قمة الناتو أنقرة 2026 - تحليل مفصل: الرابح أردوغان، الخاسر إسبانيا؟ الخلفية المتفجرة لقمة الناتو 2026
إصدار تجريبي من إكسبرت
Available in 27 languages 📢
فضّل استخدام Xpert.Digital على جوجلⓘتاريخ النشر: 9 يوليو 2026 / تاريخ التحديث: 9 يوليو 2026 - المؤلف: Konrad Wolfenstein

قمة الناتو أنقرة 2026 - تحليل مفصل: أردوغان الرابح، إسبانيا الخاسرة؟ الخلفية المتفجرة لقمة الناتو 2026 - الصورة: Xpert.Digital
هدف الـ 5% وفضيحة إيران: لماذا تتحمل ألمانيا الآن العبء الأكبر من أعباء الناتو؟
140 مليار لكييف: كيف تعيد أوروبا هيكلة حلف الناتو في مواجهة دونالد ترامب
شكّلت القمة السادسة والثلاثون لحلف الناتو في أنقرة منعطفًا غير مسبوق في تاريخ التحالف عبر الأطلسي. ففي ظل تصاعد الصراعات في الشرق الأوسط، والتوقف شبه التام للمساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا، وسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير المتوقعة، كان الحلف على وشك الانهيار في يوليو/تموز 2026. وبينما أثار ترامب صدمة عالمية بفرضه عقوبات على إسبانيا، وموقفه الخطير تجاه إيران، ومطالبه الغريبة بشأن غرينلاند، ظهرت صورة مختلفة تمامًا خلف الأبواب المغلقة. فمن خلال تعهدات استثمارية استعراضية، وصفقات أسلحة ضخمة، وحزمة مساعدات تاريخية لكييف بقيمة 140 مليار يورو، تمكنت الدول الأوروبية، بقيادة المستشار الألماني فريدريش ميرز، من تجنب الانهيار المُحتمل. لكن ثمن هذا الأداء باهظ: إذ تشهد السياسة الدفاعية الأوروبية تحولًا جذريًا من تقاسم الأعباء إلى نهج قاسٍ لنقلها. وسيتعين على ألمانيا وأوروبا تحمل العبء الأكبر لأمنهما في المستقبل. يُلقي هذا التحليل الشامل والمفصل الضوء على الديناميكيات الخفية، والعواقب الاقتصادية بعيدة المدى، والجروح التي لا تزال مفتوحة لقمة ستشكل النظام الجيوسياسي العالمي لعقود قادمة.
تحالف في مرحلة انتقالية: بين إمكانات ترامب المتفجرة والشعور الأوروبي بالمسؤولية
من صراع النفوذ إلى التفويض: سياق وخلفية القمة
عُقدت القمة السادسة والثلاثون لرؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي (الناتو) يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026 في مجمع بيشتيبي الرئاسي بأنقرة، وهو موقع يرمز إلى طموح تركيا في ترسيخ مكانتها كلاعب جيوسياسي لا غنى عنه داخل الحلف. ولم يكن اختيار أنقرة لاستضافة القمة مصادفة، ففي قمة العام السابق التي عُقدت في لاهاي، قرر أعضاء الناتو الـ32 زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وحددوا تركيا لاستضافة قمة عام 2026.
وُضِعَت الأسس لهذه القمة خلال اجتماع وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي (الناتو) في هلسينغبورغ، السويد، يومي 21 و22 مايو/أيار 2026. وفي 18 يونيو/حزيران 2026، اجتمع وزراء دفاع الناتو في بروكسل لتنسيق مواقفهم بشأن سياساتهم الدفاعية للقمة، مع التركيز بشكل أساسي على تحسين القدرات التقليدية للحلفاء الأوروبيين. وقبل أيام قليلة من انعقاد القمة، وافق سفراء الدول الأعضاء الـ32 على مسودة الإعلان الختامي في إجراء كتابي.
