تاريخ النشر: ٢٤ يناير ٢٠٢٦ / تاريخ التحديث: ٢٤ يناير ٢٠٢٦ - المؤلف: Konrad Wolfenstein

السعودية تؤجل دورة الألعاب الأولمبية الشتوية الآسيوية 2029: تحليل للأزمة النظامية الكامنة وراء القرار – صورة إبداعية: Xpert.Digital
لماذا بدأت قصة الشتاء الخيالية في السعودية تتحقق الآن؟
مليارات النفط لا تكفي: الحقيقة المالية القاسية وراء الانسحاب السعودي
إن تأجيل المملكة العربية السعودية لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية الآسيوية 2029 ليس مجرد مناورة رياضية سياسية معزولة، بل هو النتيجة المنطقية لأزمة بنيوية تُشكك في استراتيجية التحول الشاملة للمملكة. هذا القرار، الذي أُعلن عنه رسميًا بأنه "تأجيل استراتيجي"، يُعدّ مؤشرًا على خيبة أمل مالية وهيكليّة عميقة، بلغت ذروتها في الفشل الذريع لـ"الخط". يكشف التحليل عن نمط من جنون العظمة القاتل، وحسابات تكلفة غير واقعية، وانهيار في المصداقية الدولية لا تستطيع حتى مليارات المملكة النفطية تحمّله.
تم منح دورة الألعاب الشتوية الآسيوية لعام 2029 رسمياً إلى تروجينا كجزء من مشروع نيوم في المملكة العربية السعودية.
أين ينبغي أن تُعقد هذه الفعاليات تحديداً؟
- كان مكان إقامة الفعالية هو تروجينا، وهو منتجع جبلي ورياضي شتوي مخطط له داخل منطقة نيوم في شمال غرب المملكة العربية السعودية.
- تقع مدينة تروينا على بعد حوالي 50 كم من الساحل، على ارتفاع حوالي 1500-2600 متر؛ وكان من المقرر أن تقام مسابقات الرياضات الشتوية هناك على الثلج الاصطناعي.
ما مدى أمان المكان؟
- تم منح الجائزة من قبل المجلس الأولمبي الآسيوي (OCA) في 4 أكتوبر 2022 في بنوم بنه؛ وبذلك كانت المملكة العربية السعودية ستكون الدولة المضيفة لدورة الألعاب الشتوية الآسيوية لأول مرة.
- ومع ذلك، كانت هناك مخاوف بشأن تقدم أعمال بناء منتجع تروينا؛ ونظرًا لأنه من المحتمل ألا يكتمل المنتجع في الوقت المحدد، فقد نظرت منظمة OCA أيضًا في بدائل مثل موقع محتمل في كوريا الجنوبية أو الصين.
الواقع المالي: حدود تمويل النفط
الأزمات المالية وموازنة أسعار النفط
تواجه المملكة العربية السعودية وضعاً مالياً حرجاً يكشف عن التناقض الجوهري بين الطموح والواقع الاقتصادي. تحتاج المملكة إلى سعر نفط لا يقل عن 96 دولاراً للبرميل لتحقيق التوازن في ميزانيتها. في الواقع، تتجاوز نقطة التعادل الفعلية 100 دولار عند احتساب نفقات المشاريع الضخمة. مع ذلك، يواجه الرياض واقع سوق النفط بأسعار لم تصل إلى هذا الحد منذ سنوات.
تفاقم عجز الموازنة بشكلٍ حاد. ففي النصف الأول من عام 2025، سجلت المملكة العربية السعودية عجزاً قدره 93 مليار ريال سعودي (24.8 مليار دولار أمريكي)، أي أكثر من ثلاثة أضعاف عجز العام السابق. وانخفضت عائدات النفط بنسبة 24% خلال الفترة نفسها، بينما استمر الإنفاق على المشاريع الضخمة في الارتفاع. ويُظهر هذا التطور دوامة مالية غير مستدامة تُجبر المملكة على إعادة النظر جذرياً في أولوياتها.
صندوق الاستثمارات العامة تحت الضغط: من الرؤية إلى أزمة العملة
يتعرض صندوق الاستثمارات العامة، وهو أداة تمويل خطط التحول، لضغوط متزايدة. فقد بلغت احتياطياته النقدية أدنى مستوياتها منذ سنوات في عام 2023، بينما اضطر الصندوق إلى خفض أرباحه بشكل كبير بنسبة 60% لتصل إلى 6.9 مليار دولار فقط في عام 2024. كما تم تخفيض قيمة المشاريع الضخمة التي يقيمها الصندوق بمقدار 8 مليارات دولار، مما يوثق رسمياً ارتفاع التكاليف والتأخيرات بشكل كبير.
