"ذخيرة تكفي ليومين فقط": عجز الأسلحة القاتل لدى الغرب في ظل الصين وروسيا
خطأ الغرب القاتل: لماذا نضحي بأمننا العالمي من أجل السلع الصينية الرخيصة؟
أحواض بناء السفن، والسفن، والصواريخ: كيف تفوقت الصين على الغرب بخطة رئيسية عملاقة
تكشف السيناريوهات الخيالية، وإن كانت واقعية للغاية، لتصعيد في الخليج العربي عن حقيقة مُرّة: لقد تخلى الغرب تدريجياً عن سيطرته على طرق التجارة العالمية. فبينما انشغلت الديمقراطيات لسنوات بمناقشة أسعار الوقود، وتمتعت بسلع استهلاكية رخيصة، عملت جهات فاعلة مثل الصين وروسيا وإيران بجدٍّ نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب. وهي الآن تستخدم البنية التحتية البحرية الهشة للاقتصاد العالمي كسلاح قوي. فمن النقص الحاد في الذخائر، وهيمنة الصين المطلقة على بناء السفن المدنية والعسكرية، إلى الاعتماد القاتل على أحواض بناء السفن والممولين الآسيويين، تتكشف نقاط الضعف الهيكلية والصناعية لأوروبا والولايات المتحدة بلا هوادة. لكن الأمل لم يُفقد بعد: فما زالت ألمانيا وأوروبا تمتلكان قوة بحرية وصناعية هائلة يمكن أن تُشكّل أساساً للعودة إلى الاستقلال الاستراتيجي. يُحلل هذا النص الفشل الصامت للردع الغربي، ويطرح السؤال الأكثر إلحاحاً في عصرنا: ما الثمن الذي نحن على استعداد لدفعه مقابل أمننا وسيادتنا؟
التبعية الغربية، والهيمنة الصينية، والفشل الصامت للردع
تُشير الصور القادمة من الخليج العربي في ربيع عام 2026 إلى تحوّلٍ جذريّ في موازين القوى العالمية: قوتان بحريتان - إيران والولايات المتحدة - تُحاصران في آنٍ واحد المضيق نفسه الذي يمرّ عبره نحو 20 مليون برميل من النفط الخام يوميًا، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي. ما يبدو للوهلة الأولى تصعيدًا إقليميًا، يكشف عند تحليله بدقة عن نقاط ضعف الغرب الهيكلية في مجالٍ أهملته الديمقراطيات لعقود: القوة البحرية، وقدرات بناء السفن، والسيطرة على طرق التجارة العالمية. وقد لخّص موريتز بريك، قائد سفينة حربية احتياطية وخبير الأمن البحري من جامعة بون، الوضعَ ببراعة في برنامج ماركوس لانز الحواري بعبارةٍ لم تفقد حدّتها: طالما يدور النقاش حول أسعار الوقود، فهو يدور حول جنودٍ يُخاطرون بحياتهم ليتمكّن غيرهم من الحصول على المزيد من المال لشراء سلعٍ رديئة من الصين عبر الإنترنت.
عنق الزجاجة في الاقتصاد العالمي: من يسيطر على مضيق هرمز يسيطر على العالم
يبلغ عرض مضيق هرمز 33 كيلومترًا فقط عند أضيق نقطة فيه، مما يتيح للملاحة ثلاثة كيلومترات فقط في كل اتجاه، ومع ذلك يبقى أهم ممر مائي في العالم. يمر عبر هذا المضيق أكثر من ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، ونحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، ومعظمها من قطر. ويخرج من المملكة العربية السعودية وحدها 38% من نفطها عبر هذا الممر. ولا تستطيع خطوط الأنابيب استيعاب سوى جزء ضئيل من هذه الكميات في حال فرض حصار بحري مطوّل.
أدى تصاعد الصراع الإيراني منذ منتصف عام 2025 إلى تحويل هذا الضعف النظري إلى واقع ملموس. فقد أغلقت إيران مضيق ملقا وفرضت رسومًا على العبور، ما دفع الرئيس الأمريكي ترامب إلى إصدار أوامر للبحرية الأمريكية بإغلاق المضيق تمامًا، وهدد بمصادرة أي سفينة دفعت رسومًا لطهران. وكانت العواقب فورية: فقد علّقت شركات شحن كبرى مثل هاباج لويد وميرسك جميع رحلاتها عبر المضيق، وغيّرت مسار سفنها حول رأس الرجاء الصالح، وارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بشكل حاد. كما ألغت العديد من شركات التأمين البحري تغطيتها لمخاطر الحرب في المنطقة. وانهار وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 7 أبريل/نيسان 2026، وانتهت المحادثات اللاحقة في إسلام آباد دون التوصل إلى نتيجة.
لا يمكن النظر إلى هذا الصراع بمعزل عن غيره. فمضيق هرمز ليس سوى واحد من عدة ممرات استراتيجية ضيقة تتعرض لضغوط متزامنة. في البحر الأحمر، هاجم المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن أكثر من 100 سفينة منذ نهاية عام 2023. ويمر نحو 60% من الصادرات الصينية إلى أوروبا عبر قناة السويس، التي تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط. وعندما بلغت الهجمات ذروتها، تضاعفت أسعار الحاويات على هذا الطريق ثلاث مرات، وازدادت أوقات العبور بشكل كبير. إن البنية التحتية للتجارة العالمية برمتها، التي اعتُبرت أمراً مسلماً به في العقود الأخيرة، تُثبت هشاشتها.
المثلث الجيوسياسي: إيران وروسيا والصين كمحور ضد النظام الغربي
لفهم الأحداث الجارية، لا بد من إدراك الروابط الأيديولوجية والاستراتيجية بين الأطراف الفاعلة. فميليشيا الحوثيين في اليمن ليست مجرد أداة تمولها وتسليحها طهران، بل تعمل ضمن شبكة أوسع تلعب فيها روسيا دورًا فاعلًا. ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، يُزعم أن روسيا دعمت الحوثيين في هجمات على سفن في البحر الأحمر باستخدام بيانات الأقمار الصناعية التي نقلها عناصر من الحرس الثوري الإيراني. بل ورد أن الصين وروسيا أبرمتا اتفاقًا مع الحوثيين يضمن مرورًا آمنًا للسفن الروسية والصينية عبر البحر الأحمر، في حين تعرضت سفن تجارية غربية للهجوم.
هذا الترتيب يتجاوز كونه مجرد اتفاق تكتيكي، فهو يُظهر مدى ترابط شبكة العداء للغرب التي تضم روسيا وإيران والصين ووكلائها. وكما قال موريتز براك، فإن الحوثيين يقاتلون، ولو ضمنيًا، بدعم مادي من الصين. وتجد بكين نفسها في مأزق استراتيجي نموذجي: فبصفتها أكبر دولة مُصدِّرة في العالم، تعتمد الصين على طرق التجارة الحرة، وفي الوقت نفسه تُقيم شراكات استراتيجية مع الجهات التي تُهدد هذه الطرق. وقد وصفت مؤسسة كونراد أديناور هذا الوضع بدقة بأنه أشبه بالمشي على حبل سياسي دقيق بالنسبة لبكين. إن حقيقة بقاء السفن الصينية والروسية دون مضايقة لفترة طويلة، بينما اضطرت شركات الشحن الغربية إلى تغيير مساراتها بتكلفة باهظة، تُبرز بوضوح عدم التوازن في هذه المنظومة.
