من حجم واردات ألمانيا. في المقابل، كان السودان يستورد في المقام الأول الآلات والمعدات والسلع المصنعة من ألمانيا. ومنذ اندلاع الحرب، توقفت هذه التجارة المتواضعة أصلاً بشكل شبه كامل، حيث تُظهر الإحصاءات البريطانية أن التجارة البريطانية مع السودان - وإن كانت بمستوى منخفض - باتت تقتصر تقريباً على السلع الإنسانية.
تكشف التطورات التاريخية عن نمط من الفرص الضائعة: فقد امتلك السودان بلا شك إمكانات اقتصادية هائلة بعد استقلاله عام ١٩٥٦، لكنه أهدرها على مدى عقود من الحرب الأهلية وسوء الإدارة والعقوبات الدولية. وانتهت فترة الأمل القصيرة بين عامي ٢٠١٩ و٢٠٢١ نهايةً مأساوية بعودة الحكم العسكري والحرب. ويمثل الوضع الراهن أدنى مستوى تاريخي، سيستغرق التعافي منه - حتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً - عقوداً.
تشريح الانهيار: اقتصاديات الحرب والمستفيدون منها
يتبع الانهيار الاقتصادي السوداني آليات محددة تتجاوز بكثير حالات الركود العادية. ويكمن جوهره في التحول من اقتصاد سوقي - وإن كان هشاً - إلى اقتصاد حرب تسيطر عليه قوتان عسكريتان هدفهما الاقتصادي الوحيد هو تمويل آلتهما الحربية.
سيطرت قوات الدعم السريع، بقيادة الجنرال دقلو، على مناجم الذهب الغنية في دارفور وشمال كردفان. وتسيطر هذه الميليشيا شبه العسكرية، المنحدرة من فرسان الجنجويد سيئي السمعة، على مساحات شاسعة من مناطق تعدين الذهب الغربية. وتشير التقديرات إلى أن مناجم دارفور التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع استخرجت ذهباً بقيمة 860 مليون دولار أمريكي في عام 2024 وحده. ويتم تهريب معظم هذا الذهب بشكل غير قانوني إلى الإمارات العربية المتحدة، التي بدورها تزودها بالأسلحة والذخائر، في مثال صارخ على لعنة الموارد التي تُطيل أمد الصراع المسلح.
تسيطر القوات المسلحة السودانية بدورها على البنية التحتية الاستراتيجية والموانئ والمؤسسات المملوكة للدولة، طالما أنها لا تزال تعمل. ويُعدّ ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، وهو أهم موانئ البلاد، نقطة عبور لصادرات النفط والذهب، فضلاً عن واردات الأسلحة. ولا يرغب أي من طرفي النزاع في اقتصاد مدني فاعل، إذ إن ذلك من شأنه أن يُهدد سيطرتهما على الموارد ومصادر الإيرادات.
بالنسبة للسكان المدنيين المتبقين والشركات القليلة المتبقية التي لا تزال تعمل، يُعدّ اقتصاد الحرب هذا بمثابة مصادرة فعلية. وتفيد المنظمات الدولية بحدوث عمليات نهب ممنهجة من كلا الجانبين، وابتزاز، واعتقالات تعسفية، ومصادرة للسلع ووسائل الإنتاج. ولا تستطيع الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تُشكّل عماد أي اقتصاد فاعل، العمل في ظل هذه الظروف. وقد أوقفت مجموعة دال، إحدى أكبر التكتلات الخاصة في السودان والتي تعمل في إنتاج الغذاء وقطاعات أخرى، إنتاجها أو نقلته إلى مواقع أكثر أمانًا.
تعكس المؤشرات الاقتصادية الكلية هذا الانهيار المؤسسي. فقد بلغ معدل التضخم 200% في عام 2024 نتيجةً لتضافر عوامل عدة، منها طباعة النقود لتمويل الحروب، واضطرابات الاستيراد، وانهيار الجنيه السوداني. أصبح سعر الصرف الرسمي بلا معنى، إذ تُعرض أسعار صرف أسوأ بكثير في السوق السوداء. وهذا يجعل أي حسابات تجارية، سواءً كانت موجهة نحو الاستيراد أو التصدير، مستحيلة. لم تعد العملة مخزناً للقيمة، بل مجرد وسيلة تبادل تتدهور قيمتها بسرعة.
بلغت البطالة مستويات كارثية، مع فقدان 5.2 مليون وظيفة، أي ما يقارب نصف إجمالي الوظائف الرسمية. ويُعدّ الوضع بالغ الخطورة في قطاعي الخدمات والصناعة، اللذين كانا يتركزان في الخرطوم ومحيطها. وقد فرّ العديد من العمال أو فقدوا وظائفهم التي يمكنهم العودة إليها. كما انهار الاقتصاد غير الرسمي، الذي كان يُمثّل أكثر من نصف الناتج الاقتصادي حتى قبل الحرب، بشكل كبير، نتيجةً لتقييد الحركة وتوقف الأسواق عن العمل.
لقد انهار النظام المصرفي، وهو شرط أساسي لأي نشاط اقتصادي حديث، بشكل فعلي. أجهزة الصراف الآلي معطلة، والتحويلات الدولية شبه مستحيلة، والقروض متوقفة. حتى أبسط المعاملات التجارية تُجرى نقدًا، وهو أمر غير عملي في ظل التضخم الجامح وحالة عدم اليقين. وتزيد العقوبات الدولية، بما فيها حظر الأسلحة وحظر السفر وتجميد الأصول، من تعقيد أي نشاط تجاري عابر للحدود.
يكشف الميزان التجاري عن خلل هيكلي: ففي النصف الأول من عام 2025، صدّر السودان بشكل رئيسي الذهب (750.8 مليون دولار أمريكي إلى الإمارات العربية المتحدة)، والحيوانات الحية (159.1 مليون دولار أمريكي إلى المملكة العربية السعودية)، والسمسم (52.6 مليون دولار أمريكي إلى مصر). أما الواردات، فكانت تتألف أساسًا من الآلات من الصين (656.5 مليون دولار أمريكي)، والمواد الغذائية من مصر (470.7 مليون دولار أمريكي)، والمواد الكيميائية من الهند (303.6 مليون دولار أمريكي). وهذا يدل على أنه حتى في حالة الحرب، يصدّر السودان المواد الخام ويستورد السلع المصنعة، وهو نمط تجاري استعماري لا يوفر أي أساس للتنمية الصناعية أو الصادرات ذات القيمة العالية.
الجهات الفاعلة في هذا النظام محددة بوضوح: يسيطر الجيش والميليشيات على قطاعات مربحة كالذهب والنفط؛ وتضمن شبكات التهريب الدولية الصادرات غير المشروعة؛ وتستفيد الدول المجاورة - لا سيما الإمارات العربية المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية - كمشترين للمواد الخام الرخيصة وموردين للأسلحة باهظة الثمن. أما المجتمع المدني ورواد الأعمال فهم ضحايا هذه المعادلة، لا فاعلين فيها. ولا يوجد ما يدل على وجود طبقة وسطى ريادية قادرة على غزو الأسواق الدولية.