انخفضت حصة المشاريع العملاقة في محفظة صندوق الاستثمارات العامة من 8% (241 مليار ريال) في عام 2023 إلى 6% (211 مليار ريال) في عام 2024، أي بانخفاض يزيد عن 12%. وتُظهر هذه الأرقام أن حتى احتياطيات النفط الهائلة في المملكة العربية السعودية غير كافية لسد الفجوات المالية الضخمة التي تُخلفها هذه المشاريع العملاقة.
فشل "الخط" و"نيوم": رموز لفشل بنيوي
"الخط": من 170 كيلومترًا من الرؤية إلى 2.4 كيلومترًا من الواقع
كان مشروع "الخط" بمثابة جوهرة تاج استراتيجية التحول في المملكة العربية السعودية، مدينة خطية مستقبلية تمتد على طول 170 كيلومترًا في الصحراء، وكان الهدف منها إحداث ثورة في الحياة الحضرية. إلا أن الواقع كان كارثيًا: فبدلاً من المدينة المخطط لها التي تتسع لـ 1.5 مليون نسمة، لن يُنجز منها سوى 2.4 كيلومتر بحلول عام 2030، أي بانخفاض يزيد عن 98%. وقد انخفض عدد السكان المستهدفين إلى أقل من 300 ألف نسمة.
مناسب ل:
- السبب الحقيقي وراء فشل مشروع "ذا لاين" الضخم في المملكة العربية السعودية بطول 170 كيلومترًا - جنون العظمة والأكاذيب: من 170 كيلومترًا إلى 2.4 كيلومترًا
"نيوم": انفجار التكاليف: من 500 مليار دولار إلى 8.8 تريليون دولار
تبين أن التقدير الأولي لتكلفة مشروع نيوم، والبالغ 500 مليار دولار، غير واقعي على الإطلاق. فقد أشار تقرير داخلي حصلت عليه صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن التكلفة الإجمالية الفعلية بلغت 8.8 تريليون دولار، وهو مبلغ فلكي. ويزيد هذا المبلغ عن 25 ضعف الميزانية السنوية للدولة السعودية. ومن المتوقع أن تمتد فترة الإنشاء من 25 عامًا، كما كان مخططًا لها في الأصل، إلى أكثر من 60 عامًا، مع عدم توقع اكتمال المشروع قبل عام 2080.
يشير الرقم "من 500 مليار إلى 8.8 تريليون دولار" إلى توقعات جديدة وغير رسمية للتكاليف - إنها ليست ميزانية مؤكدة رسميًا، بل تقدير داخلي التقطته وسائل الإعلام.
ما هو "الصحيح" في هذا البيان؟
- كان الإطار الأصلي الذي تم الإعلان عنه رسمياً لمشروع نيوم حوالي 500 مليار دولار أمريكي، بشكل أساسي من خلال صندوق الاستثمارات العامة (PIF).
- وفقًا لتقرير تدقيق داخلي، والذي نشرته صحيفة وول ستريت جورنال والعديد من وسائل الإعلام، فقد تم رفع التوقعات الإجمالية للتكلفة على المدى الطويل إلى ما يصل إلى 8.8 تريليون دولار.
- يشير هذا الرقم البالغ 8.8 تريليون إلى سيناريو "الحالة النهائية" حتى عام 2080 تقريبًا، وليس إلى النفقات حتى عام 2030 أو 2040.
ما يجب تقييده:
- إن مبلغ 8.8 تريليون هو توقع داخلي من عملية تدقيق، وليس خطاً حكومياً مؤكداً رسمياً أو رقماً أعلنته نيوم نفسها كميزانية رسمية جديدة؛ وقد انتقد ممثلو نيوم تفسير هذه الأرقام ووصفوه بأنه "تفسير خاطئ".
- وتشير تقديرات أخرى في النقاش العام إلى انخفاض كبير، حيث يصل بعضها إلى "1.5 تريليون دولار أمريكي" لنيوم ككل؛ وبالتالي فإن مبلغ 8.8 تريليون دولار هو أقرب إلى أسوأ سيناريو أو سيناريو أقصى من تقرير التدقيق الداخلي.