الذخيرة على الميزان: ما تكشفه الحروب عن قاعدة التسلح الغربية
يتناول تحليل موريتز براك قضية حساسة للغاية: استهلاك صواريخ الدفاع الجوي. ففي الأسابيع الأولى من الحرب العراقية الإيرانية، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل نحو ألف صاروخ مضاد للطائرات، وهو ما يعادل تقريبًا إنتاج عام كامل. وتؤكد الأرقام الملموسة هذه الصورة: ففي غضون أيام قليلة، نفدت مخزونات بقيمة 26 مليار دولار، وسرعان ما هدد نقص صواريخ ثاد وباتريوت الاعتراضية. واستجابةً لذلك، سارعت الولايات المتحدة في الإنتاج، فرفعت إنتاج باتريوت PAC-3 من 21 إلى 42 وحدة شهريًا، وثاد إلى 400 وحدة سنويًا، إلا أن فعالية هذه الإجراءات لا تزال أقل بكثير من متطلبات الحرب.
لا يُمكن المُبالغة في تقدير التداعيات الهيكلية لهذه المشكلة. فكل صاروخ استُخدم في الخليج العربي لم يعد مُتاحًا للدفاع عن أوروبا أو لردع روسيا. ووفقًا لمؤسسة بريك، تُحصي روسيا والصين كل صاروخ اعتراضي أُطلق. وقد أشارت إسرائيل، في أحاديث خاصة، إلى أن مخزونها من الصواريخ الاعتراضية مُنخفض للغاية، على الرغم من نفي وزير الخارجية الإسرائيلي ذلك رسميًا. وقدّر بعض المُحللين أن حرب الأيام الاثني عشر ضد إيران استهلكت ما يُعادل عامين من الطاقة الإنتاجية العالمية لبعض الصواريخ الاعتراضية. وفي هذا السياق، تضاءلت القدرة على تزويد أوكرانيا بالصواريخ الاعتراضية بشكل كبير.
هذه النتيجة ليست ملاحظة معزولة، فأوروبا ككل تعاني من عقود من إهمال القدرات الدفاعية. وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا بوضوح أنه في عام 2022، كانت مخزونات المدفعية لدى العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تكفي ليومين فقط من القتال. ووفقًا للخبراء، فإن صناعة الأسلحة الأوروبية تعاني من نقص في الطاقة الإنتاجية، وهي غير قادرة على تجديد المخزونات المستنفدة بالسرعة الكافية. حتى القطن المستخدم في صناعة البارود يأتي في الغالب من الصين، وهو اعتماد قد يُعرّض إنتاج الذخيرة الغربية للخطر في حال تصاعد النزاع التجاري مع بكين. وبينما تقوم شركة راينميتال حاليًا ببناء مصنع جديد لذخيرة المدفعية، تتوقع حتى أكثر التقديرات تفاؤلًا زيادة الإنتاج عشرة أضعاف بحلول عام 2027، في حين يصل طلب أوكرانيا وحدها إلى 6000 طلقة يوميًا.
الاستحواذ الصامت على محيطات العالم: استراتيجية الصين البحرية كمفهوم شامل
بينما ينشغل الغرب بنقاش أسعار الطاقة وسلاسل التوريد، عززت الصين موقعها في محيطات العالم بثباتٍ يكاد يكون فريدًا من نوعه في عمقها الاستراتيجي. الأرقام مثيرة للإعجاب ومقلقة في آنٍ واحد: ففي عام 2025، حققت الصين أكبر حصة سوقية عالمية للعام السادس عشر على التوالي، وذلك وفقًا لثلاثة مؤشرات رئيسية في صناعة بناء السفن: السفن المكتملة، والطلبات الجديدة، والطلبات المتراكمة. وبلغ إنتاج بناء السفن حمولة ساكنة قدرها 53.69 مليون طن، بزيادة قدرها 11.4% مقارنة بالعام السابق. وشكلت الطلبات الجديدة 69% من السوق العالمية.
