أيقونة الموقع الإلكتروني إكسبرت ديجيتال

كارل لاوترباخ والدعوة إلى حالة الطوارئ التالية: عندما يصبح سرد الأزمات نموذجًا تجاريًا سياسيًا

كارل لاوترباخ والدعوة إلى حالة الطوارئ التالية: عندما يصبح سرد الأزمات نموذجًا تجاريًا سياسيًا

كارل لاوترباخ والدعوة إلى حالة الطوارئ التالية: عندما يصبح استغلال الأزمات نموذجًا تجاريًا سياسيًا – الصورة: Xpert.Digital

من وزير مكافحة الأوبئة إلى نبي المناخ: جماليات الأزمة الدائمة - كيف يستغل كارل لاوترباخ تغير المناخ لصالحه

هل يُعدّ تغير المناخ "الوباء" القادم؟ خطة منظمة الصحة العالمية المثيرة للجدل والعقبات القانونية

يعود كارل لاوترباخ إلى الساحة الدولية، ليس كمدير لجائحة، بل كعضو بارز في لجنة خبراء جديدة تابعة لمنظمة الصحة العالمية. ويتمثل مطلبها الأساسي المثير للجدل في ضرورة إعلان منظمة الصحة العالمية أزمة المناخ حالة طوارئ صحية عالمية من أعلى مستوى إنذار. وبينما لا جدال علميًا في العدد المروع للوفيات الناجمة عن الحرارة الشديدة وتلوث الهواء، والذي يستدعي تغييرًا فوريًا في المسار، فإن التنفيذ القانوني والخطابي لهذا المطلب يثير انتقادات. فهل الدعوة إلى حالة طوارئ عالمية جديدة مبررة طبيًا وقانونيًا، أم أنها بالأحرى نموذج عمل سياسي لرجل يتقن فن استغلال الأزمات بشكل لا مثيل له؟ تتناول هذه المقالة التوتر المعقد بين البيانات الصحية الحقيقية والموثوقة، والعقبات القانونية التي لا يمكن تجاوزها، ومسألة مدى التسامح مع المبالغة في نقاش المناخ.

كارل لاوترباخ والدعوة إلى حالة الطوارئ التالية: من وزير مكافحة الأوبئة إلى نبي المناخ

عاد كارل لاوترباخ إلى دائرة الضوء. هذه المرة ليس بصفته وزير الصحة الحالي، الذي كان ينشر رسومًا بيانية يومية عن فيروس كورونا على تويتر، بل كعضو في لجنة خبراء تابعة لمنظمة الصحة العالمية مؤلفة من أحد عشر شخصًا، والتي قدمت طلبًا ذا أهمية سياسية عالمية: يجب على منظمة الصحة العالمية تصنيف أزمة المناخ كحالة طوارئ صحية عالمية - عند أعلى مستوى إنذار تم الإعلان عنه آخر مرة في بداية جائحة كوفيد-19. ما يبدو للوهلة الأولى وكأنه نداء سليم علميًا، يكشف، عند التدقيق، عن عدة جوانب - جانب واقعي، وآخر قانوني، وثالث سياسي، وجانب آخر يكشف الكثير عن كارل لاوترباخ نفسه.

الإنذار ومصدره: من يقف وراء هذا التقرير؟

يأتي هذا المطلب من اللجنة الأوروبية المعنية بالمناخ والصحة (PECCH)، التي أنشأها المكتب الأوروبي لمنظمة الصحة العالمية في ريكيافيك في يونيو/حزيران 2025. وترأس اللجنة رئيسة وزراء أيسلندا السابقة، كاترين ياكوبسدوتير، وتضم في عضويتها 13 رئيس حكومة ووزيرًا سابقًا، بالإضافة إلى ممثلين عن المجتمع المدني من مختلف أنحاء المنطقة الأوروبية لمنظمة الصحة العالمية، والتي تشمل 53 دولة. ومن بين أعضائها لاوترباخ، والمفوضة الدنماركية السابقة لشؤون المناخ في الاتحاد الأوروبي، كوني هيديغارد. وفي 17 مايو/أيار 2026، قبيل انعقاد جمعية الصحة العالمية السنوية في جنيف، قدمت اللجنة تقريرًا من 54 صفحة يطالب بإعلان تغير المناخ رسميًا حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا.