مشهد من الخراب بدلاً من بيئة أعمال: الوضع الراهن في نوفمبر 2025
في نوفمبر 2025، بات الوضع الاقتصادي في السودان كارثة إنسانية واقتصادية ذات أبعاد تاريخية. إذ تشهد البلاد أكبر أزمة نزوح في العالم، وواحدة من أسوأ المجاعات في التاريخ الحديث.
تُشير أهم المؤشرات الكمية إلى صورة قاتمة: فمن المتوقع أن يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 32.4 مليار دولار أمريكي في عام 2025، أي أقل بنسبة 42% من مستواه قبل الحرب في عام 2022. ويتراوح التضخم بين 118% و200%، مما يقضي على المدخرات ويجعل أي حساب للأسعار مستحيلاً. وقد انخفض متوسط دخل الفرد من 1147 دولارًا أمريكيًا (في عام 2022) إلى ما يُقدّر بـ 624 دولارًا أمريكيًا (في عام 2025). وهذا ما يجعل السودان من بين أفقر دول العالم.
إن البُعد الإنساني لهذه الأزمة يفوق الخيال: 30.4 مليون شخص - أي أكثر من نصف إجمالي عدد السكان المُقدّر بـ 50 مليون نسمة - بحاجة إلى مساعدات إنسانية. هذه هي أكبر أزمة إنسانية في العالم. نزح 12.9 مليون شخص، من بينهم 8.9 مليون نازح داخلياً و4 ملايين لاجئ في الدول المجاورة. استقبلت مصر أكبر عدد من السودانيين (حوالي 1.2 مليون)، تليها تشاد (مليون)، ثم جنوب السودان (مليون)، ودول مجاورة أخرى.
الوضع الغذائي كارثي: يعاني 24.6 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويواجه 637 ألف شخص - وهو أعلى رقم على مستوى العالم - خطر المجاعة الكارثية. أُعلن رسمياً عن مجاعة في مخيم زمزم بشمال دارفور في أغسطس/آب 2024، وهي الأولى من نوعها منذ سنوات. وتواجه 14 منطقة أخرى على الأقل خطر المجاعة بشكل حاد. ويعاني أكثر من ثلث الأطفال من سوء التغذية الحاد، حيث تتجاوز النسبة في العديد من المناطق عتبة الـ 20% التي تُعرّف المجاعة.
دُمِّرت البنية التحتية في أجزاء واسعة من البلاد. في الخرطوم، العاصمة الاقتصادية والسياسية، التي كانت موطناً لأكثر من ستة ملايين نسمة، أصبحت أحياء بأكملها أطلالاً. تعرّضت المباني السكنية للقصف، ونُهبت المستشفيات، وحُوِّلت المدارس إلى قواعد عسكرية. أُجبر 31% من الأسر الحضرية على النزوح. تضررت شبكة الطرق جراء القتال، ودُمّرت الجسور أو أُغلقت من قِبل الجيش. لم يستعد الجيش السيطرة على مطار الخرطوم إلا في نهاية مارس/آذار 2025، ولكنه لم يُشغَّل بعد.
لم تعد إمدادات الكهرباء والمياه موثوقة في معظم المراكز الحضرية، مما يُعطّل الحياة اليومية ويُعيق الإنتاج الصناعي. وتضطر المستشفيات للعمل على مولدات الطوارئ، إن أمكنها ذلك أصلاً. وقد انهار النظام الصحي، حيث أُغلقت العديد من المرافق الصحية أو نُهبت أو دُمّرت. وتعاني البلاد من نقص حاد في الأدوية. وتفشّت أوبئة الكوليرا والحصبة منذ عام 2024، وبحلول أبريل/نيسان 2025، سُجّلت نحو 60 ألف حالة إصابة بالكوليرا وأكثر من 1640 حالة وفاة.
كما أن البنية التحتية التعليمية في حالة يرثى لها. فقد أُغلقت المدارس والجامعات منذ بداية الحرب، أو تم تحويلها إلى ملاجئ طوارئ للنازحين. جيل كامل من الأطفال والشباب محروم من التعليم، مما سيؤثر سلباً على تنمية رأس المال البشري على المدى البعيد، ويعيق أي انتعاش اقتصادي.
بالنسبة للشركات، يعني هذا الوضع الراهن غياب بيئة أعمال فعّالة. لا وجود لليقين القانوني، ولا مؤسسات جديرة بالثقة، ولا تنفيذ للعقود. حتى في المناطق الأقل تضررًا من الحرب، مثل ولاية البحر الأحمر حيث تقع بورتسودان، باتت العمليات التجارية الطبيعية مستحيلة. ورغم أن المدينة الساحلية تخضع لسيطرة الجيش واستقبلت العديد من اللاجئين من الخرطوم، إلا أنها تعاني من الاكتظاظ السكاني والتضخم وانعدام الأمن المستمر. حتى هنا، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير، حيث يبلغ سعر الكيلوغرام الواحد من اللحم 26 ألف جنيه سوداني (43 دولارًا أمريكيًا)، أي ما يقارب ضعف سعره قبل الحرب.
يمكن تلخيص التحديات الأكثر إلحاحًا على النحو التالي: أولًا، ضمان بقاء ملايين الأشخاص المهددين بالجوع والمرض والعنف بشكل فوري. ثانيًا، إنهاء الأعمال العدائية والتوصل إلى وقف إطلاق نار مستدام، وهو أمر لا يبدو أنه سيتحقق في الوقت الراهن. ثالثًا، الاستعادة التدريجية لوظائف الدولة الأساسية وبنيتها التحتية. رابعًا، التحول الاقتصادي طويل الأمد، والذي يعني الانتقال من اقتصاد الحرب والاعتماد على المواد الخام إلى نشاط اقتصادي متنوع ومنتج. ثمة فجوة شاسعة بين الوضع الراهن وهذا الهدف طويل الأمد، فجوة لا يمكن لأي استراتيجية تسويقية، مهما بلغت طموحاتها، أن تسدها.