بحسب وثائق مسربة من البحرية الأمريكية، تفوق قدرة الصين على بناء السفن قدرة الولايات المتحدة بـ 232 ضعفًا. تمتلك الصين أكبر أسطول بحري في العالم بأكثر من 355 سفينة، بينما تمتلك الولايات المتحدة حوالي 296 سفينة. في عام 2024، أنتجت أكبر شركة صينية مملوكة للدولة لبناء السفن سفنًا تجارية من حيث الحمولة أكثر مما أنتجته صناعة بناء السفن الأمريكية بأكملها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. يصعب تصديق هذا الرقم: فحتى لو شهدت صناعة بناء السفن الصينية ركودًا لعشر سنوات، يعتقد الخبراء أن الولايات المتحدة لن تتمكن من اللحاق بها.
مركز الأمن والدفاع - المشورة والمعلومات
يقدم مركز الأمن والدفاع مشورة الخبراء ومعلومات حديثة لدعم الشركات والمؤسسات بفعالية في تعزيز دورها في سياسة الأمن والدفاع الأوروبية. وبالتعاون الوثيق مع فريق عمل الدفاع التابع لمبادرة "تواصل الشركات الصغيرة والمتوسطة"، يُعنى المركز بشكل خاص بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تطوير قدراتها الابتكارية وتنافسيتها في قطاع الدفاع. وبصفته نقطة اتصال مركزية، يُشكل المركز جسراً حيوياً بين الشركات الصغيرة والمتوسطة واستراتيجية الدفاع الأوروبية.
ذو صلة بهذا الموضوع:
الاستخدام المزدوج والقوة البحرية: كيف تعيد الصين تشكيل عالم الشحن
استخدام مزدوج كسلاح استراتيجي
يكشف الهيكل التنظيمي الكامن وراء هذا النمو عن جوانب بالغة الأهمية. إذ تتبنى الصين باستمرار مفهوم ما يُسمى بالدمج بين القطاعين العسكري والمدني: فغالباً ما تشارك أحواض بناء السفن التي تُصنّع سفنًا تجارية مدنية في إنتاج السفن الحربية في الوقت نفسه. وتُعدّ هذه البنية التحتية ذات استخدام مزدوج بمعنى جدي، إذ يُمكن تحويلها بسرعة إلى إنتاج عسكري بحت في حال وقوع أزمة. في المقابل، فصل الغرب قطاعي بناء السفن المدنية والعسكرية وخصخصهما على مدى عقود، ما أدى إلى ندرة القدرات الصناعية المقابلة لهما اليوم.
أدركت الولايات المتحدة عواقب هذا التطور، وهي الآن تتخذ إجراءات عاجلة. وقد صرّح وزير البحرية الأمريكي بأنه منبهر بقدرات كوريا الجنوبية في بناء السفن. ويعتزم البنتاغون استثمار 47 مليار دولار سنويًا في بناء السفن لسد الفجوة مع الصين. وقد استحوذت شركات كورية جنوبية مثل هانوا وإتش دي هيونداي بالفعل على أحواض بناء سفن أمريكية وحصلت على شهادات اعتماد للبحرية الأمريكية. وهكذا، حتى مع وجود السفن الحربية، تظل الولايات المتحدة معتمدة على الدول الحليفة كخط إنتاج ممتد، وهو ما أشار إليه موريتز بريك تحديدًا في برنامج لانز.
فخ التمويل
إلى جانب هيمنتها في قطاع التصنيع، رسّخت الصين قاعدة قوة ثانية أكثر دقة: السيطرة على تمويل الأسطول التجاري العالمي. فقد شهدت شركات التأجير الصينية نموًا غير مسبوق في تمويل السفن خلال العقد الماضي، حيث ضخّت ما يزيد عن 100 مليار دولار في هذا القطاع، ما يمثل أكثر من 15% من حجم تمويل السفن العالمي. ويتوافق هذا مع تقديرات شركة بريك بأن الصين تموّل نحو 60% من الأساطيل التجارية في العالم. والدلالة الاستراتيجية واضحة: ففي حال تعثّر القروض أو سحب الصين للتمويل خلال الأزمات، يمكن ببساطة إيقاف السفن عن الخدمة، وبالتالي تصبح غير متاحة في اللحظة التي تشتد فيها الحاجة إليها.
استجابت الولايات المتحدة لهذا الاعتماد بقواعد جديدة، ستفرض، بدءًا من أكتوبر 2025، رسومًا باهظة على السفن الممولة من الصين في الموانئ، تصل إلى 2.8 مليون دولار أمريكي لكل زيارة لميناء أمريكي لسفينة حاويات حمولتها الصافية 20 ألف طن، وذلك ابتداءً من عام 2026. ونتيجةً لذلك، بدأت العديد من شركات الشحن بإنهاء عقود الإيجار الصينية قبل موعدها واستبدالها بتمويل من بنوك غير صينية. هذه العملية مؤلمة ومكلفة، لكنها تُظهر بوضوح مدى عمق هذا الاعتماد.
أوروبا وألمانيا: بين وهم الازدهار والتراث الصناعي
في أوروبا، الوضع أكثر خطورة منه في الولايات المتحدة. فقد انخفضت حصة أوروبا من سوق بناء السفن التجارية العالمية إلى أقل من 2%. تهيمن الصين وكوريا الجنوبية واليابان على صناعة بناء السفن التجارية العالمية بحصة سوقية تقارب 90%. ويتم بناء أكثر من 90% من جميع السفن التجارية الجديدة في أحواض بناء السفن الآسيوية. أما صناعة بناء السفن الأوروبية، التي كانت تزخر بالفخر، فقد تراجعت إلى أسواق متخصصة: سفن الرحلات البحرية، والعبّارات، والسفن المتخصصة.
لا تُعدّ ألمانيا لاعباً هامشياً بأي حال من الأحوال. فقد تلقت أحواض بناء السفن الألمانية طلبات جديدة بقيمة 10.7 مليار يورو في عام 2024، أي أكثر مما تلقته في السنوات الأربع السابقة مجتمعة. يشهد بناء السفن البحرية ازدهاراً كبيراً، ويُشكّل ثلث إيرادات أحواض بناء السفن الألمانية. ويُعدّ حوض بناء السفن "ماير ويرفت" في بابنبورغ، المملوك جزئياً للحكومة الفيدرالية، أكبر حوض بناء سفن في البلاد. ويعمل ما يقرب من 15,800 شخص في قطاع بناء السفن الألماني. لذا، لا تزال القاعدة الصناعية قائمة، وهذا تحديداً ما يُشير إليه بريك: شركات الشحن، وأحواض بناء السفن، وصناعة الإنشاءات الفولاذية لا تزال قائمة. يجب الحفاظ على هذا القطاع الأساسي وتوسيعه.
تُجسّد شركة هاباج-لويد، خامس أكبر شركة شحن حاويات في العالم، ما لا تزال ألمانيا تمتلكه من إمكانيات. فمع إيرادات بلغت 21.1 مليار دولار أمريكي في عام 2025، وحجم نقل يصل إلى 13.5 مليون حاوية قياسية، وأسطول يضم ما يقارب 300 سفينة، تُعدّ هذه الشركة التي تتخذ من هامبورغ مقرًا لها، قوةً عظمى في التجارة البحرية العالمية. ومع ذلك، وخلال الأزمة، علّقت الشركة جميع رحلاتها عبر مضيق هرمز، وحوّلت مسار سفنها حول رأس الرجاء الصالح، وهو مسارٌ مُكلف يُبرز الاعتماد الهيكلي على طرق الشحن الآمنة.
من خلال مفهوم "دورة البحرية 2025"، حددت البحرية الألمانية إطارًا واضحًا: الردع على الجناح الشمالي لحلف الناتو، والاستعداد السريع للانتشار بحلول عام 2029، والتحديث التكنولوجي بحلول عام 2035. وقد تم تحديد الثغرات في الذخيرة والأفراد والأنظمة غير المأهولة بشكل علني، ويجري العمل على مواءمة هيكل القيادة مع القيادة التكتيكية للقوات البحرية. ويتمثل المبدأ التوجيهي في: امتلاك كل وحدة حاملة طائرات بدون طيار. ومع ذلك، لا يزال الطريق طويلًا بين هذا المفهوم النظري والقدرة العملياتية.