أكد لاوترباخ نفسه، في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية، على ضرورة التحرك العاجل، قائلاً: "يجب على منظمة الصحة العالمية أن تولي مزيداً من الاهتمام لمكافحة أزمة المناخ؛ فالتأخير لا يُجدي نفعاً في ظل تفاقم الكارثة". واستند في تصريحه إلى نتائج علمية تُشير إلى أن 600 ألف حالة وفاة تُسجّل سنوياً في أوروبا بسبب حرق الوقود الأحفوري، و60 ألفاً أخرى بسبب موجات الحر. وتتطابق هذه الأرقام إلى حد كبير مع دراسات مستقلة: ففي صيف عام 2024 الذي حطم الأرقام القياسية، ووفقاً لحسابات معهد برشلونة للصحة العالمية (ISGlobal) المنشورة في مجلة "نيتشر ميديسن"، توفي أكثر من 62,700 شخص في أوروبا بسبب الحر الشديد، أي بزيادة تُقارب الربع عن العام السابق. وخلال ثلاثة فصول صيف متتالية، تجاوز إجمالي عدد الوفيات المرتبطة بالحرارة 181 ألف حالة. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، بلغ عدد الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء الناتج عن الوقود الأحفوري في أوروبا بأكملها حوالي 569 ألف حالة وفاة مبكرة في عام 2019 وحده.

لذا فإن الأساس العلمي متين، ولا شك جدي في ذلك. إن تغير المناخ يقتل، وهو يفعل ذلك بالفعل اليوم، وليس فقط في مستقبل بعيد.

حالة البيانات: متى يكون الإنذار مبرراً

إن التداعيات الصحية لتغير المناخ ليست مجرد فرضية، بل حقيقة مؤكدة. تشهد أوروبا ارتفاعًا في درجات الحرارة بمعدل ضعف المتوسط ​​العالمي، مما يجعلها القارة الأسرع احترارًا على وجه الأرض. في صيف عام 2024، ومع تسجيل حوالي 6300 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة، كانت ألمانيا ثالث أكثر الدول تضررًا بعد إيطاليا (أكثر من 19000 حالة) وإسبانيا (أكثر من 6700 حالة). ورغم أن ألمانيا، التي تسجل 74 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة لكل مليون نسمة، تتخلف بشكل ملحوظ عن اليونان (574 حالة وفاة لكل مليون نسمة) عند تعديل البيانات وفقًا للكثافة السكانية، إلا أن الاتجاه واضح: الوفيات المرتبطة بالحرارة في ازدياد، ومعه يزداد الضغط على أنظمة الرعاية الصحية للتكيف.

على مستوى العالم، يتسبب استخدام الوقود الأحفوري في أكثر من خمسة ملايين حالة وفاة سنويًا، وفقًا لدراسة أجريت بمشاركة معهد ماكس بلانك للكيمياء. وقد اعترفت منظمة الصحة العالمية بتغير المناخ كتهديد عالمي للصحة منذ سنوات، وأدرجته الجمعية العامة للمنظمة كأولوية استراتيجية في برنامج عملها للفترة 2025-2028. وفي فتواها الاستشارية الصادرة في يوليو/تموز 2025، أقرت محكمة العدل الدولية بحق الإنسان في بيئة صحية، وأوضحت أن جميع الدول ملزمة بموجب القانون الدولي بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. إن التقارب بين العلم والقانون والسياسة الصحية بشأن هذه القضية لافت للنظر.

إن التوصيات السبعة عشر التي صاغتها اللجنة الاستشارية المعنية بالمناخ والصحة في أربعة مجالات - تغير المناخ باعتباره تهديدًا متزايدًا للأمن الصحي، وتحويل النظم الصحية، وتعزيز العمل المحلي، وإصلاح النظم الاقتصادية والمالية - سليمة من الناحية الواقعية ومتوافقة مع الإجماع العلمي. وتشمل هذه التوصيات، من بين أمور أخرى، التدريب الإلزامي للعاملين في مجال الرعاية الصحية في مجال المناخ والصحة، ومعايير الشراء الصديقة للمناخ في قطاع الرعاية الصحية، وإنشاء مركز معلومات تابع لمنظمة الصحة العالمية معني بالمناخ والصحة.

العقبة القانونية: هل يُصدر قانون الطوارئ الصحية العامة الذي يثير قلقاً دولياً بشأن تغير المناخ؟

يواجه مطلب المفوضية الأساسي بتصنيف أزمة المناخ كحالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا عقبة قانونية كبيرة. إذ تنطبق اللوائح الصحية الدولية، وهي الإطار الدولي الملزم قانونًا لمثل هذه الإعلانات، على 196 دولة طرفًا، وتُعرّف حالة الطوارئ الصحية العامة التي تثير قلقًا دوليًا بأنها حدث استثنائي يُشكّل خطرًا على الدول الأخرى من خلال الانتشار الدولي للمرض، وقد يتطلب استجابة دولية منسقة. وكانت حالات الطوارئ الصحية العامة الست التي أُعلن عنها حتى الآن - بما في ذلك إنفلونزا الخنازير (H1N1) عام 2009، والإيبولا، وكوفيد-19 - جميعها أمراضًا معدية حادة تنتشر دوليًا.

عند سؤالها عما إذا كانت هذه المعايير قابلة للتطبيق على تغير المناخ، نفت منظمة الصحة العالمية ذلك باستمرار. وصرح متحدث باسم المنظمة بأن أزمة المناخ مستمرة منذ عقود، وهي أزمة عالمية مزمنة، وبالتالي، فإن الشروط الفنية لإعلان حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا غير مستوفاة. ولا تنص لوائح منظمة الصحة العالمية نفسها على إمكانية إعلان تهديد هيكلي متفاقم حالة طوارئ حادة بموجب اللوائح الصحية الدولية. وبينما دخلت تعديلات على اللوائح الصحية الدولية، والتي أدخلت مستوى جديدًا من حالات الطوارئ الوبائية، حيز التنفيذ في سبتمبر 2025، إلا أن هذا المستوى لا يزال مقتصرًا على الأحداث الوبائية.

أكثر من 200 مجلة علمية، من بينها مجلة لانسيت والمجلة الطبية البريطانية، سبق أن قدمت طلباً مماثلاً في عام 2023، دون جدوى. وهذا يؤكد أن طلب المفوضية بشأن حالة الطوارئ الصحية العامة التي تثير قلقاً دولياً ليس اقتراحاً جديداً، بل هو إعادة تأكيد لموقف سبق أن رفضته منظمة الصحة العالمية نفسها. إن القيمة الرمزية لهذا الطلب تفوق بكثير مضمونه القانوني. فعلى أي حال، لن يكون لإعلان حالة طوارئ صحية عامة أي تأثير ملموس، إذ لا يمكن لمنظمة الصحة العالمية أن تملي على أي دولة التدابير التي يجب اتخاذها، فهذا قرار تتخذه كل دولة بنفسها.

منهج لاوترباخ: جماليات الأزمة الدائمة

إذا نُظر إلى هذه الحادثة بمعزل عن سياقها، فإنها تُعدّ إضافةً مشروعةً من الناحية الواقعية، وإن كانت محلّ شكّ قانوني، إلى النقاش الدائر حول السياسة الصحية. إلا أنها تكتسب بُعدًا مختلفًا عند وضعها في سياق المسيرة السياسية لكارل لاوترباخ. فمنذ بداية جائحة كوفيد-19، كان لاوترباخ، بلا منازع، أبرز المتحدثين السياسيين في ألمانيا بشأن القضايا الصحية، ويتبع أسلوبه في التواصل نمطًا واضحًا: التضخيم الممنهج. وعلى عكس معظم السياسيين، كان لاوترباخ حاضرًا بقوة في المشهد العام خلال الجائحة، وكان يُنظر إليه مرارًا وتكرارًا كصوت تحذيري، يُطالب بتدابير وقائية صارمة، وقد قادته هذه المكانة البارزة في نهاية المطاف إلى وزارة الصحة الاتحادية.

هيمن لاوترباخ على الخطاب العام خلال الجائحة عبر البرامج الحوارية وتويتر، ويُعتبر من أكثر السياسيين نشاطًا على منصات التواصل الاجتماعي. كانت تحذيراته غالبًا حادة، وأحيانًا مثيرة، وفي بعض الأحيان خارجة عن نطاق الإجماع العلمي. وبعد فوات الأوان، اعترف هو نفسه بأن بعض إجراءات مكافحة فيروس كورونا كانت "عبثية"، مثل إلزامية ارتداء الكمامات أثناء الركض في الهواء الطلق، أو الإغلاق المطوّل للمدارس ودور الحضانة. وقد ثبت أن إغلاق المدارس ودور الحضانة كان خطأً، إذ لم يثبت صحة الافتراض بأنها ستكون بؤرًا لتفشي العدوى.