- وبحسب التدقيق، سيتم تمويل جزء من هذا المبلغ على مدى عقود عديدة، جزئياً من قبل مستثمرين من القطاع الخاص، وليس حصراً من خلال ميزانية الدولة السعودية.
العبارة الصحيحة من الناحية الواقعية هي: "تم تقدير تكلفة مشروع نيوم في الأصل بمبلغ 500 مليار دولار؛ ويُقال إن عملية تدقيق داخلي لاحقة توقعت أن تصل التكاليف الإجمالية المحتملة على المدى الطويل إلى 8.8 تريليون دولار"
أخطاء إدارية وتضليل منهجي
إلى جانب المشاكل الاقتصادية الكلية، ساهمت أخطاء إدارية جسيمة في فشل المشروع. ووفقًا لتقارير صحيفة وول ستريت جورنال، فقد جرى تلاعب ممنهج بالتقارير المالية. وزُعم أن المسؤولين التنفيذيين أدرجوا افتراضات غير واقعية في خطط العمل لإخفاء تجاوزات التكاليف. وقد تم فصل مدير المشروع الذي انتقد هذه التقديرات للتكاليف علنًا. وكان توم ماين، المصمم الأصلي لمشروع "الخط"، يرغب في إطلاع ولي العهد على التكاليف الحقيقية، لكن قيادة نيوم منعته من ذلك.
هذه "الخداعات المتبادلة" تعني أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ظلّ جاهلاً لفترة طويلة بالتكاليف الحقيقية والمشاكل التي ينطوي عليها مشروعه لتعزيز مكانته. وتُعدّ ثقافة التضليل هذه من أعراض الأنظمة الاستبدادية التي تُقمع فيها الأصوات الناقدة وتُخفى فيها الحقائق المُرّة.
تأجيل دورة الألعاب الشتوية الآسيوية: نتيجة للأزمة النظامية
تروينا: التزلج الصحراوي الذي لا يمكن تحقيقه
كان من المقرر إقامة دورة الألعاب الشتوية الآسيوية لعام 2029 في تروجينا، وهو منتجع تزلج مخطط له في جبال نيوم. تضمن المشروع منحدرات تزلج على أسطح فنادق فاخرة، وبحيرة مياه عذبة اصطناعية بطول 3 كيلومترات، ومجمع ضيافة وترفيه متطور ("ذا فولت") تم إنشاؤه في الجبل. لكن الواقع أن أعمال البناء متأخرة بشكل كبير عن الجدول الزمني، ولن يكتمل المشروع في الوقت المحدد دون زيادة كبيرة في الميزانية.
التحديات التقنية هائلة: إذ يتطلب إنشاء البحيرة الاصطناعية ضخ 2.7 مليون متر مكعب من المياه عبر أنبوب قطره متر واحد بكامل طاقته لمدة عامين على الأقل. ولم يبدأ العمل بعد في إنشاء محطة تحلية المياه الرئيسية في شارما، مما يجعل الالتزام بالموعد النهائي المحدد في عام 2029 أمراً مستبعداً للغاية.
القرار الرسمي: من التأجيل إلى التوقف
في 23 يناير 2026، أصدرت اللجنة الأولمبية الآسيوية واللجنة الأولمبية السعودية بيانًا مشتركًا يؤكدان فيه تأجيل دورة الألعاب الأولمبية الشتوية إلى موعد لاحق غير محدد. رسميًا، يُبرر القرار بأنه "تأجيل استراتيجي" بهدف "تطوير ثقافة الرياضات الشتوية". لكن في الواقع، هذا اعتراف بالفشل.
في وقت مبكر من أغسطس 2025، تواصل المجلس الأولمبي الآسيوي مع كوريا الجنوبية والصين كدولتين مرشحتين لاستضافة الألعاب الأولمبية الشتوية. وأكدت كوريا الجنوبية أن المجلس استفسر رسميًا عن إمكانية توليها الاستضافة. ويشير إعلان السعودية الآن عن نيتها تنظيم "سلسلة من فعاليات الرياضات الشتوية المستقلة في السنوات القادمة" بدلاً من استضافة الألعاب، إلى أن الألعاب لم تُؤجل فحسب، بل أُلغيت فعليًا.