خبرتنا العالمية في مجال الصناعة والاقتصاد في تطوير الأعمال والمبيعات والتسويق

خبرتنا العالمية في مجال الصناعة والاقتصاد في تطوير الأعمال والمبيعات والتسويق - الصورة: Xpert.Digital
مجالات التركيز الصناعية: الأعمال التجارية بين الشركات، والتحول الرقمي (من الذكاء الاصطناعي إلى الواقع الممتد)، والهندسة الميكانيكية، والخدمات اللوجستية، والطاقات المتجددة، والصناعة
للمزيد من المعلومات، انقر هنا:
مركز متخصص يقدم رؤى وخبرات:
- منصة معرفية تغطي الاقتصادات العالمية والإقليمية والابتكار والاتجاهات الخاصة بكل صناعة
- مجموعة من التحليلات والرؤى والمعلومات الأساسية من مجالات تركيزنا الرئيسية
- مكانٌ للخبرة والمعلومات حول التطورات الحالية في مجال الأعمال والتكنولوجيا
- مركز للشركات التي تسعى للحصول على معلومات حول الأسواق والتحول الرقمي والابتكارات الصناعية
من الصمغ العربي إلى الذهب - لماذا يفشل السودان في السوق الأوروبية
وهم التوسع: لماذا لا تستطيع الشركات السودانية القدوم إلى أوروبا
يُفضي تقييم موضوعي للشركات والصناعات السودانية التي قد تسعى لتوسيع أعمالها في ألمانيا وأوروبا إلى إجابة واضحة: لا وجود لها. إن فكرة استخدام الشركات السودانية لألمانيا كنقطة انطلاق لغزو الأسواق الألمانية والأوروبية في الوضع الراهن لا أساس لها من الصحة. فلا توجد شركات سودانية عاملة ذات قدرات تصديرية، كما أنها غير قادرة على تلبية المتطلبات التنظيمية واللوجستية والرأسمالية المعقدة لدخول الأسواق الأوروبية.
لننظر إلى القطاعات الأكثر إثارة للاهتمام من الناحية النظرية. يُعتبر الصمغ العربي تقليديًا منتجًا تصديريًا ذا إمكانات عالية. ينتج السودان ما يقارب 70 إلى 80 بالمئة من إنتاج العالم من الصمغ العربي، والذي يُستخدم في صناعة الأغذية والمشروبات. مع ذلك، انخفض الإنتاج بشكل حاد منذ بداية الحرب، ويخضع لسيطرة الفصائل المتناحرة. تعطلت سلاسل التوريد، وتوقفت ضوابط الجودة، أما المعالجة -إن وُجدت أصلًا- فتتم في ظروف بدائية للغاية. ببساطة، بات دخول سوق الأغذية الأوروبية شديدة التنظيم، والتي تتطلب شهادات صارمة وإمكانية تتبع المنتج، أمرًا مستحيلًا.
الوضع مشابه بالنسبة للسمسم، حيث كان السودان تاريخياً من أكبر مصدريه، إذ كان يساهم بنسبة 40% من الإنتاج الأفريقي. إلا أن مناطق زراعة السمسم تقع في مناطق نزاع، وقد انخفض المحصول بشكل حاد، والصادرات القليلة المتبقية تذهب إلى الصين واليابان والدول المجاورة، وليس إلى أوروبا. وتقتصر القيمة المضافة على تصدير المواد الخام؛ فلا توجد عمليات تصنيع، ولا علامات تجارية، ولا تمييز للمنتجات. وستضطر أي شركة سودانية ترغب في تسويق منتجات السمسم في أوروبا إلى منافسة موردين راسخين من الهند وميانمار وأمريكا اللاتينية، وهي مهمة مستحيلة بالنسبة لمنتج مزقته الحرب ويفتقر إلى رأس المال والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق.
يُعدّ قطاع الذهب القطاع الوحيد الذي لا يزال يُحقق صادرات كبيرة، إلا أن هذه الصادرات تتم بطرق غير مشروعة وتُموّل الحروب. سيواجه تجار الذهب السودانيون الراغبون في التصدير إلى أوروبا عقوبات دولية وقوانين مكافحة غسل الأموال فورًا. كما أن عملية كيمبرلي وآليات إصدار الشهادات المماثلة للمعادن المتنازع عليها ستمنع أي تجارة. وحتى لو أمكن تصدير الذهب "النظيف"، فإن المنافسة من مصافي الذهب الراسخة في سويسرا وألمانيا والمملكة المتحدة ستكون هائلة.
يُعدّ قطاع تربية المواشي قطاعًا تقليديًا آخر يتمتع بإمكانات نظرية واعدة، إذ يمتلك السودان أحد أكبر تجمعات الماشية في أفريقيا، وتشكل صادرات الحيوانات الحية جزءًا كبيرًا من عائدات صادراته، لا سيما إلى الدول العربية. مع ذلك، تخضع صادرات الحيوانات الحية إلى أوروبا لرقابة مشددة وتثير جدلًا متزايدًا نظرًا لمخاوف تتعلق برفاهية الحيوان والطب البيطري. حتى لو استطاع المصدرون السودانيون استيفاء المعايير الأوروبية، فسيكون ذلك مشروعًا ذا هامش ربح منخفض ويواجه عقبات لوجستية كبيرة. أما منتجات اللحوم المصنعة من السودان، والتي من شأنها أن تتيح هوامش ربح أعلى، فهي غير واردة حاليًا، نظرًا لتدهور البنية التحتية للتصنيع وعدم القدرة على الحفاظ على معايير النظافة.
الشركات الكبرى القليلة المتبقية في السودان، مثل بنك الخرطوم وشركة اتصالات السودان وشركات النفط المملوكة للدولة، تعمل، إن عملت أصلاً، محلياً فقط وتكافح من أجل البقاء. تفتقر هذه الشركات إلى الموارد والتركيز الاستراتيجي اللازمين للتوسع الدولي. كما أن معظمها مملوك للدولة ويخضع لعقوبات دولية أو على الأقل لإجراءات تدقيق مشددة من قبل البنوك الغربية.
تُشكّل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي تُعدّ عماد الاقتصاد ومحرك الابتكار في قطاع التصدير في العديد من الدول النامية، ركيزةً أساسيةً في السودان، إلا أنها لا تزال في مراحلها الأولية. خلال الحرب، ظهرت مئات المشاريع متناهية الصغر، تُنتج سلعًا أساسيةً كمنتجات الألبان ومواد التعبئة والتغليف والمنظفات. مع ذلك، فإن هذه المشاريع مُوجّهة نحو الأسواق المحلية، وغالبًا ما تستخدم تقنيات بدائية، وتملك موارد محدودة للغاية، وتفتقر إلى الخبرة في التصدير أو التجارة الدولية. إن فكرة أن يتمكن منتج سوداني صغير للأواني الفخارية أو الصابون من غزو السوق الألمانية لهي فكرةٌ غير منطقية.
إن المقارنة مع قصص التوسع الأفريقي الناجحة تُبرز استحالة الأمر بشكلٍ جليّ. فقد حققت شركات التكنولوجيا الناشئة الكينية، ومصدّرو البن الإثيوبيون، ومورّدو السيارات المغاربة نجاحهم في دولٍ فاعلة تتمتع باستقرار سياسي نسبي، وبنية تحتية متطورة، وإمكانية الوصول إلى رأس المال. أما السودان، فلا يملك أيًا من ذلك. حتى دولٌ مثل جنوب السودان أو الصومال، التي تعاني هي الأخرى من الصراعات، تتمتع ببعض الاستقرار في مناطق معينة، وتمكنت من الحفاظ على هياكل اقتصادية أساسية. بينما السودان في حالة انهيار تام.