كان السياق دراميًا من عدة جوانب: فمنذ عام 2025، أوقفت الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب، تمويلها للمساعدات المقدمة لأوكرانيا إلى حد كبير، ومارست ضغوطًا متواصلة على أوروبا لزيادة إنفاقها الدفاعي بشكل هائل. وفي الوقت نفسه، كانت الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران تتصاعد في الخلفية، مما أدى إلى توتر كبير داخل الحلف، نظرًا لرفض العديد من الشركاء الأوروبيين السماح باستخدام قواعدهم العسكرية لشن هجمات أمريكية. ومن اللافت للنظر أن مجلة "السياسة الدولية" كانت قد أطلقت على القمة اسم "قمة أزمة الناتو 2026" مسبقًا، واصفةً إياها بأنها اجتماع لحلف في "وضع البقاء"، يتسم بأزمة ثقة عميقة، وانسحاب الولايات المتحدة في عهد ترامب، والعدوان الروسي غير المقيد على أوكرانيا.
المناظر الطبيعية وتصميم الرقصات: من جلس على الطاولة في أنقرة؟
حضر الاجتماع رؤساء دول وحكومات جميع الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) البالغ عددها 32 دولة، بمن فيهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمستشار الألماني فريدريش ميرز، والمضيف التركي رجب طيب أردوغان. وكان من المتوقع أيضاً حضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، مأدبة العشاء المشتركة مساء الثلاثاء.
بالتزامن مع المفاوضات الرئيسية، عُقد منتدى الصناعات الدفاعية في اليوم الأول من القمة، حيث تم توقيع صفقات أسلحة بقيمة عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية في مراسم رسمية. كان لهذا الحدث المُعدّ مسبقًا هدف واضح: استرضاء ترامب من خلال إظهار استعداد أوروبا للاستثمار. كما التقى وزراء خارجية حلف الناتو بنظرائهم من البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة، بينما أجرى وزراء الدفاع محادثات مع نظرائهم من أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية، في إشارة إلى التكامل المتزايد بين منظومتي الأمن الأوروبية الأطلسية والهندية الباسيفيكية.
استغل زيلينسكي ظهوره الإعلامي بقوة، إذ دعا إلى اتخاذ قرارات أكثر حزماً لدعم الدفاعات الجوية الأوكرانية، وأوضح بجلاء أن أوكرانيا تطمح للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). وفي مساء الثلاثاء، التقى ثنائياً مع المستشارة الألمانية ميرز، التي وعدت بتشجيع الشركاء الأوروبيين على تقديم المزيد من الدعم، وأشارت أيضاً إلى اهتمام ألمانيا بالمشاركة في إعادة إعمار البلاد.
ظهور ترامب كشخصية شريرة: لحظات صادمة قبل المشاورات
قبل بدء المحادثات العملية الفعلية، أثار الرئيس الأمريكي ترامب سلسلة من الصدمات الدبلوماسية التي تصدرت عناوين الأخبار العالمية. ففي اجتماع علني مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، وصف إسبانيا بأنها "شريك سيئ في الناتو"، واتهمها بعدم دفع حصتها وعدم المشاركة، وأصدر على الفور تعليماته لوزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، بتجميد جميع العلاقات التجارية مع الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي. ويعود ذلك، من جهة، إلى رفض إسبانيا الوفاء بهدف الإنفاق البالغ 5%، ومن جهة أخرى، إلى رفض مدريد السماح للقوات الأمريكية باستخدام القواعد العسكرية الإسبانية لشن هجمات على إيران.
كان إعلان ترامب عن نيته إلغاء اتفاق وقف إطلاق النار القائم مع إيران أكثر خطورة. وقال عن القيادة الإيرانية، التي أدانها بعبارات شديدة اللهجة: "بالنسبة لي، هذا كل ما في الأمر". وفي الليلة نفسها، شنت القوات الأمريكية غارات جوية على 80 هدفًا في إيران، وردت إيران بهجمات صاروخية على البحرين والكويت. ووجد الحلفاء الأوروبيون، الذين كانوا ينتقدون بالفعل الحرب التي تقودها الولايات المتحدة في إيران، أنفسهم أمام مستوى جديد من التصعيد، ستتجاوز عواقبه قمة الحرب بكثير.
علاوة على ذلك، أكد ترامب علنًا مجددًا مطالبته بغرينلاند، واصفًا الجزيرة بأنها "مهمة جدًا" للولايات المتحدة. وقد رفضت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميتي فريدريكسن، هذا الادعاء بشدة. وبينما شدد روتّه على أنه لا يرى وحدة الحلف في خطر، فقد اضطر في الوقت نفسه إلى التأكيد علنًا على "التزام الولايات المتحدة غير المشروط تجاه حلف الناتو". وقد أثبت التناقض الصارخ بين خطاب ترامب العلني وسلوكه خلف الأبواب المغلقة أنه الموضوع الرئيسي للقمة في الساعات التي تلت ذلك.
الازدواجية الدبلوماسية: وجهان لرئيس
اتخذت القمة منحىً لافتًا بمجرد إغلاق أبواب قاعة الاجتماعات. ووفقًا لتقارير متطابقة من المشاركين، لم يوجه ترامب أي اتهامات داخلية. ولم يُناقش موضوع غرينلاند، ولا إسبانيا. بل على العكس، طمأن الحلفاء قائلًا: "نريد البقاء معكم". وبقي في قاعة الاجتماعات طوال الوقت، منصتًا باهتمام لممثلي الدول الأعضاء الأصغر، ووفقًا للمستشار ميرز، فقد رد على تصريحاتهم بتعاطف كبير.
خلال المناقشات الداخلية، أقرّ ترامب صراحةً ووافق على أن الأوروبيين يبذلون جهودًا أكبر في مجال الدفاع. وفي ختام الجلسات، تحدث عن "وحدة كبيرة" داخل الحلف، ووصف القمة بأنها "قمة ناجحة للغاية لحلف الناتو". وقد وجد ميرز الملاحظة الختامية التي تم اقتباسها كثيرًا - "هناك شعور بالمودة في الأجواء" - مفاجئة ولكنها موضع ترحيب كبير. ويبدو أن استراتيجية الحلفاء الأوروبيين في استرضاء ترامب من خلال صفقات أسلحة استعراضية وإعلانات علنية عن استعدادهم للاستثمار قد نجحت.
لخص عالم السياسة بنيامين ويبر، من برنامج تاغسشاو الإخباري، النتيجة ببراعة: لقد تم تجنب الصدام الكبير. ورغم أن ترامب هيمن على اليوم الثاني من القمة بتصريحاته المهينة، إلا أن المشاركين نجحوا في إرسال إشارة وحدة. من جانبه، أعلن ميرز أن حلف الناتو "أكثر أوروبية من أي وقت مضى" وفي الوقت نفسه "راسخ بقوة عبر الأطلسي".
140 مليار لكييف: المساعدات لأوكرانيا كحجر زاوية في القمة
كان أهم نتائج القمة من الناحية المالية التزام حلفاء الناتو بتزويد أوكرانيا بمبلغ 70 مليار يورو سنويًا لمدة عامين - أي ما مجموعه 140 مليار يورو - لتوفير المعدات العسكرية والدعم والتدريب. ويشمل ذلك حزمة مساعدات من الاتحاد الأوروبي ستتلقى أوكرانيا بموجبها حوالي 60 مليار يورو لتغطية النفقات المتعلقة بالدفاع بحلول نهاية عام 2027. وفي نهاية المطاف، سيتبقى على الدول الأعضاء في الناتو تحمل حوالي 80 مليار يورو من ميزانياتها الوطنية.
منذ أن أوقفت الولايات المتحدة تمويل المساعدات لأوكرانيا بشكل كبير في عهد ترامب، أصبحت ألمانيا تُساهم بأكبر حصة وطنية. وقد خصصت الحكومة الألمانية بالفعل 11.5 مليار يورو لعام 2026 لشراء المدفعية والطائرات المسيّرة والمركبات المدرعة وغيرها من المعدات، وهو أعلى مبلغ منذ بدء الحرب العدوانية الروسية، وفقًا لوزارة الدفاع. وقبل مغادرته إلى أنقرة، صرّح ميرز قائلاً: "ربما يُدرك الكرملين ببطء أن روسيا لن تنتصر في هذه الحرب ولن تُحقق أهدافها الحربية"
ينص البيان الختامي حرفيًا على ما يلي: "تساهم أوكرانيا في الأمن عبر الأطلسي، ويقف الحلفاء صفًا واحدًا في دعمهم الثابت لأوكرانيا في الدفاع عن حريتها وسيادتها وسلامة أراضيها". ومن الجدير بالذكر أن ترامب شارك في توقيع البيان، مما يُظهر التزامًا أقوى بكثير بدعم أوكرانيا مقارنةً بقمة لاهاي في العام السابق. كما أبدى ترامب موقفًا تصالحيًا غير معتاد تجاه زيلينسكي، معلنًا نيته منح أوكرانيا ترخيصًا لبناء منظومات باتريوت المضادة للصواريخ.
مع ذلك، يغيب عن البيان الختامي التزام رسمي بقبول أوكرانيا في حلف الناتو. فبينما تضمنت قمة فيلنيوس عام 2023 عبارة "مستقبل أوكرانيا يكمن في حلف الناتو"، يغيب نص مماثل بشكل ملحوظ عن وثيقة أنقرة. ويرى المحللون أن هذا لا يعني التخلي عن هدف انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، لكن آفاق الانضمام المباشرة تبقى غير مؤكدة طالما استمرت الحرب ولم تُطلق الولايات المتحدة، بقيادة ترامب، مبادرة سياسية مماثلة.
نقل الأعباء بدلاً من تقاسمها: تقاسم الأعباء الجديد
لعلّ أبرز ما ميّز هذه القمة من الناحية المفاهيمية هو الخروج التام عن مبدأ تقاسم الأعباء، والتحوّل نحو نقل حقيقي للأعباء، أي النقل المنهجي للمسؤولية الأساسية عن الدفاع الأوروبي إلى الدول الأعضاء الأوروبية. وقد نصّ الإعلان الختامي على ذلك بوضوح: "يتحمّل الحلفاء الأوروبيون وكندا، بالتعاون مع الولايات المتحدة، مسؤولية أكبر عن الدفاع عن الحلف". والشعار هو: "أوروبا أقوى في حلف شمال الأطلسي أقوى"
يشمل هذا التحول الجذري التنفيذ الفعلي لأهداف الإنفاق المتفق عليها في قمة لاهاي. وبحلول عام 2035، يتعين على الدول الأعضاء تخصيص 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق على الدفاع النووي، بالإضافة إلى 1.5% أخرى لمجالات ذات صلة بالدفاع، كالأمن السيبراني، ليبلغ المجموع 5%. وفي قمة أنقرة، نشر حلف الناتو بيانات تكشف عن التفاوتات الكبيرة التي لا تزال قائمة داخل الحلف. وتتصدر ليتوانيا القائمة بنسبة 5.33%، تليها إستونيا بنسبة 5.1%، ثم لاتفيا بنسبة 4.92%، وبولندا بنسبة 4.68%، واليونان بنسبة 3.65%. أما ألمانيا، فتبلغ نسبتها 2.69%، وهي أعلى بكثير من الهدف السابق البالغ 2%، لكنها لا تزال بعيدة عن المستويات المستهدفة. وتنفق الولايات المتحدة وحدها 3.17% من ناتجها المحلي الإجمالي.
احتلت ألمانيا مكانة بارزة في أنقرة. فقد أعلنت الحكومة الألمانية عن إنفاق دفاعي قياسي بلغ 124.7 مليار يورو لعام 2026، وأعلنت عزمها على بلوغ هدف 3.5% بحلول عام 2029، أي قبل ست سنوات من الموعد المحدد. بالنسبة للمستشار ميرز، كانت هذه إشارة هامة: "لا نبذل هذا الجهد الجبار لنقدم معروفًا لأحد، بل لأنه ضروري لدفاعنا وأمننا". وأضاف وزير الخارجية فاديفول أن استغلال الدول الأوروبية لجهودها الدفاعية قد "انتهى".
ثورة في صناعة الصلب والبرمجيات: صناعة الأسلحة تبرز كفائز في القمة
من أبرز نتائج القمة الملموسة توقيع عدد كبير من اتفاقيات التعاون في مجال التسلح وعقود التوريد، بقيمة إجمالية تتجاوز 50 مليار دولار أمريكي. وقبل انعقاد القمة، دعا الأمين العام لحلف الناتو، روته، إلى "ثورة" في صناعة الدفاع عبر الأطلسي، متحدثاً عن ضرورة تسريع وتيرة الابتكار، وإبرام عقود طويلة الأجل، وتقليص البيروقراطية.
كانت الصفقة الأبرز على الإطلاق هي طلب كندا ما يصل إلى اثنتي عشرة غواصة من طراز 212 CD من شركة بناء السفن الحربية الألمانية TKMS. وصفها الرئيس التنفيذي لشركة TKMS، أوليفر بوركهارد، بأنها "أكبر طلبية على الإطلاق تُقدم لشريك في حلف الناتو في عالم الغواصات التقليدية". وتشمل الصفقة، بما في ذلك الصيانة والتشغيل لعدة عقود، والخدمات المساندة، وقد تصل قيمتها إلى حوالي 62 مليار يورو. بالنسبة لألمانيا، لا يعني هذا فقط الاستخدام الأمثل لأحواض بناء السفن في كيل وويسمار لسنوات عديدة، بل يعني أيضًا بداية تعاون استراتيجي مع كندا يتجاوز بكثير مجال الدفاع، ليشمل تعاونًا مُخططًا له في مجالات العناصر الأرضية النادرة، وإنتاج البطاريات، والذكاء الاصطناعي.
إضافةً إلى ذلك، وقّعت عدة دول أعضاء في حلف الناتو، من بينها ألمانيا، عقدًا لشراء عشر طائرات استطلاع جديدة من طراز ساب بقيمة إجمالية قدرها 50 مليار يورو. وأعلن روتّه أن الحلف سيستثمر أكثر من 40 مليار دولار أمريكي في قدرات الدفاع ضد الطائرات المسيّرة على مدى السنوات الخمس المقبلة في إطار مبادرة "درون إيدج". ومن المقرر زيادة عدد الجنود المدربين على عمليات الطائرات المسيّرة خمسة أضعاف بحلول نهاية عام 2027. علاوة على ذلك، التزم الحلفاء بتطوير "سحابة حربية" عابرة للأطلسي قابلة للتشغيل البيني، وهي بنية تحتية سحابية مشتركة لجميع القوات المسلحة التابعة للحلف. كما سيتم تحديث أسطول طائرات الإنذار المبكر والتحكم المحمول جواً (أواكس) المكون من 14 طائرة.
أشارت دراسة أجرتها شركة ماكينزي مطلع عام 2026 إلى أن الإنفاق الدفاعي السنوي لدول حلف شمال الأطلسي الأوروبية قد يرتفع إلى حوالي 800 مليار يورو بحلول عام 2030، أي بزيادة تقارب 300 مليار يورو عن عام 2025. وفي الوقت نفسه، رصدت الدراسة فجوة مقلقة بين الزيادات في الميزانية والأثر العملي: إذ إن أكثر من 50% من برامج التسلح الأوروبية الرئيسية متأخرة عن الجدول الزمني أو تتجاوز ميزانياتها، ولا تزال نسبة كبيرة من الأنظمة الرئيسية تُشترى من خارج أوروبا. وتعالج القرارات المتخذة في أنقرة هذا العجز الهيكلي، على الأقل من الناحية النظرية.
مركز الأمن والدفاع - المشورة والمعلومات
يقدم مركز الأمن والدفاع مشورة الخبراء ومعلومات حديثة لدعم الشركات والمؤسسات بفعالية في تعزيز دورها في سياسة الأمن والدفاع الأوروبية. وبالتعاون الوثيق مع فريق عمل الدفاع التابع لمبادرة "تواصل الشركات الصغيرة والمتوسطة"، يُعنى المركز بشكل خاص بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تطوير قدراتها الابتكارية وتنافسيتها في قطاع الدفاع. وبصفته نقطة اتصال مركزية، يُشكل المركز جسراً حيوياً بين الشركات الصغيرة والمتوسطة واستراتيجية الدفاع الأوروبية.
ذو صلة بهذا الموضوع:
حلف شمال الأطلسي في مرحلة انتقالية: ماذا تعني قرارات أنقرة بالنسبة للصناعة والأسر الأوروبية؟
لعبة أردوغان الكبرى: تركيا كفائز جيوسياسي
لم تغادر أي دولة أخرى أنقرة منتصرةً كما فعلت تركيا. فقد استغل أردوغان الفترة التي سبقت القمة لحل القضايا العالقة مع واشنطن، وقدّم نفسه كمضيف واثق. وكانت النتيجة الأبرز لدبلوماسيته: إعلان ترامب رفع العقوبات المفروضة على صناعة الأسلحة التركية، والتي كانت سارية منذ عام 2020 عقب شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400. وكانت رسالة ترامب واضحة: "لا نريد معاقبة أصدقائنا"
علاوة على ذلك، أبدى ترامب استعداده للموافقة على بيع خمس طائرات مقاتلة من طراز إف-35 إلى تركيا. قد يضع هذا حداً لنزاع دام سنوات: فقد استُبعدت تركيا من برنامج إف-35 عام 2019، بعد أن كانت أحد الشركاء الماليين الثمانية في تطويره. مع ذلك، لا تزال هناك عقبات قانونية كبيرة: إذ يتطلب كل من رفع العقوبات وصفقة بيع طائرات إف-35 موافقة الكونغرس الأمريكي، وبموجب القانون الأمريكي، يتعين على أنقرة أولاً التخلي عن منظومة الدفاع الجوي إس-400 قبل رفع العقوبات.
استغل أردوغان القمة لإجراء محادثات ثنائية مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب لبحث سبل التعاون العسكري المحتمل، لا سيما في تطوير الطائرات المسيّرة. وفي الوقت نفسه، أكد مجددًا دور تركيا كوسيط في النزاع الأوكراني الروسي، وعزمه على إحياء مسار إسطنبول لإجراء محادثات سلام. ونُقل عن ترامب قوله في محادثة ثنائية: "إذا جاء بوتين إلى إسطنبول أو أنقرة لإيجاد حل، فسأحضر أنا أيضًا"
كانت مؤسسة كونراد أديناور قد حللت قبل القمة أن تركيا تصر على أن تُضمّ على قدم المساواة في أي تعزيز للركيزة الأوروبية لحلف الناتو، وألا تُهمّش لكونها دولة غير عضو في الاتحاد الأوروبي. وقد انعكس هذا القلق، جزئياً على الأقل، في نتائج القمة.
المادة 5 وروسيا: البنية الأمنية موضع التركيز
كان من أبرز النتائج ذات الأهمية السياسية إعادة التأكيد الصريح على المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو) من قبل جميع الدول الأعضاء الـ 32، بما فيها الولايات المتحدة. ويتضمن الإعلان الختامي "التزاماً راسخاً بالدفاع المشترك بموجب المادة الخامسة من معاهدة واشنطن". ونظراً للشكوك التي كانت تحوم منذ أشهر حول إمكانية اعتماد الأوروبيين فعلاً على التزام الولايات المتحدة بتقديم المساعدة المتبادلة في أوقات الأزمات، فقد اكتسب هذا الالتزام أهمية بالغة تتجاوز مجرد كونه إجراءً شكلياً.
وُصفت روسيا صراحةً في البيان بأنها "تهديد طويل الأمد لأمن واستقرار أوروبا الأطلسي". ورغم أن هذه الصياغة ليست جديدة - فهي تُردد صدى لغة قمة لاهاي لعام 2025 - إلا أن إدراجها في وثيقة مدعومة من واشنطن لم يكن أمراً مفروغاً منه، بالنظر إلى تصريحات ترامب المتضاربة أحياناً بشأن روسيا وأوكرانيا. وقد استثمر الأمين العام لحلف الناتو، روته، 37 مليار دولار في تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية في العام الماضي وحده، وأفاد بأن إنتاج الذخيرة يسير على المسار الصحيح ليتضاعف إلى أربعة ملايين قذيفة مدفعية سنوياً بحلول عام 2027.
فيما يتعلق بإعادة تنظيم القوات الأمريكية المزمعة في أوروبا، وتحديداً سحب الوحدات العسكرية الأمريكية، فقد قدم نموذج قوات الناتو بعض المعلومات الملموسة حول القوات التي ستسحبها الولايات المتحدة من أوروبا. ومع ذلك، لا يزال هذا الأمر بحاجة إلى توضيح كامل، ويُعدّ الغموض الذي يكتنف مدى الالتزام العسكري الأمريكي في أوروبا على المدى المتوسط من بين نقاط الضعف الاستراتيجية المتبقية للحلف.
إيران، إسبانيا، غرينلاند: مناطق الحرب الثانوية لترامب وتداعياتها
تستحق القضايا الجانبية المتصاعدة التي أثارها ترامب في أنقرة دراسة منفصلة، لأنها تُبرز التوترات الهيكلية داخل الحلف بشكلٍ أوضح من أي وثيقة رسمية. ومن غير المرجح أن يكون الحظر التجاري المفروض على إسبانيا، والذي فرضه ترامب بأمرٍ منه، قابلاً للتنفيذ القانوني الكامل، لا سيما وأن التجارة الأمريكية مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تخضع لقانون السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي. أما سياسياً، فقد أشار ترامب إلى أنه ينظر إلى سياسة التجارة الثنائية والتزام أعضاء حلف الناتو كأداة واحدة.