يثير هذا النقد الذاتي الاسترجاعي سؤالاً جوهرياً: ما مدى استناد تصريحات لاوترباخ العلنية إلى المعرفة العلمية، وما مدى كونها حسابات سياسية؟ تُقدّم الكشوفات التي ظهرت عام 2024 مادة توضيحية مهمة للإجابة على هذا السؤال. فقد أثبتت تحقيقات أجرتها صحف زود دويتشه تسايتونغ، وإذاعة NDR، وإذاعة WDR، استناداً إلى رسائل بريد إلكتروني داخلية، أن لاوترباخ، بصفته وزيراً للصحة، قد عرقل شخصياً تخفيض معهد روبرت كوخ لتقييم مخاطر كوفيد-19 لعدة أشهر في أوائل عام 2022، خلافاً للمشورة العلمية الصادرة عن وكالته. واتهمه سياسي من الحزب الديمقراطي الحر بتجاهل جميع الحقائق وآراء الخبراء بتعجرف تام، بينما تحدث ناقد آخر عن استعراض شخصي بدلاً من الاسترشاد بالإرشادات العلمية.

مسألة الانتهازية: الأزمة كوسيلة لبناء مسيرة مهنية

كارل لاوترباخ ليس مجرد طبيب وعالم أوبئة، بل يحمل شهادة دكتوراه في الطب، وشهادة ماجستير، ودكتوراه في العلوم في سياسات وإدارة الصحة من كلية هارفارد للصحة العامة، حيث يعمل أستاذاً مساعداً منذ عام ٢٠٠٨. مؤهلاته الأكاديمية مثيرة للإعجاب، فهو عضو في البرلمان الألماني (البوندستاغ) عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي منذ عام ٢٠٠٥. ويعود الفضل في وصوله إلى منصب وزير الصحة إلى النشاط الذي أظهره كضيف في البرامج الحوارية وعلى تويتر خلال فترة الجائحة. وكان تعيينه وزيراً للصحة في نهاية عام ٢٠٢١ بمثابة تتويج مؤسسي لمسيرة مهنية حافلة في القطاع العام، والتي كان الدافع الرئيسي وراءها تحذيراته بشأن فيروس كورونا.

بعد انتهاء ولايته كوزير للصحة الاتحادي في ربيع عام ٢٠٢٥، يواجه لاوترباخ السؤال السياسي الكلاسيكي: كيف يحافظ المرء على أهميته؟ الإجابة التي يُشير إليها انخراطه في لجنة منظمة الصحة العالمية هي: من خلال التفاعل مع الأزمة الكبرى القادمة. يُقدّم تغيّر المناخ نفسه فرصة مثالية. فهو حقيقة واقعة، لا يُمكن إنكارها علميًا، وله تبعات صحية، كما أنه يُتيح استخدام نفس أسلوب التواصل الذي اشتهر به لاوترباخ: التركيز الشديد على الحاجة المُلحة للتحرك، والتحذير من اللامبالاة المزعومة للطبقة السياسية، والظهور كصوت تحذير وحيد في صحراء التقاعس.

لا يُعدّ هذا الاستنتاج سلبياً بالضرورة. فمن المشروع تماماً تكريس المرء نفسه للقضايا التي تهمه بعد ترك منصبه الوزاري. كما أن تقديم المرء خبرته للهيئات الدولية تطوعاً - وقد أكد لاوترباخ صراحةً أن عمل اللجنة غير مدفوع الأجر - يُعدّ مثالاً يُحتذى به. ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحاً: هل الطبيعة الجذرية لمطلب إعلان حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً مبررة علمياً، أم أنها تهدف في المقام الأول إلى لفت الانتباه؟ وقد رفضت منظمة الصحة العالمية هذا المطلب مراراً وتكراراً؛ إذ يفتقر إلى الأساس القانوني، وحتى لو كان الإعلان ممكناً من الناحية الرسمية، فلن يكون له أي أثر ملزم على الدول الأعضاء.