تُشكل العقبات التنظيمية والعملية التي تواجه الشركات السودانية الراغبة في دخول السوق الأوروبية تحديات هائلة. إذ تتطلب لوائح الاستيراد في الاتحاد الأوروبي إثبات المنشأ، وشهادات الجودة، والتخليص الجمركي، والامتثال لمعايير المنتج. كما يُجري الشركاء التجاريون الألمان عمليات تدقيق شاملة، ما يثير تساؤلات حول تسجيل الشركة، وبياناتها المالية، وسجلاتها الضريبية، وسمعتها. ولا تستطيع أي شركة سودانية حاليًا تلبية أي من هذه المتطلبات. حتى تحويل الأموال سيكون صعبًا، نظرًا لاختلال النظام المصرفي السوداني، ورفض البنوك الدولية للمعاملات الواردة من السودان بسبب العقوبات ومخاطر غسل الأموال.
إن فكرة "شريك ألماني قوي ومتخصص في التسويق والعلاقات العامة وتطوير الأعمال" لا تحل هذه المشكلات الجوهرية. فالتسويق لا يستطيع بيع منتج غير موجود، والعلاقات العامة لا تستطيع تحويل بلد مزقته الحرب إلى شريك تجاري جذاب، وتطوير الأعمال لا يستطيع بناء علاقات تجارية حيث لا توجد فرص تجارية. وينصح أي مزود خدمات ألماني ذو سمعة طيبة بعدم التعاون مع "شركاء" سودانيين، لأن المخاطر المتعلقة بالسمعة والغموض القانوني والاستحالة العملية كفيلة بتدمير أي فرصة تجارية محتملة.
تحليل مقارن: عندما تدمر الحرب الاقتصاد
إن إلقاء نظرة على دول أخرى متأثرة بالنزاعات المسلحة أو الأزمات الاقتصادية يُبرز الطبيعة الفريدة والمأساة التي تُعاني منها السودان. ويكشف التحليل المقارن عن الشروط التي يُمكن في ظلها تحقيق الانتعاش الاقتصادي، وعن سبب عجز السودان حالياً عن تلبية هذه الشروط.
شهدت سوريا حربًا أهلية أطول وأكثر دموية، مستمرة منذ عام ٢٠١١. ومع ذلك، حتى في سوريا، صمدت هياكل اقتصادية بدائية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. فدمشق ومدن أخرى لا تزال تعمل، وإن كان ذلك على نطاق محدود. ويحافظ المصدرون السوريون، ومعظمهم من المغتربين، على علاقات تجارية، وتصل المنتجات السورية - زيت الزيتون والمنسوجات والمواد الغذائية - إلى الأسواق الدولية، غالبًا عبر دول ثالثة. والفرق الجوهري هو أن سوريا لديها حكومة فاعلة تسيطر على الأراضي، ومغتربون يمتلكون رؤوس أموال وشبكات دولية. أما السودان، فلا يمتلك أيًا منهما بالقدر الكافي.
تقدم أوكرانيا مقارنة مختلفة: دولة في حالة حرب، ومع ذلك تسعى جاهدة للحفاظ على علاقاتها الاقتصادية وجذب المستثمرين الدوليين. تواصل الشركات الأوكرانية تصدير الحبوب ومنتجات الصلب وخدمات تكنولوجيا المعلومات. وتناقش المؤتمرات الدولية إعادة الإعمار وتحشد مليارات الدولارات من المساعدات. تتمتع أوكرانيا بدعم غربي هائل، ولديها بنية تحتية متطورة نسبيًا (رغم أضرار الحرب)، ونظام تعليمي، وإدارة فعّالة في أجزاء كبيرة من البلاد. علاوة على ذلك، تحارب أوكرانيا معتديًا خارجيًا، مما يحشد التضامن الدولي. أما السودان، فهو حرب أهلية يرتكب فيها كلا الجانبين جرائم حرب، والتعاطف الدولي محدود.
لعلّ الصومال هي الحالة الأقرب للمقارنة: بلدٌ مُثقلٌ بجراح عقودٍ من الحرب الأهلية وانهيار الدولة. ومع ذلك، شهدت الصومال نموًا اقتصاديًا متواضعًا في بعض المناطق، لا سيما في أرض الصومال المستقرة نسبيًا. وتزدهر فيها تربية الماشية وخدمات تحويل الأموال والتجارة المحلية. كما أن الجاليات الصومالية في أوروبا وأمريكا الشمالية قوية وتستثمر في وطنها. أما الجالية السودانية في الخارج فهي أصغر حجمًا وأقل ترابطًا، والصراع فيها أوسع نطاقًا، ما يُفقدها أي مناطق فرعية آمنة يُمكن للنشاط الاقتصادي أن يزدهر فيها.
تُعدّ رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، مثالاً على التحوّل الناجح عقب عنف كارثي. فقد شهدت البلاد مقتل ما يقارب مليون شخص في غضون أشهر قليلة. ومع ذلك، حققت انتعاشاً ملحوظاً، مدفوعاً بحكم قوي (وإن كان استبدادياً)، ومساعدات دولية، واستثمارات في التعليم والبنية التحتية، وسياسة مدروسة للمصالحة والتنمية الاقتصادية. أما السودان، فيفتقر إلى كل هذه المقومات: فلا توجد حكومة معترف بها تتمتع بالسلطة والشرعية، والمساعدات الدولية محدودة وغالباً ما تُعرقل، والتعليم شبه معدوم، والمصالحة مستحيلة في ظل استمرار العنف.
يُقدّم العراق بعد عام 2003 مقارنة أخرى: بلدٌ مزّقته الحرب ببنية تحتية مدمرة، لكنه يمتلك احتياطيات نفطية هائلة موّلت إعادة الإعمار. عادت الشركات الدولية، مُغريةً بعقود النفط والبناء. الفرق الجوهري: كان لدى العراق صناعة نفطية عاملة ومساعدات عسكرية وتنموية دولية ضخمة. أما السودان، فقد فقد معظم احتياطياته النفطية مع استقلال جنوب السودان عام 2011؛ ويستغلّ ما تبقى من النفط من قِبل الأطراف المتحاربة، لا يُستخدم في إعادة الإعمار.
اليمن، شأنه شأن السودان، غارق في حرب أهلية وحشية، مما يُظهر مخاطر اقتصاد الحرب المُطوّل. هناك أيضاً، تسيطر فصائل مختلفة (الحوثيون، والحكومة المدعومة من السعودية) على أجزاء من البلاد، وتُموّل نفسها من خلال تصدير المواد الخام والتهريب والمساعدات الخارجية. انهار الاقتصاد، ويعاني السكان من الجوع والمرض. تُظهر المقارنة أنه بدون حل سياسي، لا مستقبل اقتصادي. يُخاطر السودان بأن يصبح "يمناً ثانياً" - دولة فاشلة تعاني من حرب أهلية دائمة وأزمة إنسانية مستمرة.
يُظهر التحليل أن التعافي الاقتصادي بعد النزاعات ممكن، ولكنه يتطلب شروطًا محددة: دولة فاعلة (حتى وإن كانت استبدادية)، والسيطرة على عائدات الموارد لتمويل إعادة الإعمار، ودعم دولي واسع النطاق، وسكان متعلمين وقادرين، ومستوى أدنى من الأمن والاستقرار. لا يستوفي السودان أيًا من هذه الشروط. بل على العكس، يجمع البلد أسوأ العناصر: حرب مستمرة، وحكم متشرذم، ونهب للموارد من قبل الأطراف المتحاربة، وانعدام الاهتمام الدولي، وهجرة جماعية للطبقة المتعلمة، وانعدام الأمن التام. إن الحديث عن تنمية الأعمال أو توسيع السوق في هذا السياق ليس غير واقعي فحسب، بل هو ضرب من ضروب السخرية.
الحقائق المزعجة: المخاطر، والتبعيات، والتشوهات الهيكلية
يؤدي التقييم النقدي للوضع الاقتصادي في السودان إلى العديد من الحقائق غير المريحة التي غالباً ما يتم تجاهلها في الخطابات التنموية الملطفة.
أولًا، يُعدّ اقتصاد الحرب مربحًا لبعض الجهات الفاعلة. يُعتبر الجنرال دقلو، قائد قوات الدعم السريع، من أثرى أثرياء السودان، إذ جمع ثروة طائلة من تجارة الذهب وامتلاك الأراضي. وتستفيد الإمارات العربية المتحدة من رخص الذهب السوداني، وتبيع في المقابل أسلحة باهظة الثمن. ويستغل التجار المصريون معاناة اللاجئين السودانيين. ويسيطر أمراء الحرب في دارفور على المناجم وطرق التهريب. لا تُبدي هذه الجهات أي اهتمام بالسلام وسيادة القانون، لأن ذلك يُهدد أرباحها. وطالما أن هياكل الحوافز تُشجع الحرب، فستستمر. هذه هي "لعنة الموارد" في أبشع صورها: فالثروة من الموارد - لا سيما السلع سهلة الاستخراج والتهريب كالذهب - تجعل الحرب مربحة وتُديمها.
ثانيًا، تخلى المجتمع الدولي إلى حد كبير عن السودان. فبينما تحظى أوكرانيا وغزة باهتمام ومساعدات دولية كبيرة، يُعتبر السودان "صراعًا منسيًا". وتتعدد أسباب ذلك: التهميش الجيوسياسي (فالسودان ليس ذا أهمية سياسية في مجال الطاقة ولا مركزيًا استراتيجيًا)، والإرهاق من الصراعات بعد عقود من الأزمات السودانية، والتسلسل الهرمي العنصري في اقتصاد الاهتمام الدولي، وتعقيد الحرب الأهلية التي لا يوجد فيها أطراف "خير" و"شر" واضحة. والنتيجة: نقص حاد في تمويل المساعدات الإنسانية. ففي عام 2024، لم يتلق السودان سوى ثلث المساعدات الإنسانية المطلوبة، والبالغة 4.2 مليار دولار أمريكي. أما مساعدات التنمية فقد توقفت فعليًا. هذا الإهمال الدولي يعني أن السودان لا يمكنه أن يتوقع الحصول على مساعدات إعادة إعمار على غرار "خطة مارشال" التي مُنحت لدول أخرى منكوبة بالأزمات.
ثالثًا، العواقب البيئية والديموغرافية طويلة الأمد وخيمة. ملايين الأطفال محرومون من التعليم، وجيل كامل ينشأ وسط العنف والجوع واليأس. الصدمة النفسية واسعة الانتشار. في الوقت نفسه، تتدهور البيئة والموارد الزراعية بسبب الاستغلال المفرط، وإهمال صيانة أنظمة الري، وتغير المناخ. التصحر يتسارع. عندما تنتهي الحرب، سيُترك السودان بشعب غير متعلم ومصدوم، وموارد طبيعية متدهورة، وهو ما لا يُشكل أساسًا متينًا للتنمية.
رابعاً: تتفاقم حدة التفكك الاجتماعي والانقسام العرقي بسبب الحرب. تُتهم قوات الدعم السريع بارتكاب عمليات تطهير عرقي في دارفور ضد السكان غير العرب. ويقصف الجيش المناطق المدنية عشوائياً. ويستخدم كلا الجانبين العنف الجنسي كسلاح حرب. وتخلف هذه الفظائع فجوات عميقة بين المجتمعات ستستمر لأجيال.
حتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، يبقى السؤال مطروحاً: كيف يمكن لمجتمع منقسم بشدة أن يجد طريقه للعودة إلى التعايش السلمي والتعاون الاقتصادي؟ تُظهر تجارب رواندا والبوسنة وغيرها من المجتمعات الخارجة من الصراع أن المصالحة ممكنة، لكنها تستغرق عقوداً وتتطلب جهداً سياسياً فاعلاً، وهو أمر غير متوقع حالياً في السودان.
خامساً: الاعتماد على صادرات السلع الأساسية يُديم التخلف. فهيكل صادرات السودان - الذهب، والسمسم، والصمغ العربي، والماشية - نموذجي لدولة مُصدِّرة للسلع الأساسية تفتقر إلى التصنيع. تتميز هذه المنتجات بانخفاض قيمتها المضافة، وتقلب أسعارها، وقلة فرص العمل التي توفرها. كما أنها عُرضة لسيطرة النخب وأمراء الحرب. يتطلب التنمية الاقتصادية المستدامة التصنيع والتنويع وسلاسل القيمة، وكلها أمور مستحيلة في السودان الذي مزقته الحرب. لقد دمرت الحرب القاعدة الصناعية الهشة أصلاً، وسيستغرق إعادة الإعمار عقوداً.
سادساً: تُصعّب العقوبات الدولية القائمة حتى الأعمال التجارية ذات النوايا الحسنة. تشمل عقوبات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حظر الأسلحة، وحظر السفر، وتجميد أصول الأفراد، وقيوداً على المعاملات المالية. ورغم أن هذه العقوبات تستهدف رسمياً قطاعات وأفراداً محددين فقط، إلا أنها تُؤثر فعلياً تأثيراً رادعاً على جميع الأنشطة التجارية. تتجنب البنوك والشركات السودان خشية مخالفة القوانين. وهذا يعني أنه حتى لو أرادت شركة سودانية التصدير بشكل قانوني، فستواجه صعوبة في إيجاد بنك دولي مستعد لإجراء المعاملات أو شركة لوجستية مستعدة لنقل البضائع.
