
ما هي الإجراءات التي تتخذها أوروبا وحلف شمال الأطلسي ردًا على مناورات "زاباد-2025" العسكرية التي تجريها بيلاروسيا وروسيا؟ – صورة إبداعية: Xpert.Digital
التمرين العسكري Zapad-2025: هل هناك خطر تصعيد على الحدود الشرقية لأوروبا؟
الوضع التهديدي الذي يشكله برنامج ساباد-2025
تُشكّل المناورات العسكرية الروسية البيلاروسية "زاباد-2025" (وتعني "الغرب")، والمقرر إجراؤها في سبتمبر 2025، تحدياً خطيراً للأمن الأوروبي. أشارت الإعلانات الأولية إلى مشاركة نحو 13 ألف جندي في هذه المناورات، بينما تُقدّر وكالات الاستخبارات الغربية العدد بأنه أعلى بكثير، ويصل إلى 100 ألف جندي.
تُثير هذه التدريبات قلقاً بالغاً، لا سيما وأن مناورات "زاباد" السابقة في عام 2021، التي شارك فيها 200 ألف جندي، كانت بمثابة تحضير لغزو روسي محتمل لأوكرانيا. ويحذر خبراء الأمن، مثل المؤرخ العسكري سونكه نيتزل، من أن "هذا الصيف قد يكون آخر صيف ننعم فيه بالسلام". ولا يكمن القلق الأكبر في هجوم جديد على أوكرانيا، بل في احتمال وقوع عدوان على أعضاء حلف الناتو، مثل بولندا أو دول البلطيق.
رغم إعلان بيلاروسيا في مايو/أيار 2025 عزمها تقليص المناورات العسكرية ونقلها إلى الداخل، إلا أنها هددت لاحقاً بالتراجع عن هذا القرار في ضوء أنشطة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتُفسَّر هذه الإشارات المتناقضة على أنها جزء من استراتيجية مُتعمَّدة لزعزعة استقرار الغرب.
الرد العسكري لحلف الناتو
زيادة التواجد على الجناح الشرقي
عزز حلف الناتو وجوده العسكري على جناحه الشرقي بشكل ملحوظ. وتلعب ألمانيا دورًا محوريًا في هذا الصدد من خلال نشر لواء الدبابات 45 في ليتوانيا. يتألف هذا اللواء من 5000 جندي، ويمثل أول انتشار دائم للقوات الألمانية في الخارج منذ الحرب العالمية الثانية. ومن المقرر أن يصبح اللواء جاهزًا للعمليات بالكامل بحلول عام 2027، وهو مجهز بدبابات القتال الرئيسية ليوبارد 2A7 المتطورة ومركبات قتال المشاة بوما.
إضافةً إلى ذلك، تقود ألمانيا منذ عام 2017 مجموعة القتال متعددة الجنسيات التابعة لحلف الناتو في ليتوانيا، والتي تضم حاليًا حوالي 1700 جندي. ويُعدّ هذا الوجود الأمامي المعزز بمثابة رادع، وقد أُنشئ عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014.
ذو صلة بهذا الموضوع:
- اللوجستيات العسكرية: إعادة تسليح فرنسا بقيمة 64 مليار يورو بسرعة قياسية ومعدل انتشار غير مسبوق على الجناح الشرقي لحلف الناتو
مناورات واسعة النطاق كرد فعل
كرد فعل مباشر على مناورات "زاباد-2025"، تُجري القوات المسلحة الألمانية، بالتعاون مع 13 دولة أخرى من دول حلف شمال الأطلسي، سلسلة مناورات "كوادريغا 2025". وخلال الفترة الأساسية للمناورات، الممتدة من أغسطس إلى سبتمبر 2025، سيتدرب نحو 8000 جندي ألماني على حماية منطقة بحر البلطيق في ظروف حرب. وتتركز المناورات بشكل أساسي على المجالات التالية:
- نقل القوات والمعدات إلى ليتوانيا
- عبور الأنهار ذات الأهمية الاستراتيجية مثل نهر فيستولا
- تأمين ممر سوالكي، وهو ممر ضيق لا يتجاوز طوله 100 كيلومتر بين بولندا وليتوانيا
تنشر ألمانيا طائرات يوروفايتر في بولندا لأول مرة لتأمين مجالها الجوي خلال المناورات الروسية. وتخطط بولندا لمناورات واسعة النطاق بمشاركة 34 ألف جندي رداً على مناورات زاباد-2025، بينما تجري ليتوانيا مناوراتها الدفاعية الوطنية "الضربة الرعدية".