 

خبرتنا في الاتحاد الأوروبي وألمانيا في مجال تطوير الأعمال والمبيعات والتسويق

خبرتنا في الاتحاد الأوروبي وألمانيا في مجال تطوير الأعمال والمبيعات والتسويق - الصورة: Xpert.Digital

مجالات التركيز الصناعية: الأعمال التجارية بين الشركات، والتحول الرقمي (من الذكاء الاصطناعي إلى الواقع الممتد)، والهندسة الميكانيكية، والخدمات اللوجستية، والطاقات المتجددة، والصناعة

للمزيد من المعلومات، انقر هنا:

مركز متخصص يقدم رؤى وخبرات:

  • منصة معرفية تغطي الاقتصادات العالمية والإقليمية والابتكار والاتجاهات الخاصة بكل صناعة
  • مجموعة من التحليلات والرؤى والمعلومات الأساسية من مجالات تركيزنا الرئيسية
  • مكانٌ للخبرة والمعلومات حول التطورات الحالية في مجال الأعمال والتكنولوجيا
  • مركز للشركات التي تسعى للحصول على معلومات حول الأسواق والتحول الرقمي والابتكارات الصناعية

 

بين الإنذار والمسؤولية: كيف يُخاطر لاوترباخ بمصداقيته

التوتر بين الأعداد الحقيقية والتأطير الزائف

ما يُعقّد تحليل دور لاوترباخ في هذا النقاش هو مدى دقة البيانات الأساسية. فالـ 600 ألف حالة وفاة بسبب الوقود الأحفوري في أوروبا، التي أشار إليها، ليست ضربًا من الخيال. بل إن منظمة الصحة العالمية نفسها تُقدّر عدد الوفيات المبكرة الناجمة عن تلوث الهواء في منطقتها الأوروبية بأكثر من 569 ألف حالة وفاة في عام 2019 وحده. كما تُشير وكالة البيئة الأوروبية إلى أرقام مماثلة. وقد وُثّقت حوالي 62,700 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة في أوروبا صيف عام 2024 في دراسة مُحكّمة نُشرت في مجلة "نيتشر ميديسن". تشهد أوروبا ارتفاعًا في درجات الحرارة، وعواقب ذلك الصحية وخيمة وقابلة للقياس.

لا تكمن المشكلة في الأرقام، بل في طريقة عرضها. فتلوث الهواء الناتج عن الوقود الأحفوري ليس هو نفسه تغير المناخ بالمعنى الضيق. إن الـ 600 ألف حالة وفاة ناجمة في الغالب عن الانبعاثات المباشرة للجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين، وهي مشكلة قائمة إلى حد كبير بمعزل عن ارتفاع درجات حرارة الأرض، ومعروفة منذ عقود. إنها مشكلة صحية عامة هائلة وقابلة للحل، ولها أهمية سياسية ملحة، لكنها تختلف عن تغير المناخ نفسه، رغم أن كليهما ينبع من السبب نفسه (الوقود الأحفوري). إن الخلط الخطابي تحت مسمى "جائحة المناخ" يدمج سلسلتين سببيتين مختلفتين من حيث المفهوم، بطريقة تثير العاطفة أكثر من الوضوح.

علاوة على ذلك، تزعم المفوضية أن الإطار الحالي للوائح الصحية الدولية غير مصمم ببساطة للتعامل مع التهديدات المزمنة والمتغلغلة، وهي تحديدًا المشكلة التي يهدف إعلان حالة الطوارئ الصحية العامة ذات البعد الدولي إلى معالجتها. وهذا موقفٌ يتسم بالنزاهة الفكرية، ولكنه يُبرز أيضًا أن هذا الطلب يُمثل خطأً جوهريًا في التصنيف: فهو يدعو إلى تطبيق أداة مخصصة بطبيعتها للأحداث الحادة على أزمة مزمنة، ويُبرر ذلك بادعاء عدم كفاية هذه الأداة. والنتيجة المنطقية الأنسب هي إصلاح أداة حالة الطوارئ الصحية العامة ذات البعد الدولي نفسها، أو إنشاء إطار قانوني جديد للتهديدات الصحية المزمنة، وليس إصدار إعلان يُوسّع نطاق المعايير الحالية.

علاقة لاوترباخ بالعلم: الممارسة الانتقائية القائمة على الأدلة

يُعدّ ما يُطلق عليه النقاد "صنع السياسات الانتقائي القائم على الأدلة" نمطًا متكررًا في أنشطة لاوترباخ السياسية. فهو يُقدّم نفسه باستمرار كعالم سياسي يُروّج للسياسة القائمة على الحقائق، ولهذا السبب تحديدًا اصطدم بصناعة الأدوية وجماعات المصالح الأخرى. وبعد فوات الأوان، وصف نفسه بأنه مُناهضٌ للجماعات الضاغطة، وأكّد على أنه كان يُبقيها بعيدة عنه، ويسعى بدلًا من ذلك إلى الحوار مع العلماء. وفي الوقت نفسه، توجد حالات موثقة قام فيها بتوظيف المؤسسات العلمية سياسيًا - ولا سيما معهد روبرت كوخ - أو تجاهل توصياتها.

تُجسّد حادثة أخرى من الجائحة هذا النمط: فقد دأب لاوترباخ على التواصل عبر تويتر بدقة وبلاغة فاقت المعرفة العلمية في عصره، وكان يُصحّح نفسه أحيانًا دون ضجة. وقد خلق هذا انطباعًا لدى بعض أفراد الجمهور والمجتمع العلمي بأن الرسالة أهم من صحتها المعرفية. ونقلت عنه صحيفة "برلينر كورير" قوله إن بعض إجراءات مكافحة فيروس كورونا كانت عبثًا، وهو نقد ذاتي صريح بشكل لافت، ولكنه يُظهر بوضوح مدى التباين بين الادعاء المعلن بالأمان والواقع المليء بالشكوك.

في النقاش الدائر حول المناخ، يتكرر هذا النمط بصورة مُغايرة. إنّ الادعاء بأنّ تغيّر المناخ جائحة هو تشبيه، وليس تشخيصًا. له قيمة بلاغية، لكنّه غامض معرفيًا. فتغيّر المناخ لا ينتقل من شخص لآخر، وليس له فترة حضانة، ولا توجد حالة أولية. أدوات مكافحة الجائحة - كالحجر الصحي، وإغلاق المدارس، وحظر التجمعات - لا تنطبق على تغيّر المناخ. وقد أدى إعلان حالة الطوارئ الصحية العامة ذات البعد الدولي (PHEIC) لكوفيد-19 إلى عواقب مؤسسية ملموسة. ما هي العواقب المؤسسية الملموسة التي يأمل لاوترباخ في تحقيقها من حالة طوارئ صحية عامة ذات بعد دولي (PHEIC) مناخية تعتبرها منظمة الصحة العالمية نفسها غير متوافقة مع قواعدها؟

المنظور المؤسسي: ما تقوم به منظمة الصحة العالمية فعلياً

من غير الإنصاف الحكم على تقرير لجنة الطوارئ الصحية العامة المعنية بتغير المناخ (PECCH) والتزام لاوترباخ بناءً على مدى إمكانية تحقيق مطلبهما المركزي الوحيد - إعلان حالة الطوارئ الصحية العامة ذات البعد الدولي (PHEIC) - بشكل واقعي. فالتقرير يتضمن أكثر من ذلك بكثير. وقد أدرجت الجمعية العامة لمنظمة الصحة العالمية تغير المناخ بالفعل كأولوية استراتيجية في برنامج أهدافها الستة للفترة 2025-2028. كما عيّن مكتب منظمة الصحة العالمية/أوروبا اللجنة وروّج لتقريرها بنشاط. وصرح المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، هانز هنري ب. كلوج، عند إطلاق التقرير، بأن تغير المناخ يُمثل خطرًا أمنيًا، وحالة طوارئ صحية، وقنبلة اقتصادية موقوتة في آن واحد، وأن الحكومات تدعم الوقود الذي يُسبب أزمة المناخ وما يترتب عليها من أعباء صحية بمليارات الدولارات.

إن توصيات التقرير السبعة عشر قابلة للتطبيق وواقعية: دمج حماية المناخ في مجالس الأمن القومي، والتعليم المستمر الإلزامي في مجال الرعاية الصحية، ومعايير الشراء الصديقة للمناخ، وإنشاء مركز معلومات مناخية تابع لمنظمة الصحة العالمية مع التحقق من الحقائق، والتقييم الدوري لمدى قدرة النظم الصحية الوطنية على التكيف مع تغير المناخ كل عامين. هذه ليست مطالب أيديولوجية، بل خطوات عملية تتوافق مع الإجماع العلمي وتطرح تحديات جسيمة أمام الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية. لذا، تكمن القيمة الحقيقية للتقرير في هذه التوصيات، لا في مطلب إعلان حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا، والذي يهيمن على وسائل الإعلام لأنه يربط بقوة بين التقرير والوباء.