لا تزال قضية غرينلاند نقطة خلاف مستمرة. حاول روتّه تهدئة الموقف بالإشارة إلى اتفاق تم التوصل إليه في دافوس ينص على زيادة الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة. إلا أن هذا لم يطمئن ترامب إلا مؤقتًا، إذ سارع إلى اغتنام الفرصة لتأكيد موقفه. فبالنسبة للحكومة الدنماركية، يُعدّ انتماء غرينلاند إلى مملكة الدنمارك أمرًا غير قابل للتفاوض، وبالتالي فهو ليس موضوعًا للمساومة داخل حلف الناتو.
من المرجح أن يترك مجمع إيران ندوبًا عميقة على المدى البعيد. وقد كشف رفض العديد من الحلفاء الأوروبيين تقديم الدعم اللوجستي للعمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران عن خلاف جوهري في مصالحهم. ولا يتضمن الإعلان الختامي سوى جملة واحدة مبهمة عمدًا في هذا الشأن: وهي أنه لا يجوز لإيران امتلاك سلاح نووي، ويجب احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز. إن إيجاز هذه الصياغة ليس سهوًا، بل هو نتاج مفاوضات مكثفة، ويعكس الصمت الذي ينشأ عندما لا تُحل الخلافات، بل تُخفى فحسب.
البُعد الاقتصادي: ماذا تعني قرارات أنقرة بالنسبة لاقتصادات أوروبا؟
من منظور الاقتصاد الكلي، تمثل قمة أنقرة نقطة تحول تاريخية في السياسة المالية والصناعية الأوروبية. فمزيج هدف الإنفاق الحكومي بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2035، وحزم المشتريات الملموسة التي تبلغ قيمتها مليارات اليورو، والتحول الجذري نحو نقل الأعباء، كلها عوامل تجبر الاقتصادات الأوروبية على إعادة توزيع استثماراتها العامة بطريقة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.
تشير توقعات شركة ماكينزي إلى أن يصل الإنفاق الدفاعي السنوي لحلف الناتو في أوروبا إلى 800 مليار يورو بحلول عام 2030، مما يستلزم تغييرات جذرية واسعة النطاق: فالدول التي كانت سابقًا دون هدف 2% ستضطر إما إلى زيادة ديونها، أو خفض نفقات أخرى، أو زيادة إيراداتها الضريبية. وتواجه دول مثل بلجيكا والبرتغال وإيطاليا، التي بالكاد تصل حاليًا إلى نسبة 2% السابقة، تعديلات هائلة في ميزانياتها. في الوقت نفسه، يوفر هذا التوسع في التسلح فرصًا هائلة في السياسة الصناعية: فقد ارتفعت استثمارات رأس المال المخاطر في الشركات الأوروبية الناشئة في مجال تكنولوجيا الدفاع من أقل من 250 مليون يورو في عام 2021 إلى حوالي 2.6 مليار يورو، كما زادت مخزونات الدفاع الأوروبية بأكثر من 400% منذ عام 2022.
يكمن الخطر، مع ذلك، في ضعف هيكلي يتمثل في عدم كفاءة صناعة الدفاع الأوروبية: إذ يتأخر أكثر من 50% من برامج الدفاع الأوروبية الرئيسية أو تتجاوز ميزانيتها، وتتسم سلاسل التوريد بتجزئة شديدة، وتتوقع شركة ماكينزي إمكانية تحقيق كفاءة سنوية تبلغ حوالي 9 مليارات يورو من خلال دمج قطاعي المستوى الثاني والثالث. وتشير صفقات الأسلحة التي أبرمتها أنقرة، ولا سيما عقد غواصات TKMS مع كندا، إلى أن بعض قطاعات الصناعة الأوروبية على الأقل قادرة على إدارة هذا التحول. إلا أن السوق ككل لا يزال بعيدًا عن ثورة صناعية ترقى إلى مستوى المصطلح الذي استخدمه روته.
بالنسبة لألمانيا على وجه الخصوص، تمثل قرارات أنقرة مكاسب جيوسياسية متعددة: سمعة كونها العضو الأوروبي الأكثر موثوقية في حلف الناتو، وإمكانية الوصول إلى عقد تسليح متعدد الأجيال عبر شركة TKMS، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع كندا، والتي تتجاوز التكنولوجيا العسكرية لتشمل المواد الخام والطاقة وإنتاج البطاريات. وقد لخص المستشار ميرز الأمر بإيجاز قائلاً: "اليوم، أصبح حلف الناتو أكثر أوروبية من أي وقت مضى"
الجروح المفتوحة والمخاطر الهيكلية: ما فشلت أنقرة في حله
على الرغم من الإشارة الواضحة للوحدة، إلا أن القمة تركت وراءها عدداً من المشاكل الهيكلية التي لم يتم حلها والتي ستشكل تحدياً لاستقرار التحالف على المدى المتوسط.
أولًا، لا تزال موثوقية التزام الولايات المتحدة موضع شك جوهري. إن حقيقة أن جزءًا كبيرًا من الدبلوماسية الأوروبية في القمة كان يهدف إلى استرضاء غرور ترامب و"إرضائه" تكشف عن خلل خطير: فوحدة التحالف تعتمد بشكل كبير على أهواء رجل واحد. وهذا وضع غير مستقر مؤسسيًا.
ثانيًا، ثمة فجوة كبيرة بين الالتزامات المالية والجاهزية العسكرية الفعلية. فقد أظهر تحليل ماكينزي أنه على الرغم من ارتفاع الميزانيات، فإن مخزونات المعدات لدى العديد من الدول الأوروبية لا تزال دون مستويات عام 2021، وذلك لأن دعم أوكرانيا استلزم سحبًا هائلًا من احتياطياتها. وبالتالي، فإن زيادة الأموال لا تُترجم تلقائيًا إلى قوة قتالية أكبر، على الأقل ليس على المدى القريب.
ثالثًا، تُركت مسألة انضمام أوكرانيا إلى التحالف مفتوحة عمدًا في قمة أنقرة. يحمي هذا التحالف من النزاعات الداخلية، ولكنه في الوقت نفسه لا يرسل إشارة واضحة إلى روسيا مفادها أن توجه أوكرانيا نحو الغرب نهائي لا رجعة فيه.
رابعاً، إن قضية إسبانيا تعمق الخلاف السياسي داخل الحلف الذي يتجاوز الأفراد: فالدول ذات الإنفاق الدفاعي المنخفض والسياسات الخارجية المستقلة - لا سيما فيما يتعلق بإيران - ترى نفسها أهدافاً للتهديدات الاقتصادية الأمريكية، الأمر الذي قد يضر برغبتها السياسية الداخلية في الانضمام إلى الناتو على المدى الطويل.
أنقرة كرمز للانتقال
ستُسجّل قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة عام 2026 في تاريخ الحلف كنقطة تحوّل، وإن كان ذلك بمعنى مختلف عمّا كان مأمولاً في البداية. فهي لم تُفضِ إلى وضع رؤية استراتيجية جديدة، بل مثّلت نهاية مرحلة تحوّل: إذ باتت أوروبا تتحمّل مسؤولية أكبر عن دفاعها الذاتي بشكلٍ لا رجعة فيه، لعدم وجود بديلٍ موثوق. ويؤكد الإعلان الختامي - الذي وقّعته جميع الدول الأعضاء الـ 32، بما فيها الولايات المتحدة - التزام الحلف بالدفاع المشترك، ويُصنّف روسيا كتهديد، ويتعهّد بتقديم 140 مليار يورو لأوكرانيا على مدى عامين.
صاغ المستشار مرز مصطلح "روح أنقرة"، مستحضراً بذلك روحاً يبدو أنه عاجز عن فهمها تماماً. والدرس الحقيقي للقمة أكثر إثارة للتأمل: فالتحالف الذي لا يستطيع الحفاظ على تماسكه إلا باسترضاء أكثر أعضائه صخباً بصفقات أسلحة استعراضية، ليس في مرحلة قوة، بل في مرحلة تكيف. تُظهر أنقرة مدى التقدم الذي أحرزته أوروبا في استقلالها الاستراتيجي، وفي الوقت نفسه، تُظهر مدى المسافة التي لا تزال تفصلها عن التحرر من تبعية هذا الاستقلال لواشنطن.
من المقرر عقد قمة الناتو المقبلة في ألبانيا. وبحلول ذلك الوقت، سيتضح ما إذا كانت قرارات أنقرة مجرد إعلانات نوايا، أم أن الحلف سيضطر للعودة إلى وضع البقاء في عام الأزمة المقبل.
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
رئيس قسم تطوير الأعمال
رئيس فريق عمل الدفاع التابع لشبكة الشركات الصغيرة والمتوسطة
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
يمكنكم التواصل معي عبر البريد الإلكتروني wolfenstein∂xpert.digital أو
اتصل بي على الرقم +49 7348 4088 965 .




