الحساب الاقتصادي: ما هي التكلفة الحقيقية للتبعية
تظهر التداعيات الاقتصادية للأزمة بشكل فوري. فقد ارتفعت أسعار الحاويات بشكل حاد مع قيام شركات الشحن الكبرى بتغيير مسارات خدماتها. كما عادت أسعار الشحن، التي كانت قد انخفضت بنسبة 8% لدى شركة هاباج-لويد في عام 2025، إلى التقلب مجدداً بسبب الأزمة. ويؤدي تحويل مسار الشحن عبر قناة السويس إلى رأس الرجاء الصالح إلى إطالة أوقات التسليم بشكل ملحوظ وزيادة تكاليف الوقود بشكل كبير. وقد فرضت شركات الشحن، مثل هاباج-لويد، رسوماً إضافية لتغطية مخاطر الحرب بقيمة 1500 دولار أمريكي للحاوية القياسية، وتصل إلى 3500 دولار أمريكي للحاويات المبردة.
لكن هذه الأرقام لا تمثل سوى غيض من فيض. فالتكاليف الأعمق تتعلق بالبنية الصناعية للغرب. أولئك الذين يعتمدون على طلب السفن من الصين، وتصنيع الذخائر بمواد خام صينية، والاستعانة بمصادر خارجية لإنتاج أسلحتهم في كوريا الجنوبية أو اليابان، قد تنازلوا بالفعل بشكل كبير عن استقلالهم الاستراتيجي. إن النقاش الدائر حول أسعار الوقود في محطات البنزين المحلية، مهما كان مبرراً من وجهة نظر المستهلك، يحجب هذا السؤال الجوهري: ما الثمن الذي يرغب الغرب في دفعه مقابل سيادته الصناعية؟
مسألة الاستقلال الاستراتيجي: ما الذي يمكن إنقاذه من بين الأنقاض؟
التشخيص المُقلق هو التالي: على مدى عقود، استفاد الغرب من نظام تجاري عالمي بات عاجزاً بشكل متزايد عن حماية نفسه. فبينما حقق تحرير الأسواق العالمية، والتخلي عن سياسة الدولة الصناعية، ونقل الإنتاج إلى الدول ذات الأجور المنخفضة، ازدهاراً قصير الأجل، إلا أنها دمرت القدرات الاستراتيجية على المدى البعيد. أما الصين، فقد انتهجت استراتيجية معاكسة: استثمارات حكومية ضخمة في الصناعات الرئيسية، وتكامل عسكري-مدني متواصل، وبناء قوة مالية بصبر – وهي الآن تنتظر لترى متى يمكن ترجمة هذه المزايا إلى نفوذ سياسي.
لكن ثمة مجال للمناورة، وهذا ما يؤكده بريك صراحةً. لا تزال ألمانيا وأوروبا تمتلكان شركات شحن، وأحواض بناء سفن أتقنت صناعة الصلب، ومصانع للصلب. هذا هو الأساس الذي يمكن البناء عليه. ويُظهر ازدهار صناعة بناء السفن الألمانية، مع طلبات قياسية بلغت 10.7 مليار يورو في عام 2024، وجود الطلب. كما يوفر برنامج "إعادة تسليح أوروبا" التابع للاتحاد الأوروبي، والذي تبلغ ميزانيته 150 مليار يورو، والذي يشجع صراحةً الاستثمارات في الإنتاج الدفاعي، الإطار المالي اللازم. والسؤال المطروح هو: هل توجد الإرادة السياسية لاستخدام هذه الأدوات فعلياً؟.
يعني الاستقلال الاستراتيجي في المجال البحري، عملياً، عدة أمور في آن واحد: أولاً، إعادة إحياء صناعة بناء السفن بدعم حكومي، وتوسيع نطاق التميز المتخصص ليشمل قدرة إنتاجية واسعة. ثانياً، تقليل الاعتماد على التمويل الصيني لبناء السفن، وهو أمر جارٍ حالياً على نطاق واسع ولكنه لم يكتمل بعد. ثالثاً، زيادة هائلة في إنتاج الأسلحة، لا سيما أنظمة الدفاع الجوي، التي تعرضت لضغوط هائلة في نزاعات متعددة في وقت واحد. رابعاً، إعطاء أولوية سياسية أوضح للأمن البحري - ليس كقضية عسكرية متخصصة، بل كقضية جوهرية لقدرة أوروبا الاقتصادية.
يُعدّ برنامج "البحرية 2025" التابع للبحرية الألمانية خطوةً في الاتجاه الصحيح، ولكنه يبقى مجرد فكرة. ولن يصبح الردع، نظرياً، قدرةً حقيقيةً إلا عندما تتوافق عمليات الشراء، والأفراد، ومستودعات الذخيرة، والقدرات الصناعية مع الطموحات المعلنة. وتقيس روسيا والصين وإيران هذه المصداقية بمعايير مختلفة عن تلك التي تُقاس بها المناقشات البرلمانية الغربية، إذ تعتمد على الصواريخ والسفن وأحواض بناء السفن.
لماذا يُعدّ الصمت العلني أمراً خطيراً؟
تُشير رسالة موريتز بريك اللاذعة في برنامج ماركوس لانز إلى فشل مجتمعي، وليس سياسياً فحسب. فالديمقراطية التي تختزل نقاشها الأمني إلى أسعار الوقود وتتجاهل المشكلات الهيكلية للاعتماد على الموارد البحرية، ترتكب أخطاءً استراتيجية نتيجة تقاعسها. وكما قال بريك، فإن الوضع العالمي يتطلب المزيد من المعاناة، ومن المشكوك فيه ما إذا كانت المجتمعات التي اعتادت على الرفاهية مستعدة لتقبّل هذه الحقيقة قبل وقوع كارثة حقيقية.
إن الحصار البحري المزدوج في الخليج العربي، وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، واستنزاف أنظمة الدفاع الجوي الغربية، وهيمنة الصين على بناء السفن، ليست أحداثاً منفصلة. بل هي مظاهر لإعادة تشكيل منسقة لعلاقات القوى العالمية، كان من الممكن التنبؤ بها منذ سنوات. وقد ظهرت بوادر الإنذار مبكراً: عندما تجاوز إنتاج الصين من بناء السفن نصف إجمالي الطاقة الإنتاجية العالمية، وعندما حلت شركات التأجير الصينية محل البنوك الأوروبية كممول رئيسي للأسطول التجاري العالمي، وعندما سمحت ميليشيا الحوثي للسفن الروسية والصينية بالمرور دون عوائق بينما هاجمت السفن الغربية.
إن القاعدة الصناعية التي يتحدث عنها بريك لا يجب حمايتها فحسب، بل يجب إعادة بنائها بشكل فعّال. وكل من يعتقد أن الأمن البحري شأنٌ يخصّ المتخصصين فقط، وأن قدرتهم الشرائية لا تتأثر بالتسوق الإلكتروني، فهو مخطئٌ تماماً. إن تكاليف التبعية الاستراتيجية لا تتحملها وزارة الدفاع وحدها، بل تقع على عاتق كل أسرة في صورة ارتفاع أسعار الطاقة، واختناقات في الإمدادات، وارتفاعات تضخمية، وفي الحالات القصوى، التعرض للابتزاز العسكري.
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
رئيس قسم تطوير الأعمال
رئيس فريق عمل الدفاع التابع لشبكة الشركات الصغيرة والمتوسطة
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
يمكنكم التواصل معي عبر البريد الإلكتروني wolfenstein∂xpert.digital أو
اتصل بي على الرقم +49 7348 4088 965 .