تدور النقاشات المثيرة للجدل حول مسألة المسؤولية والحل. هل الغرب مُلزم بمساعدة السودان، أم أن هذه أزمة "أفريقية" يجب أن يحلها الأفارقة؟ هل ينبغي تشديد العقوبات للضغط على الأطراف المتحاربة، أم أن ذلك سيعيق وصول المساعدات الإنسانية؟ هل ينبغي إجراء مفاوضات مع أمراء الحرب لتمكين منظمات الإغاثة من الوصول إلى السودان، أم أن ذلك سيضفي شرعية على مجرمي الحرب؟ لا توجد إجابات سهلة لهذه الأسئلة، ولا يزال المجتمع الدولي منقسماً ومُشلاً.
تتضح جلياً الأهداف المتضاربة: المساعدات الإنسانية الفورية مقابل بناء الدولة على المدى الطويل؛ المفاوضات مع الأطراف المتحاربة مقابل تحقيق العدالة للضحايا؛ التركيز على المراكز الحضرية مقابل المناطق الريفية؛ الاستثمار في البنية التحتية مقابل البرامج الاجتماعية. في ظل الوضع الحربي الراهن، بات البقاء على قيد الحياة أولوية قصوى، بينما تُعتبر قضايا التنمية الاستراتيجية ترفاً. ولكن بدون رؤية طويلة الأمد، سيبقى السودان عالقاً في دوامة الفشل.
خبرتنا في الاتحاد الأوروبي وألمانيا في مجال تطوير الأعمال والمبيعات والتسويق

خبرتنا في الاتحاد الأوروبي وألمانيا في مجال تطوير الأعمال والمبيعات والتسويق - الصورة: Xpert.Digital
مجالات التركيز الصناعية: الأعمال التجارية بين الشركات، والتحول الرقمي (من الذكاء الاصطناعي إلى الواقع الممتد)، والهندسة الميكانيكية، والخدمات اللوجستية، والطاقات المتجددة، والصناعة
للمزيد من المعلومات، انقر هنا:
مركز متخصص يقدم رؤى وخبرات:
- منصة معرفية تغطي الاقتصادات العالمية والإقليمية والابتكار والاتجاهات الخاصة بكل صناعة
- مجموعة من التحليلات والرؤى والمعلومات الأساسية من مجالات تركيزنا الرئيسية
- مكانٌ للخبرة والمعلومات حول التطورات الحالية في مجال الأعمال والتكنولوجيا
- مركز للشركات التي تسعى للحصول على معلومات حول الأسواق والتحول الرقمي والابتكارات الصناعية
الأزمة الإنسانية والاقتصاد: ما الدور الذي يمكن أن يلعبه المغتربون؟
بين اليأس والأمل: مسارات التنمية المحتملة حتى عام 2035
يبدو مستقبل السودان قاتماً، لكنه لا يخلو من البدائل. تتبلور ثلاثة سيناريوهات، ترسم ملامح مستقبل مختلف جذرياً.
السيناريو 1: حالة فشل دائمة
في هذا السيناريو المتشائم، ولكنه للأسف واقعي، تستمر الحرب الأهلية لسنوات دون أن يحقق أي من الطرفين نصرًا عسكريًا حاسمًا. يتفكك السودان إلى مناطق نفوذ تسيطر عليها ميليشيات وأمراء حرب وجهات أجنبية مختلفة. ويترسخ اقتصاد الحرب، القائم على الذهب والتهريب والدعم الخارجي. وتصبح الكارثة الإنسانية دائمة. يبقى الملايين في مخيمات اللاجئين في الدول المجاورة التي تزداد عدائية. ويعتاد المجتمع الدولي على الأزمة، فيقلص مساعداته غير الكافية أصلًا. يصبح السودان "صومالًا ثانيًا" أو "يمنًا" - دولة فاشلة بشكل دائم على هامش المجتمع الدولي. في هذا السيناريو، يستحيل أي تنمية اقتصادية؛ ويبقى البلد منطقة حرب وكارثة إنسانية في المستقبل المنظور. إن توسع الشركات السودانية في أوروبا سيكون ضربًا من العبث، تمامًا كتخيل قراصنة صوماليين يفتحون متاجر في هامبورغ.
السيناريو الثاني: تثبيت هش وإعادة بناء بطيئة
في هذا السيناريو المتفائل إلى حد ما، يتم التوصل إلى وقف هش لإطلاق النار في السنوات القادمة، ربما بوساطة من الاتحاد الأفريقي أو الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) أو القوى الدولية. وتتفق الأطراف المتحاربة على تقاسم السلطة أو على إقامة اتحاد فيدرالي مع مناطق تتمتع بالحكم الذاتي. وتحت إشراف دولي، تبدأ عملية إعادة الإعمار، بالاستناد إلى تخفيف عبء ديون البلدان الفقيرة المثقلة بالديون لعام 2021. وتقدم بنوك التنمية الدولية والجهات المانحة الثنائية مليارات الدولارات. وتُعطى الأولوية لإعادة بناء البنية التحتية الأساسية، ومرافق الصحة والتعليم، والزراعة.
في هذا السيناريو، قد يشهد السودان انتعاشًا متواضعًا بحلول عامي 2030-2035. وتشير حسابات النماذج إلى أن استعادة الإنتاجية الزراعية إلى مستويات ما قبل الحرب واستثمار ما يقارب مليار دولار أمريكي في البنية التحتية من شأنه أن يقلل الفقر بمقدار 1.9 مليون شخص. وقد ينمو الاقتصاد بنسبة 3-5% سنويًا، ولكن بالنظر إلى الخسائر الفادحة، فإن هذا لن يمثل سوى انتعاش بطيء. وسيظل معظم السكان يعانون من الفقر، وسيظل السودان دولة نموذجية من أقل البلدان نموًا، معتمدًا على صادرات السلع الأساسية والمساعدات الدولية.
في هذا السيناريو، قد توجد بضع شركات سودانية - تعمل بشكل رئيسي في الإنتاج الزراعي (الصمغ العربي، السمسم) أو في قطاع الخدمات (مثل الشركات الناشئة التي أسسها المغتربون) - تُصدّر منتجاتها على نطاق محدود. مع ذلك، حتى في هذه الحالة، ستكون هذه المنتجات متخصصة، وليست حملة تصدير واسعة النطاق. سيكون دخول السوق الأوروبية شاقًا، ويتطلب سنوات من التحضير، والحصول على الشهادات، ورأس المال. في أفضل الأحوال، قد تظهر المنتجات السودانية الحاصلة على شهادة التجارة العادلة في متاجر متخصصة، ويتم تسويقها من خلال قصة إعادة الإعمار - على غرار القهوة الرواندية أو الحرف اليدوية البوسنية بعد النزاعات هناك. لا مجال هنا لـ"غزو" السوق الأوروبية.
السيناريو الثالث: النهضة التحويلية
في هذا السيناريو المتفائل، وإن كان مستبعداً للغاية، تنتهي الحرب سريعاً باتفاق سلام شامل يحظى بدعم حركة مجتمع مدني واسعة. وتتولى حكومة انتقالية ديمقراطية، تضم المجتمع المدني، السلطة. وانبهاراً بهذا التحول في المسار، يحشد المجتمع الدولي دعماً هائلاً على غرار "خطة مارشال للسودان". وتُنشأ لجان الحقيقة والمصالحة، على غرار تلك الموجودة في رواندا أو جنوب أفريقيا. وتتدفق الاستثمارات إلى التعليم والصحة والطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية.
يستغل السودان إمكاناته الزراعية الهائلة - 85 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، وموقعه على نهر النيل، ومناخه الملائم - ليصبح "سلة غذاء شرق أفريقيا". ويجري تقنين إنتاج الذهب وتنظيمه، وتُضخ عائداته في ميزانية الدولة. ويؤسس جيل شاب مُلمّ بالتكنولوجيا شركات ناشئة، لا سيما في مجالات التكنولوجيا المالية، والتكنولوجيا الزراعية، والطاقة المتجددة. ويعود أبناء الجالية السودانية في الخارج برؤوس أموال وخبرات. وبحلول عام 2035، سيصبح السودان دولة متوسطة الدخل ذات ديمقراطية فاعلة، واقتصاد متنوع، وطبقة متوسطة متنامية.
في هذا السيناريو، يمكن للشركات السودانية بالفعل استهداف الأسواق الدولية، بدءًا من منتجي الأغذية الذين يصدرون منتجات عضوية إلى أوروبا، مرورًا بشركات تكنولوجيا المعلومات التي تقدم خدماتها لعملاء دوليين، وصولًا إلى شركات الخدمات اللوجستية التي تستفيد من موقع السودان الاستراتيجي بين أفريقيا والشرق الأوسط. مع ذلك، حتى في هذا السيناريو الأكثر تفاؤلًا، سيستغرق هذا التطور ما بين 10 إلى 15 عامًا، ويتطلب شروطًا مسبقة هامة.
سيناريوهات للسودان: فرصة للتنمية أم فشل دائم؟
من المرجح أن يقع الواقع بين السيناريوهين الأول والثاني: وقف هش لإطلاق النار بعد سنوات من استمرار الحرب، يليه إعادة إعمار شاقة تعاني من نقص التمويل. وتتعدد احتمالات الاضطراب: فالصدمات المناخية (الجفاف والفيضانات) قد تزيد من تدهور الأمن الغذائي الهش أصلاً؛ وقد تمتد الصراعات الإقليمية (مثل تجدد الحرب الأهلية في جنوب السودان أو عدم الاستقرار في إثيوبيا) إلى السودان؛ وقد تتسبب الأزمات الاقتصادية العالمية في انهيار أسعار السلع الأساسية وتقليص المساعدات التنموية؛ وقد تُلحق التغيرات التكنولوجية (مثل بدائل الصمغ العربي) ضرراً بالغاً بأسواق التصدير السودانية.
قد يكون للتغييرات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي تأثيرٌ أيضاً: فالقواعد الأكثر صرامة بشأن المعادن المتنازع عليها، وإثبات المنشأ، والاستدامة، ستزيد من صعوبة وصول المصدرين السودانيين إلى الأسواق الأوروبية. في الوقت نفسه، قد تُتيح برامج الاتحاد الأوروبي الرامية إلى تعزيز التنمية الأفريقية - مثل مبادرة البوابة العالمية - فرصاً نظريةً إذا استوفى السودان الحد الأدنى من المعايير السياسية والاقتصادية.
الوضع الجيوسياسي غير مستقر أيضاً. للصين وروسيا مصالح تاريخية في السودان (النفط، التعدين، الوصول إلى موانئ البحر الأحمر)، لكن استعدادهما لدعم بلد مزقته الحرب محدود. دول الخليج (الإمارات العربية المتحدة، السعودية) جزء من المشكلة (تسليم الأسلحة، تهريب الذهب) وشريكان محتملان لإعادة الإعمار. الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تجاهلا السودان إلى حد كبير، لكنهما قد يُبدِيان اهتماماً متجدداً به في حال حدوث تغيير سياسي، لا سيما فيما يتعلق بضبط الهجرة.
باختصار، يواجه السودان طريقًا طويلًا وشاقًا. في أفضل الأحوال - سلام هش وإعادة إعمار دولية - سيحقق البلد تقدمًا متواضعًا حتى عام 2035، وسيظل دولة نامية منخفضة الدخل. أما في أسوأ الأحوال - استمرار الحرب الأهلية - فسيصبح السودان دولة فاشلة بشكل دائم. في أي سيناريو واقعي، لن تتمكن الشركات السودانية من غزو الأسواق الأوروبية بشكل كبير أو استخدام ألمانيا كنقطة انطلاق خلال السنوات العشر القادمة. تبقى الفكرة مجرد وهم، بعيدة كل البعد عن أي واقع اقتصادي.
الخلاصة المُرّة: لا مكان لرواد الأعمال
يجب أن يكون التقييم النهائي واقعياً: السودان، في وضعه الحالي، ليس بيئة مناسبة للطموحات الريادية، فضلاً عن التوسع التجاري الدولي. ويخلص التحليل الشامل إلى عدة نتائج رئيسية ذات أهمية لصناع القرار السياسي، والفاعلين الاقتصاديين، وكذلك لمجتمعات الشتات السوداني.
أولًا: لا يوجد الاقتصاد السوداني حاليًا كنظام فاعل. ما يحدث في السودان ليس اقتصادًا بالمعنى الحديث - بأسواقه ومؤسساته وقوانينه وتقسيم العمل فيه - بل هو اقتصاد حرب تنهب فيه القوات المسلحة الموارد، ويكافح السكان من أجل البقاء، وانهارت فيه جميع الأنشطة الإنتاجية إلى مستوى الكفاف. إن الحديث عن "تنمية السوق" أو "التوسع" انطلاقًا من هذه النقطة يُعد فهمًا خاطئًا لأساس النشاط الاقتصادي.
ثانيًا، إنّ مسألة إمكانية توسّع الصناعات السودانية في أوروبا غير دقيقة. فهي تفترض وجود شركات سودانية عاملة تمتلك القدرة الإنتاجية والتصديرية والفطنة التجارية الاستراتيجية، وهو أمر غير موجود. في الواقع، تكافح الشركات القليلة التي صمدت من أجل البقاء. أما المشاريع الصغيرة الجديدة التي ظهرت خلال الحرب، فتُلبّي الاحتياجات المحلية الأساسية في ظلّ ظروف بدائية للغاية. ولا يمتلك أيٌّ من هذين النوعين الموارد أو رأس المال أو الخبرة اللازمة للأعمال التجارية الدولية.