التأثير الإعلامي مقابل الجوهر السياسي: مشكلة هيكلية

المشكلة، التي يمكن تجسيدها في حالة لاوترباخ، ليست فردية، بل هيكلية في السياسة الصحية الحديثة. فالمجتمع الذي يُكثر من نشر المخاطر الصحية علنًا ويناقشها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يحتاج إلى متحدثين قادرين على تبسيط التعقيدات العلمية وجذب انتباه الجمهور. ولاوترباخ يتمتع بموهبة استثنائية في هذا المجال، فهو يمتلك الدقة الأكاديمية، والبلاغة، والحضور الإعلامي اللازم لمثل هذا المتحدث.

تكمن المشكلة الهيكلية في التوتر الكامن بين إيصال رسالة الاستعجال وإيصال رسالة الفروق الدقيقة. أولئك الذين يدقون ناقوس الخطر باستمرار سيُعاملون في نهاية المطاف كراعٍ صرخ "ذئب!" مرارًا وتكرارًا، حتى عندما يظهر الذئب بالفعل. من الصعب استعادة المصداقية التي فُقدت مؤقتًا خلال الجائحة، بسبب تضارب تقييمات المخاطر والتوصيات بشأن الإجراءات. ويحتاج النقاش حول المناخ بشدة إلى هذه المصداقية تحديدًا، لأنه يُحارب إنكارًا أو استخفافًا مُنظمًا وممولًا جيدًا.

إذا فُسِّرَ طلب إعلان حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا على أنه لفتة رمزية - محاولة لزعزعة الإطار المؤسسي لمنظمة الصحة العالمية بالإشارة إلى حالة طارئة - فإنه يُعدّ خطوة تكتيكية مفهومة في نقاشٍ يُعدّ فيه الاهتمام العام موردًا نادرًا. أما إذا قُدِّمَ على أنه اقتراح سياسي جاد ذو تبعات مؤسسية حقيقية، فإنه يُضلِّل لأنه يوحي باستجابة محتملة غير موجودة، لا قانونيًا ولا مؤسسيًا.

صورة السياسي تنعكس في أزماته

يُجسّد كارل لاوترباخ نمطًا من السياسيين المعاصرين الذين لا يكتسبون أهميتهم من خلال صراعات السلطة الحزبية أو حسابات التحالفات، بل من خلال قدرتهم على تحديد الأزمات، وفهمها، وتحويلها إلى طاقة سياسية. هذه ليست نقطة ضعف، بل هي كفاءة حقيقية، وفي زمنٍ تفقد فيه المؤسسات السياسية ثقة الجمهور بشكل متزايد، تُصبح هذه الكفاءة ضرورية.

سيقول منتقدوه: يبحث لاوترباخ عن مرحلته التالية، وقد منحته جائحة كورونا واحدة. إنه يستغل قضية المناخ لتعزيز حضوره العام، لأنه، بصفته مجرد عضو في البرلمان دون منصب وزاري، يُخاطر بالاختفاء عن الأنظار. وسيرد المدافعون عنه قائلين: إن عالم أوبئة حاصل على درجة الدكتوراه، وأستاذ في كلية هارفارد للصحة العامة، ويتطوع في لجنة معينة من منظمة الصحة العالمية، ويصوغ تحذيراً علمياً لا جدال فيه إلى حد كبير استناداً إلى بيانات موثوقة، يفعل تماماً ما يُتوقع من سياسي خبير مُطّلع.

كلا المنظورين صحيحان. والحقيقة، كما هو الحال غالبًا، تكمن في نقطة التقاءهما. لاوترباخ ليس منافقًا لا يؤمن بما يقول، بل هو سياسي تتفاعل قناعاته الشخصية وأسلوبه في التواصل بشكل متبادل: فهو يبحث عن الأزمات لأنه يؤمن بواقعيتها، ويؤمن بواقعيتها لأنه يبحث عنها. هذا المنطق المترابط مفهوم من منظور إنساني، ومثمر سياسيًا، ولكنه يثير إشكاليات تحليلية.

البعد الاقتصادي: تكاليف العمل وتكاليف عدم العمل

يؤكد تقرير المفوضية، وبالتالي لاوترباخ أيضاً، بشكل قاطع على المعادلة الاقتصادية الأساسية لتكاليف تغير المناخ. فتكاليف التقاعس عن العمل تفوق بكثير تكاليف التخفيف المبكر والتكيف. وتمثل إعانات الوقود الأحفوري، التي تمول أزمة المناخ وتثقل كاهل الأنظمة الصحية، عبئاً مزدوجاً على الميزانيات العامة. إن إدراج الآثار الصحية الخارجية للوقود الأحفوري - أي احتساب التكاليف الصحية لـ 600 ألف حالة وفاة بسبب تلوث الهواء و60 ألف حالة وفاة مرتبطة بالحرارة ضمن أسعار الوقود الأحفوري - من شأنه أن يغير التوازن الاقتصادي بشكل جذري لصالح الطاقات المتجددة.

ترى المفوضية أن الناتج المحلي الإجمالي، كمقياس للتقدم، بحاجة ماسة إلى إصلاح جذري، إذ يحسب استهلاك الوقود الأحفوري ضمن الناتج الاقتصادي دون مراعاة التكاليف الصحية لتلوث الهواء، والعبء الاقتصادي للكوارث المناخية، ورفاهية الأجيال القادمة. ولا يُعد هذا النقد لقياس الناتج المحلي الإجمالي الحالي موقفًا أكاديميًا هامشيًا، بل بات يُطرح في نقاشات السياسات الاقتصادية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والبنك الدولي، وعدد متزايد من المكاتب الإحصائية الوطنية. إن مقياس الرفاهية الذي يتجاهل بشكل منهجي الآثار الصحية الخارجية يُشوّه قرارات السياسة الاقتصادية لصالح الأنشطة التي تُعظّم الناتج على المدى القصير وتُحمّل الآخرين أعباءً صحية طويلة الأجل.

يكمن هنا الجزء الأهم من تقرير المفوضية، والذي لم يحظَ بالقدر الكافي من الاهتمام الإعلامي: الدعوة إلى إعادة توجيه تدفقات الاستثمار، بعيدًا عن دعم الوقود الأحفوري ونحو أنظمة رعاية صحية قادرة على الصمود أمام تغير المناخ، ووسائل نقل عام، وأنظمة غذائية مستدامة. تحمل هذه الدعوة مضمونًا سياسيًا واقتصاديًا أعمق من إعلان حالة الطوارئ الصحية العامة ذات الاهتمام الدولي، ولكن يصعب تلخيصها في عنوان رئيسي.

بين الجدية الحقيقية والإلحاح المصطنع

إنّ قضية مشاركة لاوترباخ في سياسة منظمة الصحة العالمية بشأن المناخ تتحدى التقييم السهل. فالتغير المناخي ليس مجرد ادعاء مثير للذعر، بل هو يودي بحياة الناس اليوم بأعداد ملموسة في أوروبا والعالم. ويستند تقرير لجنة مراقبة تغير المناخ (PECCH) إلى أسس علمية متينة، ومعظم توصياته السبعة عشر مبررة واقعياً وقابلة للتطبيق سياسياً. لذا، فإنّ مشاركة لاوترباخ في هذه اللجنة مشروعة؛ فخلفيته الأكاديمية تؤهله لهذا الدور، وطبيعة عمله التطوعية تحميه من تهمة الإثراء الشخصي الواضحة.

لكن ما يستدعي التدقيق هو النمط المتبع: الاختيار المنهجي للإطار الأكثر إثارة، والربط الخطابي بالجائحة، والمطالبة بأداة قانونية تعتبرها منظمة الصحة العالمية نفسها غير قابلة للتطبيق، ولن يكون لها أي أثر ملزم على الإطلاق. هذه القرارات التواصلية ليست محايدة، بل تهدف إلى لفت الانتباه، وهي تنطوي على خطر أنه في حال وجود تناقض واقعي آخر بين الإنذار والواقع، فإن الثقة بمن يصدرون التحذيرات ستتضرر أكثر، تحديدًا في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إليها.

من الأجدر بالرأي العام السياسي الناضج أن يُقرّ بكلتا النقطتين في آنٍ واحد: أن أزمة المناخ تُشكّل تهديدًا صحيًا خطيرًا يستدعي تحركًا سياسيًا، وأن مصداقية من يُحذّرون بصوت عالٍ ترتكز على مدى تطابق ادعاءاتهم مع الواقع. كارل لاوترباخ يجمع بين هاتين الصفتين: فهو عالم سياسي كفؤ يتمتع بخبرة حقيقية، وفاعل سياسي جعل من دراما الأزمة سمةً مميزة له. إن الإقرار بهذا التناقض ليس هجومًا شخصيًا عليه، بل هو شرط أساسي لإجراء نقاش عام مستنير حول سياسات المناخ، والمخاطر الصحية، ومصداقية من يُبلّغون عنها.

اترك نسخة الجوال