التخطيط الدفاعي الاستراتيجي
اعتمد حلف الناتو أهدافاً جديدة للقدرات، مصنفة ضمن أعلى مستويات السرية، والتي تتضمن تعزيزاً عسكرياً هائلاً. وتتمثل الأولويات فيما يلي:
- أنظمة الأسلحة بعيدة المدى والدفاع الجوي
- القوات البرية المتنقلة
- حماية البنية التحتية الحيوية
- القدرات السيبرانية والفضائية
تخطط ألمانيا لزيادة إنفاقها الدفاعي إلى 152.8 مليار يورو بحلول عام 2029. وتهدف الدول الأعضاء في حلف الناتو إلى إنفاق دفاعي بنسبة 5% من ناتجها المحلي الإجمالي على المدى المتوسط.
التدابير السياسية والدبلوماسية
مبادرات الدفاع في الاتحاد الأوروبي
أطلق الاتحاد الأوروبي مبادرات دفاعية شاملة من خلال خطة "إعادة تسليح أوروبا" والكتاب الأبيض "الاستعداد 2030". وتشمل هذه الحزمة ما يلي:
- تعبئة ما يصل إلى 800 مليار يورو للاستثمارات الدفاعية
- أداة الاتحاد الأوروبي الجديدة SAFE (العمل الأمني من أجل أوروبا) بميزانية قدرها 150 مليار يورو لمشاريع التسلح المشتركة
- تفعيل بند الإعفاء في ميثاق الاستقرار والنمو للإنفاق على الدفاع الوطني
تعزيز حلف الناتو من خلال الأعضاء الجدد
يُعزز انضمام فنلندا (أبريل 2023) والسويد (مارس 2024) إلى حلف الناتو الحلف بشكل كبير، إذ يُوسع حدود الناتو مع روسيا بمقدار 1340 كيلومترًا. ويُساهم كلا البلدين بقوات مسلحة حديثة ومجهزة تجهيزًا جيدًا، بما في ذلك طلب فنلندا لأكثر من 60 طائرة مقاتلة من طراز إف-35.
استراتيجية الردع المنسقة
يتبنى حلف شمال الأطلسي استراتيجية "الردع الموثوق". وتشمل العناصر الرئيسية ما يلي:
- إعادة تأكيد الالتزام بالمساعدة المتبادلة بموجب المادة 5 من معاهدة حلف شمال الأطلسي
- تطوير خطط دفاعية جديدة لسيناريوهات التهديد المختلفة
- تقليل أوقات رد الفعل من خلال التواجد المتقدم
الحماية من الحرب الهجينة
الدفاع ضد التخريب والهجمات الإلكترونية
تواجه أوروبا تهديداً هجيناً متزايداً من روسيا. وتشمل هذه الهجمات ما يلي:
- أعمال تخريبية ضد البنية التحتية الحيوية مثل كابلات بحر البلطيق
- الهجمات الإلكترونية على المؤسسات الحكومية
- تحليق طائرات بدون طيار فوق المناطق العسكرية المحظورة
- أنشطة التجسس
لذا، تعمل ألمانيا على بناء أفواج للدفاع الوطني من جنود الاحتياط لحماية البنية التحتية الحيوية في حالات الطوارئ. كما يخطط الاتحاد الأوروبي لإنشاء مجلس للأمن القومي بصلاحيات موسعة لمواجهة التهديدات الهجينة.
مكافحة المعلومات المضللة
تشنّ روسيا حملات تضليل واسعة النطاق ضد ألمانيا وأوروبا. تستخدم حملة "دوبلغانغر" مواقع إخبارية مزيفة وأكثر من 50 ألف حساب على مواقع التواصل الاجتماعي لنشر معلومات مضللة. كما تم تفعيل حملة "ستورم-1516" استعدادًا للانتخابات الفيدرالية الألمانية لعام 2025.
وتشمل التدابير المضادة ما يلي:
- تثقيف الجمهور بشأن أساليب التضليل الإعلامي
- استخدام الذكاء الاصطناعي لكشف الأخبار الكاذبة
- زيادة التعاون بين السلطات الأمنية ووسائل الإعلام
- حذف حسابات التضليل المحددة
تحديات خاصة
تهديد الإسكندر
يُثير نشر منظومات صواريخ إسكندر الروسية في بيلاروسيا قلقاً بالغاً. إذ يمكن تزويد هذه المنظومات برؤوس نووية، ويبلغ مداها الرسمي 500 كيلومتر، بينما قد يصل مدى النسخ الأحدث منها إلى 1000 كيلومتر. ومن بيلاروسيا، سيُصبح جزء كبير من ألمانيا في مرمى نيرانها.