ثالثًا، حتى في القطاعات التي يُفترض أنها قابلة للتصدير - كالصمغ العربي والسمسم والذهب والماشية - تحول عوائق هيكلية دون أي نشاط تصديري جاد. تشمل هذه العوائق: فقدان السيطرة على مناطق الإنتاج بسبب الأعمال العدائية، وتعطل سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية، وتدني الجودة وانعدام الشهادات، والعقوبات الدولية ومخاطر عدم الامتثال، والتضخم المفرط وانخفاض قيمة العملة، وانهيار البنوك واستحالة المدفوعات الدولية، وتشويه السمعة نتيجة الارتباط بالحرب ومعادن النزاعات. لا يمكن التغلب على هذه العوائق من خلال التسويق أو تطوير الأعمال؛ بل هي مشاكل جوهرية ومنهجية لا يمكن حلها إلا من خلال السلام وإعادة بناء الدولة وسنوات من التطوير المؤسسي.
رابعًا: إن دور "الشريك الألماني في التسويق والعلاقات العامة وتطوير الأعمال" سيكون، إن جاز التعبير، دور مستشار واقعي. إذ يتعين على مزود خدمات ألماني ذي سمعة طيبة أن يشرح للعملاء السودانيين المحتملين أن التوسع في أوروبا مستحيل في ظل الظروف الراهنة، وأن جميع الموارد يجب أن تُركز بدلًا من ذلك على البقاء، والمساعدات الإنسانية، والتحضير لإعادة الإعمار على المدى الطويل. فالتسويق لا يستطيع خلق منتجات غير موجودة، والعلاقات العامة لا تستطيع تلميع صورة تضررت بشدة جراء الحرب والجوع والفظائع، وتطوير الأعمال لا يستطيع إبرام صفقات لا أساس لها.
خامساً: تتجاوز التداعيات طويلة الأمد لانهيار السودان حدود السودان نفسه. فمع وجود 12.9 مليون لاجئ ونازح داخلياً، يُزعزع الصراع استقرار المنطقة بأسرها، حيث تُعاني مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا من تدفق اللاجئين السودانيين. وستُسبب المجاعة أضراراً صحية وتنموية طويلة الأمد لملايين الأطفال. كما يُعيق انهيار السودان التكامل الاقتصادي الإقليمي، على سبيل المثال من خلال منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA). فالسودان ليس مجرد كارثة وطنية، بل كارثة إقليمية ذات تداعيات عالمية (الهجرة، والتطرف، والتكاليف الإنسانية).
سادساً: تتضح الآثار الاستراتيجية على مختلف الجهات الفاعلة. بالنسبة للشركات الأوروبية والألمانية: السودان ليس سوقاً. لا يوجد ما يُباع أو يُشترى هناك مما يستحق العناء. ينبغي أن يكون الانخراط إنسانياً بحتاً، أو - بالنسبة لشركات الإنشاءات والمتخصصين في البنية التحتية - موجهاً نحو إعادة الإعمار على المدى الطويل بعد الحرب، على غرار كيفية تعامل الشركات مع إعادة إعمار أوكرانيا. بالنسبة لصناع القرار السياسي في ألمانيا والاتحاد الأوروبي: لا يحتاج السودان إلى ترويج تجاري، بل إلى وساطة في النزاعات، ومساعدات إنسانية، واستراتيجية تنمية طويلة الأجل. ينبغي أن تظل العقوبات الحالية موجهة للتأثير على أمراء الحرب دون عرقلة المساعدات الإنسانية. بالنسبة للمستثمرين الدوليين: السودان محظور في المستقبل المنظور. المخاطر السياسية في ذروتها، وسيادة القانون غائبة، والمصادرة والعنف واردان دائماً. بالنسبة لجاليات الشتات السوداني: الانخراط مهم لإعادة الإعمار على المدى الطويل، ولكن في ظل ظروف واقعية. ينبغي أن تركز استثمارات الشتات على التعليم والصحة والمجتمع المدني، لا على الصفقات التجارية قصيرة الأجل.
سابعًا: ثمة مفارقة مُرّة في السؤال الأصلي. فكرة أن الشركات السودانية قادرة على "غزو" أوروبا تُقلب موازين القوى رأسًا على عقب. تاريخيًا، استغلت القوى الاستعمارية الأوروبية - بريطانيا العظمى وفرنسا - أفريقيا وهيمنت عليها. وحتى اليوم، تتدفق المواد الخام من أفريقيا إلى أوروبا، بينما تتدفق السلع المصنعة ورؤوس الأموال في الاتجاه المعاكس - وهو تفاوت هيكلي يتفاقم بدلًا من أن يتقلص. السودان هو المثال الأبرز لدولة تقع في قاع هذا التسلسل الهرمي: فقيرة، مزقتها الحروب، تعتمد على الموارد، وتفتقر إلى القدرات التكنولوجية أو المؤسسية. إن فكرة أن مثل هذه الدول قادرة على "غزو" الأسواق الأوروبية المتقدمة تتجاهل تمامًا هذه الحقائق الهيكلية.
لذا، فإن التقييم النهائي هو: السودان ليس شريكًا لتوسيع الأعمال التجارية، بل هو كارثة إنسانية ذات أبعاد تاريخية. يجب أن تكون الأولوية لإنهاء الحرب، وتخفيف المعاناة الإنسانية، وبناء دولة مستدامة. فقط عند استيفاء هذه الشروط الأساسية - وهذا سيستغرق عقودًا على أفضل تقدير - يمكن معالجة قضايا التنمية الاقتصادية والصادرات والاندماج الدولي بشكل فعّال. إلى حين ذلك، فإن أي نقاش حول اختراق السوق السودانية في أوروبا لا يزال غير واقعي فحسب، بل ومتشائمًا أيضًا في ضوء المعاناة الهائلة التي يتكبدها الشعب السوداني.
إن التوصية الاستراتيجية لجميع الجهات الفاعلة المعنية واضحة: الحفاظ على رؤية واقعية، وعدم إثارة آمال كاذبة، وتحديد الأولويات الإنسانية، والاستعداد للطريق الطويل والشاق لإعادة الإعمار - ولكن عدم القيام بمغامرات تجارية في بلد لا وجود له حاليًا إلا كمنطقة حرب.
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
يمكنكم التواصل معي عبر البريد الإلكتروني wolfenstein∂xpert.digital أو
اتصل بي على الرقم +49 7348 4088 965 .