ثغرة سوالكي الأمنية
يُعتبر ممر سوالكي بين بولندا وليتوانيا "أخطر مكان في العالم". ويمكن لروسيا نظرياً احتلال هذا الممر من بيلاروسيا وكالينينغراد في غضون 30 إلى 60 ساعة، ما سيؤدي إلى عزل دول البلطيق عن بقية دول حلف الناتو. لذا، يُعدّ تأمين هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة أولوية قصوى.
القدرات الدفاعية لأوروبا بدون الولايات المتحدة الأمريكية
نظراً للغموض الذي يكتنف الدعم الأمريكي المستقبلي، يتعين على أوروبا تعزيز قدراتها الدفاعية. وتشير التحليلات إلى أنه بدون الولايات المتحدة، ستحتاج أوروبا إلى نحو 300 ألف جندي إضافي، و250 مليار يورو إضافية سنوياً للدفاع. وتوجد ثغرات حرجة في القدرات في المجالات التالية:
- النقل الجوي الاستراتيجي والتزود بالوقود جواً
- الاستطلاع عبر الأقمار الصناعية
- أسلحة دقيقة بعيدة المدى
- الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل
استراتيجيات طويلة الأجل
توسع صناعة الدفاع
تستثمر أوروبا بكثافة في توسيع صناعتها العسكرية. وتشمل الأولويات ما يلي:
- مشاريع التسلح الأوروبية المشتركة
- تقليص مدة إجراءات الموافقة من سنوات إلى 60 يومًا
- بناء احتياطيات الذخائر الاستراتيجية
- تطوير تقنيات جديدة مثل أنظمة الدفاع ضد الطائرات بدون طيار
ذو صلة بهذا الموضوع:
تعزيز القدرة على الصمود المجتمعي
تقوم دول البلطيق ببناء "خط دفاعي بلطيقي" يضم ملاجئ وحواجز دبابات وحقول ألغام على طول الحدود مع روسيا. وفي الوقت نفسه، يتم إعداد السكان المدنيين لمواجهة الأزمات المحتملة من خلال:
- خطط إخلاء المناطق الحدودية
- بناء احتياطيات الطوارئ
- دورات تدريبية حول الحماية من الهجمات الإلكترونية
- تعزيز القدرة على الصمود النفسي في مواجهة المعلومات المضللة
بين الردع والتصعيد: تحدي السياسة الأمنية الأوروبية
يُظهر رد أوروبا وحلف شمال الأطلسي على مناورات "زاباد 2025" إعادة تنظيم شاملة للسياسة الأمنية. وتتراوح التدابير بين تعزيز القدرات العسكرية بشكل كبير وتوسيع نطاق الدفاع الجماعي، وصولاً إلى الحماية من التهديدات الهجينة. وهذا يُؤكد أن أمن أوروبا لم يعد أمراً مفروغاً منه.
إن نشر القوات الألمانية في ليتوانيا، واتخاذ التدابير المضادة، والزيادة الهائلة في الإنفاق الدفاعي، كلها أمور تبعث برسالة واضحة من العزم. وفي الوقت نفسه، تُظهر الاستعدادات لمختلف سيناريوهات التهديد أن أوروبا قد استوعبت دروس الهجوم الروسي على أوكرانيا.
يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الردع الفعال وتجنب التصعيد غير المنضبط. يجب على أوروبا تعزيز قدراتها الدفاعية دون الانزلاق إلى سباق تسلح لا يخدم أمن أي طرف في نهاية المطاف.
ذو صلة بهذا الموضوع:
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
رئيس قسم تطوير الأعمال
رئيس فريق عمل الدفاع التابع لشبكة الشركات الصغيرة والمتوسطة
مركز الأمن والدفاع - المشورة والمعلومات
يقدم مركز الأمن والدفاع مشورة الخبراء ومعلومات حديثة لدعم الشركات والمؤسسات بفعالية في تعزيز دورها في سياسة الأمن والدفاع الأوروبية. وبالتعاون الوثيق مع فريق عمل الدفاع التابع لمبادرة "تواصل الشركات الصغيرة والمتوسطة"، يُعنى المركز بشكل خاص بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تطوير قدراتها الابتكارية وتنافسيتها في قطاع الدفاع. وبصفته نقطة اتصال مركزية، يُشكل المركز جسراً حيوياً بين الشركات الصغيرة والمتوسطة واستراتيجية الدفاع الأوروبية.
ذو صلة بهذا الموضوع:

