
مليارات تُنفق على الأسلحة، ولكن لا سبيل للوصول إلى خطوط المواجهة؟ فجوة لوجستية خطيرة في الاتحاد الأوروبي – صورة إبداعية: Xpert.Digital
العمود الفقري الخفي: تطوير استراتيجية لوجستية ذات استخدام مزدوج من أجل جاهزية الدفاع الأوروبية
"الفوضى الاستراتيجية": لماذا تعرقل أوروبا نفسها فيما يتعلق بالدفاع - ولماذا تُعدّ الخدمات اللوجستية هي الحل؟
تقف أوروبا اليوم عند مفترق طرق استراتيجي. فقد أبرزت عودة الحروب التقليدية إلى القارة بشكلٍ جليّ الحاجة إلى دفاع جماعي قوي. واستجابةً لذلك، نشهد موجة من "النشاط" السياسي: حيث يتزايد الإنفاق الدفاعي، وتُعلن استراتيجيات جديدة، ويتصدر موضوع شراء الدبابات والذخيرة والجنود عناوين الأخبار. إلا أن هذه الإجراءات الظاهرة قد تُغفل ثغرة جوهرية وخطيرة، ألا وهي القدرة على نشر هذه القوات بسرعة، وتزويدها بالإمدادات اللازمة بفعالية، ودعمها بشكلٍ مستدام.
تُسلط هذه المقالة الضوء على الركيزة الخفية للدفاع الأوروبي: شبكة لوجستية متكاملة ومرنة وفعّالة ذات استخدام مزدوج. ولا يقتصر الأمر على مجرد التحكم في السلع الفردية، بل يتعداه إلى الاستخدام الاستراتيجي للبنية التحتية المدنية - الموانئ وشبكات السكك الحديدية والمطارات والأنظمة الرقمية - لأغراض عسكرية. وهذا ليس مجرد تجريد نظري، بل ممارسة مُثبتة، كما تُبرهن عليه المراكز الاستراتيجية في روستوك وسبليت ورييكا. تعمل هذه الموانئ كمضاعفات للقوة لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي، إذ تجمع بين المصالح الاقتصادية والمتطلبات العسكرية، مما يُقلل التكاليف، ويزيد المرونة، ويُعزز الاستقلالية الاستراتيجية.
مع ذلك، لا يتجاهل التحليل العقبات الهائلة التي تعترض سبيل التنفيذ على مستوى أوروبا: التشرذم السياسي المتجذر، المعروف بـ"التنافر الاستراتيجي"، وشبكة معقدة من اللوائح الوطنية، وعقود من نقص الاستثمار في البنية التحتية الحيوية، والتهديد المستمر بالهجمات الإلكترونية. تخلق هذه العوامل حلقة مفرغة من الركود تُعمّق الفجوة بين الطموح السياسي والواقع اللوجستي. إن الجاهزية الدفاعية الأوروبية الحقيقية مجرد وهم دون أساس لوجستي متين. لقد حان الوقت لجعل هذا العمود الفقري الخفي مرئيًا، ولإجراء الاستثمارات الأساسية التي ستدعم أمن أوروبا في القرن الحادي والعشرين.
ذو صلة بهذا الموضوع:
من ميناء على بحر البلطيق إلى حصن لحلف الناتو: كيف تتحول ألمانيا بهدوء إلى أهم مركز لوجستي
تقف أوروبا اليوم عند مفترق طرق استراتيجي. فقد جعل عودة الحروب التقليدية إلى القارة الحاجة إلى دفاع جماعي قوي أمراً لا لبس فيه. واستجابةً لذلك، أعلن صناع السياسات عن عدد من المبادرات والاستراتيجيات رفيعة المستوى التي تهدف إلى إرساء عهد جديد من الجاهزية الدفاعية الأوروبية. إلا أن هذا التقرير يجادل بأن هذه الموجة من "النشاط" السياسي - مهما كانت ضرورية كإعلان نوايا - تُخاطر بتجاهل العنصر الأساسي والأكثر أهمية في القدرة الدفاعية: ألا وهو الإمداد اللوجستي. فالتركيز على اقتناء المعدات العسكرية وزيادة عدد القوات غير كافٍ دون القدرة على نشر هذه القوات بسرعة، وتزويدها بالإمدادات بكفاءة، ودعمها بشكل مستدام.
يكشف هذا التقرير عن العمود الفقري الخفي للدفاع الأوروبي، ألا وهو شبكة لوجستية متكاملة ومرنة وفعّالة ذات استخدام مزدوج. ويحلل مفهوم اللوجستيات ذات الاستخدام المزدوج، ويوسعه من مجرد التحكم التقليدي في السلع الفردية إلى الاستخدام الاستراتيجي للبنى التحتية وأنظمة الإمداد بأكملها لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء. ومن خلال دراسات حالة عملية لموانئ روستوك وسبليت ورييكا، يُبين التقرير أن هذا المفهوم ليس مجرد تجريد نظري، بل ممارسة مُثبتة تُعزز القوة الاستراتيجية لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي. وتُظهر هذه المراكز كيف يُفضي التآزر بين المصالح الاقتصادية المدنية والمتطلبات العسكرية إلى توفير التكاليف، وزيادة المرونة، وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية.
مع ذلك، يُشير التحليل أيضاً إلى عقباتٍ كبيرة أمام تطبيق هذه التقنية على مستوى أوروبا، منها: التشرذم السياسي المتجذر، المعروف بـ"التنافر الاستراتيجي"، وشبكة معقدة من اللوائح الوطنية، وعقود من نقص الاستثمار في البنية التحتية الحيوية، والخطر المتزايد للهجمات الإلكترونية. تُؤدي هذه التحديات إلى حلقة مفرغة من الجمود تُعمّق الفجوة بين الطموح السياسي والواقع اللوجستي.
ولكسر هذه الحلقة المفرغة، يقترح التقرير خارطة طريق استراتيجية ملموسة. وتشمل هذه الخارطة إنشاء هياكل تخطيط مدنية عسكرية متكاملة، وتعبئة استثمارات موجهة من خلال أدوات الاتحاد الأوروبي والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتنفيذ مشاريع تجريبية لتعزيز قابلية التشغيل البيني التقني، وتنمية رأس المال البشري من خلال برامج تدريب متخصصة.
الخلاصة واضحة لا لبس فيها: إن الجاهزية الدفاعية الأوروبية الحقيقية مجرد وهم دون أساس لوجستي متين. وقد باتت الضرورة واضحة. والآن، يقع على عاتق صناع القرار السياسي في أوروبا إدراك هذه الحاجة، وخلق الطلب على التغيير، والقيام بالاستثمارات الأساسية طويلة الأجل اللازمة لبناء الركيزة الأساسية غير المرئية للدفاع الأوروبي.
ذو صلة بهذا الموضوع:
الضرورة الاستراتيجية: من "النشاط" السياسي إلى الواقع اللوجستي
يُحدد هذا القسم المشكلة الأساسية: الفجوة الخطيرة بين الخطاب السياسي حول جاهزية الدفاع الأوروبي والواقع اللوجستي المُهمل على أرض الواقع. ويجادل بأن التركيز الحالي على المعدات وأعداد القوات غير كافٍ إذا كانت الموارد اللازمة لنشرها وصيانتها وتعزيزها غير متوفرة.
المشهد الأمني الأوروبي الحديث: تحول نموذجي
شكّل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 تحولاً جذرياً في مفهوم الأمن الأوروبي. فبعد عقود اتسمت بنهج إدارة الأزمات والانتشار العسكري في الخارج، باتت القارة تواجه اليوم ضرورة الدفاع الجماعي الموثوق. ولا يقتصر هذا المناخ الأمني الجديد على التهديدات العسكرية التقليدية فحسب، بل يشمل أيضاً طيفاً واسعاً من التكتيكات الهجينة، بما في ذلك تخريب البنية التحتية الحيوية، وحملات التضليل الإعلامي الموجهة، واستغلال التبعيات الاقتصادية، كتلك المتعلقة بإمدادات الغاز الروسي. وفي هذا السياق، تُصبح المرونة - أي القدرة على الصمود في وجه الصدمات والحفاظ على الجاهزية العملياتية - عنصراً أساسياً في الدفاع الوطني وعلى مستوى التحالفات.
استجابةً لهذا التحول، يمكن ملاحظة نوع من "النشاط" السياسي. إذ تُعلن الحكومات عن زيادة الإنفاق الدفاعي وتكشف عن استراتيجيات جديدة طموحة. وبينما تُرسل هذه الإجراءات الظاهرة إشارات سياسية مهمة، فإنها تُخاطر بأن تُصبح بديلاً عن تطوير القدرات الأساسية والفعّالة. ويركز النقاش العام والسياسي على "ماذا" - المزيد من الدبابات، والمزيد من الجنود، والمزيد من الذخيرة - ويتجاهل بشكلٍ مُجحف "كيف": كيف سيتم إيصال هذه القوات وهذه المعدات إلى الخطوط الأمامية بسرعة وكفاءة وأمان، ثم تزويدها بالإمدادات هناك. إن مصطلح "النشاط"، المتجذر في النظرية النقدية، يصف النشاط لذاته، وغالبًا ما يُخفي غياب التفكير الاستراتيجي العميق - وهو نقد يُناسب تمامًا الوضع الراهن.
يؤدي هذا النشاط المكثف إلى نتيجة متناقضة. فبينما يُشير الإعلان عن استراتيجيات جديدة وتخصيص أموال إلى نية العمل، فإنه في الوقت نفسه يستنزف الاهتمام السياسي وموارد الإعلام. وينصرف التركيز عن العمل غير الجذاب، طويل الأمد، والمعقد تقنيًا، والمتمثل في بناء القدرات اللوجستية. تبدأ هذه العملية عادةً بأزمة أمنية، مما يُولّد ضغطًا سياسيًا للتحرك. ويستجيب صانعو السياسات باستراتيجيات بارزة ذات صدى سياسي، مثل نظام الدفاع الإلكتروني المعزز (EDIS) أو الكتاب الأبيض. يُلبي هذا الطلب الفوري على العمل، ويُرسّخ سردية القيادة الحاسمة. ومع ذلك، ومع تحوّل التركيز السياسي إلى الأزمة أو الإعلان التالي، يتم تهميش العمل متعدد السنوات والعابر للحدود - مثل تعزيز جسر سكة حديد أو توحيد نماذج الجمارك للنقل العسكري - لافتقاره إلى سردية سياسية مقنعة، وبالتالي يُعاني من نقص التمويل وتراجع الأولوية. والنتيجة هي حلقة مفرغة من التصريحات الاستراتيجية دون تنفيذ لوجستي مُقابل، مما يُوسّع الفجوة باستمرار بين الطموح المُعلن والقدرة الفعلية.
الفجوة بين السياسة والواقع: تحليل الأطر الاستراتيجية الرئيسية
يكشف استعراض نقدي لوثائق السياسة الدفاعية الرئيسية للاتحاد الأوروبي عن كيفية التعامل مع الخدمات اللوجستية - غالباً كقضية ضرورية ولكنها ثانوية.
الورقة البيضاء المشتركة بشأن جاهزية الدفاع الأوروبية 2030: تُقدّم هذه الوثيقة إطارًا طموحًا يُحدّد بدقة مدى إلحاح التحسينات اللوجستية. وتدعو صراحةً إلى إنشاء شبكة على مستوى الاتحاد الأوروبي من الممرات البرية والمطارات والموانئ البحرية والعناصر الداعمة لتمكين "النقل السلس والسريع للقوات والمعدات العسكرية عبر الاتحاد الأوروبي وفي الدول الشريكة". تُحدّد الورقة البيضاء "ماذا" - على سبيل المثال، 500 مشروعًا عاجلًا والحاجة إلى مخزونات استراتيجية. ومع ذلك، يكشف تحليلٌ مُعمّق أن "كيف" - هياكل الحوكمة والتمويل المُستدام والتوافق السياسي اللازم لتنفيذ هذه الرؤية - لا يزال غير مُطوّر.
الاستراتيجية الصناعية الدفاعية الأوروبية (EDIS): تهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز قاعدة التكنولوجيا والصناعات الدفاعية الأوروبية (EDTIB) للانتقال من نمط الاستجابة للأزمات إلى "اقتصاد الحرب". وتضع أهدافًا طموحة، مثل حصة 40% من المشتريات المشتركة بحلول عام 2030 وحصة 35% من التجارة الدفاعية داخل أوروبا. إلا أن هذه الأهداف تعتمد بشكل أساسي على الخدمات اللوجستية، سواء لتزويد القاعدة الصناعية بالمواد الخام والمكونات، أو لتسليم الأنظمة الجاهزة للقوات المسلحة. ولا تحظى هذه التبعية بالأولوية اللازمة في الخطاب العام للاستراتيجية.
مبادرة الاستعداد الدفاعي الشاملة وأداة SAFE: تهدف هاتان المبادرتان إلى تبسيط اللوائح، وتذليل العقبات التنظيمية، وتوفير التمويل لمشاريع الدفاع، بما في ذلك البنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج (على سبيل المثال، من خلال أداة SAFE). هذه الأدوات ضرورية ولكنها غير كافية. فهي تعالج الأعراض - كالبطء البيروقراطي ونقص التمويل - دون معالجة السبب الجذري: وهو غياب استراتيجية لوجستية موحدة ومتكاملة ومدعومة سياسياً.
إعادة تعريف الدفاع الأوروبي: الخدمات اللوجستية كعامل تمكين استراتيجي
يُفضي توليف التحليل السابق إلى استنتاجٍ محوري: أن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي الحقيقي مستحيلٌ استراتيجياً دون شبكة لوجستية متماسكة ومرنة ومتكاملة. ويؤكد المثل العسكري الكلاسيكي، "الهواة يناقشون التكتيكات، والمحترفون يناقشون اللوجستيات"، على الإهمال السياسي لهذا المجال الحيوي على أعلى المستويات.
يُعدّ عدم التمييز الكافي بين "التنقل" و"اللوجستيات" خللاً مفاهيمياً جوهرياً في فكر الاتحاد الأوروبي الحالي. فبينما يُمثّل تركيز الاتحاد الأوروبي على "التنقل العسكري" - أي حركة القوات المسلحة - خطوةً مهمةً إلى الأمام، إلا أنه غير مكتمل بشكلٍ خطير. فهو يُهمل البنية التحتية الثابتة (القواعد، والمستودعات، ومرافق الصيانة) وسلاسل الإمداد المعقدة التي تُتيح التنقل في المقام الأول. فاللوجستيات ليست مجرد وظيفة داعمة تستجيب للاحتياجات، بل هي عامل تمكين استراتيجي أساسي يُحدّد وتيرة وحجم واستدامة كل عملية عسكرية.
إن الفشل في وضع استراتيجية لوجستية متماسكة ليس مجرد إهمال، بل هو عرض مباشر لـ"التنافر الاستراتيجي" في أوروبا، أي التباين العميق في تصورات التهديدات والمصالح الوطنية. فاللوجستيات هي التجسيد المادي للاستراتيجية العسكرية؛ إذ تُبنى خطوط الإمداد لدعم خطة عملياتية محددة. ومع ذلك، ونظرًا لوجود "تباينات عميقة على مستوى القارة" بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في سياساتها الدفاعية، فلا يوجد إجماع على خطة عملياتية مشتركة. فدولة على خط المواجهة كبولندا لها أولويات مختلفة عن إسبانيا. وبدون تحليل مشترك حقيقي للتهديدات، يستحيل الاتفاق على شبكة لوجستية واحدة ذات أولوية على مستوى أوروبا. وهكذا، تتحول مشاريع التنقل العسكري إلى مجموعة من الأولويات الوطنية تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، بدلًا من أن تكون نظامًا متماسكًا استراتيجيًا يُدار من أعلى إلى أسفل. ولذلك، يُعد الإهمال السياسي للوجستيات نتيجة منطقية، وإن كانت خطيرة، لتشرذم سياسي أعمق. إن إظهار هذا "العمود الفقري الخفي" هو الخطوة الأولى والأهم نحو جاهزية دفاعية حقيقية.
مركز الأمن والدفاع - المشورة والمعلومات
يقدم مركز الأمن والدفاع مشورة الخبراء ومعلومات حديثة لدعم الشركات والمؤسسات بفعالية في تعزيز دورها في سياسة الأمن والدفاع الأوروبية. وبالتعاون الوثيق مع فريق عمل الدفاع التابع لمبادرة "تواصل الشركات الصغيرة والمتوسطة"، يُعنى المركز بشكل خاص بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تطوير قدراتها الابتكارية وتنافسيتها في قطاع الدفاع. وبصفته نقطة اتصال مركزية، يُشكل المركز جسراً حيوياً بين الشركات الصغيرة والمتوسطة واستراتيجية الدفاع الأوروبية.
ذو صلة بهذا الموضوع:
الخدمات اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج: بنية تحتية استراتيجية بين الاقتصاد المدني والدفاع العسكري
تفكيك الخدمات اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج: مهارة أساسية
يقدم هذا القسم التعريف الواضح والموثوق وعرض القيمة اللازم للانتقال من "لماذا هو مطلوب" في الجزء الأول إلى "ما هو" و "ماذا يفعل".
المفاهيم الأساسية: من السلع إلى الشبكات
مصطلح "الاستخدام المزدوج" مستمد من الإطار القانوني لضوابط التصدير. ويُعرّف نظام الاتحاد الأوروبي رقم 2021/821 السلع ذات الاستخدام المزدوج بأنها سلع وبرامج وتقنيات يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء. والهدف الرئيسي من هذا النظام هو الحد من انتشار التقنيات الحساسة، ولا سيما تلك المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل.
مع ذلك، يُمثل التحول الاستراتيجي نحو الخدمات اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج توسعًا مفاهيميًا بالغ الأهمية. لا يتعلق الأمر هنا بالمنتجات الفردية، بل بـ"الاستخدام الاستراتيجي للبنى التحتية والأنظمة والقدرات لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء". يشمل هذا المفهوم "أنظمة الإمداد وشبكات النقل بأكملها". هذا الفهم الشامل هو ما يجب على صانعي السياسات استيعابه. ويعني ذلك تخطيط وبناء الجسور وشبكات السكك الحديدية والموانئ والمطارات وأنظمة الاتصالات الرقمية منذ البداية لتلبية متطلبات كلا المجالين: الاقتصاد المدني والدفاع العسكري.
ثمة مفهوم آخر هو "اللوجستيات المزدوجة الاستخدام" (Du-Logistics²). يصف هذا النهج المتقدم دمج أنماط النقل المختلفة (مثل السكك الحديدية والطرق البرية) للأغراض المدنية والعسكرية، بهدف إنشاء نظام شامل متعدد الطبقات ومرن. ويؤكد هذا النهج على ضرورة التفكير المنهجي بدلاً من التفكير الجزئي.
عرض القيمة: مصفوفة من المزايا الاستراتيجية
يُقدّم نهج الاستخدام المزدوج عدداً من المزايا التي تجعله جذاباً لصانعي السياسات والمجتمع ككل. ويمكن عرض هذه المزايا بشكل منهجي لجعل المفهوم مقنعاً ومفهوماً.
الكفاءة الاقتصادية وتوفير التكاليف: بدلاً من صيانة أنظمة مكلفة ومتكررة ومتوازية للأغراض المدنية والعسكرية، يتيح تقاسم البنية التحتية توزيع التكاليف الثابتة. وهذا يتجنب الاستثمارات الخاطئة الضخمة في الأنظمة العسكرية البحتة التي غالباً ما تبقى غير مستخدمة في وقت السلم، ويخفف بشكل كبير العبء على الميزانيات الوطنية.
زيادة المرونة والتكرار: تتميز الشبكة ذات الاستخدام المزدوج بمرونة أكبر بطبيعتها. ففي أوقات الأزمات، يمكن تلبية الاحتياجات العسكرية بالاستفادة من قدرات القطاع المدني. وفي المقابل، يستفيد المجتمع المدني من البنية التحتية المبنية وفق معايير عسكرية أعلى من حيث المتانة والأمن، وخاصة الأمن السيبراني. وهذا أمر بالغ الأهمية لكل من الدفاع العسكري والاستجابة المدنية للأزمات (مثل الكوارث الطبيعية أو الأوبئة).
الاستجابة والمرونة القابلة للتوسع: في أوقات السلم، يمكن استخدام البنية التحتية بشكل أساسي للأغراض التجارية. أما في أوقات الأزمات، فيمكن توسيع نطاقها بسرعة لاستيعاب القدرات العسكرية الإضافية دون التأخير الناتج عن تفعيل المنشآت العسكرية الخاملة. هذه المرونة ضرورية للتخطيط الدفاعي الحديث والفعّال.
الابتكار والتآزر التكنولوجي: يُعدّ نموذج الاستخدام المزدوج محركاً قوياً للابتكار. فالمتطلبات العسكرية للأمن السيبراني المتين يمكن أن تعزز الشبكات المدنية، بينما يمكن تكييف التطورات في القطاع المدني في مجالات الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتحسين الكفاءة لتحسين الخدمات اللوجستية العسكرية.
تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية: من خلال بناء قدرات أوروبية قوية وقابلة للتشغيل البيني، يقلل الاتحاد الأوروبي من اعتماده على مقدمي خدمات اللوجستيات الخارجيين (بما في ذلك الحلفاء من خارج الاتحاد الأوروبي/الناتو) ويعزز قدرته على التصرف بشكل مستقل في الأزمات.
يُقدّم مفهوم البنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج وسيلةً فعّالة سياسياً لتحقيق تكامل دفاعي أعمق. فبدلاً من مطالبة الدول الأعضاء بالتخلي عن السيطرة على الأصول العسكرية البحتة، وهو ما يُرجّح أن يُقابل بمقاومة كبيرة، يُطلب منها الاستثمار المشترك في بنية تحتية مشتركة تُحقق فوائد اقتصادية ملموسة لاقتصاداتها المدنية. وهذا يُعيد صياغة قضية دفاعية حساسة لتصبح سياسة اقتصادية وبنية تحتية ذكية. ويقتصر المتطلب العسكري على ضمان استيفاء هذه البنية التحتية لمواصفات مُحددة (مثل قدرة تحمل الجسور، وطول المدرج) للسماح باستخدامها عسكرياً في حالات الأزمات. وهذا يُقلّل من العقبة السياسية بشكل كبير. وبالتالي، فإنّ الخدمات اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج ليست مجرد حل تقني، بل هي استراتيجية سياسية لتجاوز العقبات المُستعصية التي تعترض التعاون الدفاعي الأوروبي.
في الوقت نفسه، ينطوي جاذبية هذا المفهوم على مخاطرة. فبدون تعريفات دقيقة ومتفق عليها عالميًا لما يُعتبر مشروعًا حقيقيًا ذا استخدام مزدوج، يبرز خطر "التسويق المزدوج"، حيث تُعاد تسمية المشاريع المدنية البحتة للحصول على تمويل متعلق بالدفاع أو الأمن. وقد يؤدي ذلك إلى سوء تخصيص الموارد، إذ تُحوّل الأموال المخصصة لتعزيز الجاهزية الدفاعية إلى مشاريع ذات فوائد أمنية هامشية. لذا، يُعدّ وضع إطار عمل واضح ودقيق على مستوى الاتحاد الأوروبي لاعتماد وتدقيق مشاريع البنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج أمرًا ضروريًا لضمان تحقيقها قيمة عسكرية حقيقية.
نهج الاستخدام المزدوج
يُعدّ نهج الاستخدام المزدوج مفهومًا استراتيجيًا يستفيد استفادة كاملة من مزايا التكامل بين البنية التحتية المدنية والعسكرية وتطوير التكنولوجيا. فعلى الصعيد الاقتصادي، يُتيح هذا النهج كفاءة عالية في التكاليف من خلال تقاسم التكاليف الثابتة لمشاريع البنية التحتية بين القطاعين المدني والعسكري. وفي الوقت نفسه، يُعزز القدرة التنافسية الاقتصادية عبر توسيع البنية التحتية للنقل، كالموانئ والسكك الحديدية، مما يُقوّي التجارة.
في المجال العسكري، يوفر نهج الاستخدام المزدوج مزايا استراتيجية حاسمة. فهو يسمح باستجابة قابلة للتطوير، مما يُمكّن من تكييف الأنظمة التجارية بسرعة مع المتطلبات العسكرية في أوقات الأزمات. علاوة على ذلك، يُحسّن هذا النهج من قدرة القوات على الحركة من خلال تقليل العقبات البيروقراطية وتسهيل نشر القوات والمعدات بشكل أسرع.
على المستوى الاستراتيجي، يُسهم هذا النهج في تعزيز المرونة والتكرار في الشبكات، مما يُفيد الأمن القومي والاستجابة المدنية للأزمات على حد سواء. كما يُقلل من الاعتماد على الدعم اللوجستي الخارجي، ويعزز الاستقلالية الاستراتيجية لأوروبا.
في قطاع التكنولوجيا، يُعدّ نهج الاستخدام المزدوج محركاً للابتكار، إذ يعزز التآزر بين البحوث العسكرية وتطوير التكنولوجيا المدنية، على سبيل المثال في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والأتمتة. علاوة على ذلك، يدعم هذا النهج التوحيد القياسي ويُحسّن التوافق التقني بين مختلف الأنظمة الوطنية والمدنية العسكرية.
الخدمات اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج قيد التنفيذ: المراكز الاستراتيجية كمضاعفات للقوة
يقدم هذا القسم الأدلة الملموسة لجعل المفهوم المجرد للخدمات اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج ملموساً ولإثبات تأثيره بشكل لا يمكن إنكاره.
دراسة حالة: ميناء روستوك – بوابة الناتو إلى بحر البلطيق
يُعدّ تحويل ميناء روستوك إلى مركز عسكري محوري استجابةً مباشرةً لتغير الوضع الأمني في بحر البلطيق عقب العدوان الروسي وانضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو. واليوم، يُشكّل الميناء قاعدة لوجستية استشرافية للدفاع عن الجناح الشرقي لحلف الناتو.
تتجلى قدرة روستوك على الاستخدام المزدوج في التناغم المثالي بين قوتها المدنية وتكاملها العسكري. وباعتبارها أكبر ميناء متعدد الاستخدامات على ساحل بحر البلطيق الألماني، مع قدرة هائلة على مناولة البضائع، و47 رصيفًا، واستيعاب سفن ضخمة، فإن قدراتها المدنية تُشكل أساس دورها العسكري. وقد أُقيمت وظائف عسكرية حيوية على هذا الأساس. يضم الميناء المقر الجديد للقيادة البحرية متعددة الجنسيات، قيادة قوة مهام البلطيق (CTF Baltic)، بقيادة البحرية الألمانية، والتي تراقب بحر البلطيق على مدار الساعة. كما يُعد الميناء نقطة انطلاق رئيسية لتدريبات حلف الناتو الكبرى، مثل مناورات BALTOPS وNational Guardian، والتي تشمل نشر آلاف الجنود ومئات المركبات، بما في ذلك دبابات القتال الرئيسية. علاوة على ذلك، تُشحن معدات عسكرية بالغة الأهمية، مثل أنظمة الدفاع الجوي باتريوت، من روستوك إلى حلفاء الناتو.
يُعدّ المركز التشغيلي المزمع إنشاؤه في حوض بناء السفن "وارنو" مثالاً بارزاً على المشاريع المستقبلية ذات الاستخدام المزدوج. ففي هذا المركز، يجري تطوير مركز نشر تابع لحلف الناتو بالتعاون مع مستثمرين من القطاع الخاص، والذين سيقومون أيضاً بإنتاج منصات تحويل الطاقة لمزارع الرياح البحرية في الموقع نفسه. يربط هذا المشروع بشكل مباشر بين الاحتياجات العسكرية والتحول المدني في مجال الطاقة، ويُبرهن على كيفية مواءمة التخطيط الدفاعي الحديث مع الأهداف الاقتصادية والبيئية.
تُعزى فعالية الميناء إلى شبكة النقل متعددة الوسائط الممتازة التي يتمتع بها. فالروابط المباشرة مع الطريقين السريعين A19 وA20، بالإضافة إلى شبكة السكك الحديدية الواسعة والقابلة للتوسع، تُمكّن من النشر السريع للقوات والمعدات من الميناء إلى أجزاء أخرى من أوروبا. كما تُعدّ سعته التخزينية الهائلة عاملاً حاسماً آخر يجعل الميناء مثالياً للعمليات العسكرية واسعة النطاق.
ذو صلة بهذا الموضوع:
- الخدمات اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج: يُعد ميناء روستوك مركزًا لوجستيًا رئيسيًا للخدمات اللوجستية العسكرية لحلف الناتو والقوات المسلحة الألمانية
دراسة حالة: موانئ سبليت ورييكا – تأمين الجانب المتوسطي
تُظهر هذه الدراسة أن الخدمات اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج ليست مفهوماً جديداً، بل هي ممارسة راسخة ومثبتة. تُعدّ الموانئ الكرواتية موارد مهمة لحلف الناتو في بسط النفوذ وضمان الأمن في البحر الأبيض المتوسط ومنطقة البلقان.
يُعد ميناء رييكا مركزًا حيويًا لإعادة شحن معدات الجيش الأمريكي وحلف شمال الأطلسي منذ عام 1998 على الأقل، حيث يدعم عمليات عسكرية مثل قوة حفظ السلام في البوسنة والهرسك. وتُعدّ مناولة المروحيات والمركبات والإمدادات مثالًا ملموسًا على وظيفته العسكرية اللوجستية. ويتجلى هنا بوضوح التعاون بين القطاعين المدني والعسكري، إذ تستخدم سفن البحرية الأمريكية بانتظام الموانئ الكرواتية، وخاصة ميناء رييكا، لأعمال الصيانة والإصلاح. وقد درّت هذه العقود مئات الملايين من الدولارات على الاقتصاد المحلي. وهذا مثالٌ مثالي على المنفعة المتبادلة: إذ تستفيد البحرية من أحواض بناء السفن ذات المستوى العالمي، بينما ينتعش الاقتصاد المحلي.
يُعد ميناء سبليت مركزًا للقيادة والتعاون، حيث يستضيف بانتظام وحدات رفيعة المستوى تابعة لحلف الناتو، بما في ذلك سفينة القيادة التابعة للأسطول السادس الأمريكي، يو إس إس ماونت ويتني، والمجموعة البحرية الدائمة الثانية التابعة لحلف الناتو. علاوة على ذلك، تُعتبر سبليت موقعًا هامًا لعقد مؤتمرات القيادة، مثل مؤتمرات القوات الخاصة التابعة لحلف الناتو، والتي تُعزز قابلية التشغيل البيني وتُقوي شراكات التحالف.
والأهم من ذلك، أن تحديث ميناء رييكا، ولا سيما تحسين بنيته التحتية للسكك الحديدية وربطه بممرات النقل في أوروبا الوسطى، قد تم تمويله جزئياً من أموال الاتحاد الأوروبي من خلال مرفق ربط أوروبا (CEF). وهذا يُظهر بوضوح كيف تُعزز أموال الاتحاد الأوروبي المخصصة للبنية التحتية المدنية بشكل مباشر قدرةً حيويةً ذات استخدام مزدوج ذات صلة بحلف الناتو.
ذو صلة بهذا الموضوع:
- تعتبر أنظمة الخدمات اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج في كرواتيا في سبليت ورييكا موانئ رئيسية لعمليات حلف شمال الأطلسي في البحر الأبيض المتوسط
توسيع الشبكة: الإمكانات غير المستغلة للنقل بالسكك الحديدية والنقل الجوي
وبعيداً عن الموانئ البحرية، فإن مفهوم الاستخدام المزدوج ينطبق على نظام النقل بأكمله ويكشف عن كامل إمكاناته هناك.
المطارات: تُبرز أمثلة مثل مطار جيشوف-جاسيونكا في بولندا، الذي أصبح مركزًا لوجستيًا حيويًا لحلف الناتو لدعم أوكرانيا، ومطار كولونيا/بون في ألمانيا بمزيجه من طائرات الشحن والنقل العسكري، ومطار بيزا في إيطاليا بمحطته المدنية إلى جانب لواء النقل الجوي العسكري، نطاقًا واسعًا من التطبيقات. ومن المشاريع الرائدة الكبرى مشروع ميناء الاتصالات المركزي (CPK) المخطط له في بولندا، والذي صُمم منذ البداية ليكون مركزًا متكاملًا ثنائي الاستخدام للنقل الجوي والسكك الحديدية والطرق.
شبكات السكك الحديدية: مع تداخل يُقدّر بنحو 94% بين الشبكات المدنية والعسكرية، تُعدّ السكك الحديدية أهم نظام نقل بري مزدوج الاستخدام. ثمة حاجة ماسة إلى تحديث الممرات الرئيسية لنقل المعدات العسكرية الثقيلة (مثل الدبابات التي تزن 70 طنًا)، وضمان قدرة تحمل الجسور والأنفاق وارتفاعها عن الأرض، وتطبيق أنظمة إشارات قابلة للتشغيل البيني مثل نظام إدارة حركة القطارات الأوروبي (ERTMS) على نطاق واسع. يُعدّ تحديد أربعة ممرات استراتيجية متعددة الوسائط و500 مشروع "مُهمّ" في الكتاب الأبيض للاتحاد الأوروبي خطوةً أوليةً هامةً.
تُظهر هذه الدراسات أن المراكز ذات الاستخدام المزدوج تتجاوز كونها مجرد نقاط عبور، إذ تُصبح نقاط ارتكاز لأنشطة التحالف، من تدريبات مشتركة ومقرات متعددة الجنسيات ومرافق صيانة مشتركة. ويُسهم التفاعل المستمر في ميناء مثل روستوك أو سبليت في بناء الثقة والمعرفة المؤسسية والتوافق العملياتي بين القوات المتحالفة، بطرق لا يُمكن تحقيقها من خلال التدريبات الميدانية المتقطعة. ويتطلب إنشاء منشأة مثل قوة المهام المشتركة في البلطيق في روستوك تعاونًا يوميًا بين أفراد من 13 دولة. لذا، يُعد الاستثمار في مركز مادي ذي استخدام مزدوج استثمارًا في التماسك السياسي والعسكري لحلف الناتو.
في الوقت نفسه، تكشف حالة رييكا عن تضافر بالغ الأهمية، غالباً ما يكون غير معلن. إذ تُعزز أموال الاتحاد الأوروبي المخصصة للبنية التحتية المدنية من خلال آلية التمويل الأوروبي قدرات حلف الناتو الدفاعية بشكل مباشر، والتي تستخدم الميناء كمركز لوجستي حيوي. وهذا يخلق شراكة فعّالة للغاية بحكم الواقع. يوفر الاتحاد الأوروبي الموارد والإطار اللازمين لتطوير البنية التحتية، ويستفيد حلف الناتو من زيادة ملحوظة في الأمن. هذا الفهم ضروري للدعوة إلى مزيد من التوافق بين تخطيط الاتحاد الأوروبي للبنية التحتية ومتطلبات سياسة حلف الناتو الدفاعية.
استراتيجيات موانئ الناتو: أوجه التآزر العسكري والاقتصادي في روستوك وسبليت/رييكا
استراتيجيات موانئ الناتو: أوجه التآزر العسكري والاقتصادي في روستوك وسبليت/رييكا – الصورة: Xpert.Digital
تُجسّد استراتيجيات حلف الناتو للموانئ في روستوك وسبليت/رييكا تكاملاً عسكرياً واقتصادياً ملحوظاً بين الموانئ الألمانية والكرواتية. تُعدّ روستوك بوابة الناتو الاستراتيجية إلى بحر البلطيق، ومركزاً دفاعياً رئيسياً للجناح الشرقي. تشمل بنيتها التحتية أرصفة مياه عميقة، ومناطق تخزين واسعة، ومركز عمليات حوض بناء السفن فارنو، حيث تُنفّذ مشاريع مبتكرة مثل التطوير المشترك لمنصات طاقة الرياح البحرية.
في المقابل، تُؤمّن موانئ سبليت ورييكا الكرواتية جناح حلف الناتو في البحر الأبيض المتوسط، وتُشكّل مراكز لوجستية لمنطقة البلقان والبحر الأبيض المتوسط. وتستفيد أحواض بناء السفن ذات المستوى العالمي فيهما من عقود الصيانة مع البحرية الأمريكية، مما يُحقق مزايا اقتصادية كبيرة للصناعة المحلية. ويرتبط كلا الموقعين بشبكة نقل متعددة الوسائط؛ روستوك عبر الطرق السريعة وخطوط السكك الحديدية الدولية، والموانئ الكرواتية عبر ممرات نقل حديثة تم تطويرها بتمويل من الاتحاد الأوروبي.
تشمل الوظائف العسكرية مناورات متعددة الجنسيات مثل مناورات "بالتوبس"، وتحركات القوات، ونقل المعدات، وصيانة السفن. وتستغل القوات الألمانية والأمريكية هذه المراكز الاستراتيجية بشكل مشترك، مما يؤكد التعاون الوثيق داخل حلف الناتو، ويعزز في الوقت نفسه التنمية الاقتصادية المحلية.
خبراء الخدمات اللوجستية ذات الاستخدام المزدوج
يشهد الاقتصاد العالمي حاليًا تحولًا جذريًا، لحظة فارقة تهز أركان الخدمات اللوجستية العالمية. لقد ولّى عهد العولمة المفرطة، الذي تميز بالسعي الدؤوب لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة ومبدأ "التوريد في الوقت المناسب"، ليحل محله واقع جديد. يتميز هذا الواقع الجديد بتغيرات هيكلية عميقة، وتحولات في موازين القوى الجيوسياسية، وتزايد تشرذم السياسات الاقتصادية. إن القدرة على التنبؤ التي كانت تُعتبر أمرًا مفروغًا منه في الأسواق الدولية وسلاسل التوريد تتلاشى، ليحل محلها فترة من عدم اليقين المتزايد.
ذو صلة بهذا الموضوع:
من مشاكل التجزئة إلى التكامل الاستراتيجي: شبكات ذات استخدام مزدوج بين العقبات والحلول
نقاط الاحتكاك: التغلب على عوائق إنشاء شبكة متماسكة
يتناول هذا القسم بشكل مباشر العقبات التي تحول دون اعتماد استراتيجية لوجستية ذات استخدام مزدوج على نطاق واسع، ويقدم تقييماً موضوعياً للمشهد السياسي والقانوني والتقني.
ذو صلة بهذا الموضوع:
الجمود السياسي والمؤسسي
تكمن المشكلة الأساسية في "التضارب الاستراتيجي" المذكور آنفاً. تُظهر التحليلات أنه على الرغم من زيادة الإنفاق، فإن التعاون الدفاعي الأوروبي آخذ في التراجع، حيث يتدفق جزء كبير من الاستثمار إلى المعدات الأمريكية الجاهزة. ويعود ذلك إلى اختلاف تصورات التهديدات و"القومية الشرائية" الراسخة التي تُعطي الأولوية للقواعد الصناعية الوطنية على حساب القدرات الجماعية.
يؤدي هذا التشرذم السياسي إلى "إهمال متعمد للخدمات اللوجستية". ففي غياب رؤية سياسية مقنعة، يبقى التركيز منصباً على المعدات العسكرية المرموقة بدلاً من البنية التحتية الأساسية وإن كانت أقل جاذبية. ويزيد الهيكل المؤسسي للاتحاد الأوروبي، الذي تحتفظ فيه الدول الأعضاء بالمسؤولية الرئيسية عن الدفاع والأمن، من تفاقم هذه المشكلة. إذ يمكن للاتحاد الأوروبي اقتراح خطة لوجستية موحدة وتمويلها، لكن لا يمكنه فرضها، مما يجعل النظام عرضة للرفض أو عدم المشاركة من جانب الدول الأعضاء.
متاهات تنظيمية وقانونية
يواجه قطاع الخدمات اللوجستية، بطبيعته العابرة للحدود، تحديات جمة نتيجة لاختلاف الأنظمة الوطنية. وهذا يستلزم بذل جهود جبارة لتوحيد القواعد المتعلقة بكل شيء، بدءًا من تصاريح النقل العسكري وصولًا إلى التخليص الجمركي. ويُعدّ مفهوم "شنغن العسكرية" الهدف المعلن، إلا أن تنفيذه يسير ببطء ويواجه عقبات بيروقراطية جمة.
تُشكّل تعقيدات ضوابط الاستخدام المزدوج نفسها عقبةً إضافية. إذ قد تُؤدي اللوائح المنظمة لمراقبة السلع ذات الاستخدام المزدوج (لائحة الاتحاد الأوروبي 2021/821) إلى تعقيدات عند تطبيقها على أنظمة الخدمات اللوجستية بأكملها. ويُشكّل غياب نظام تصنيف موحد، واختلاف تفسيرات مسؤولي الجمارك، وخطر تحويل مسار البضائع، تحديات كبيرة أمام شركاء القطاع الخاص فيما يتعلق بالامتثال. كما أن تطبيق هذه اللوائح غير متسق في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، الذي يفتقر إلى هيكل إنفاذ موحد.
أوجه القصور في البنية التحتية والتقنية
تعاني العديد من شبكات البنية التحتية الأوروبية، وخاصة السكك الحديدية، من عقود من نقص الاستثمار. أما الشبكة الألمانية، التي تُعدّ دولة عبور حيوية، فهي في حالة كارثية. وهذا يعني أن الجسور لا تستطيع تحمل الدبابات الثقيلة، والأنفاق ضيقة للغاية، وهناك نقص في عربات السكك الحديدية المتخصصة.
إضافةً إلى هذه النقائص، توجد اختناقات في الطاقة الاستيعابية. فالممرات والمحطات الرئيسية للنقل تعمل بالفعل بكامل طاقتها أو بالقرب منها فيما يخص حركة النقل المدني. إن إضافة متطلبات ذروة الأحمال العسكرية يُنذر باختناقات مرورية، ويُعارض مبدأ الأولوية العسكرية مع منطق التوريد في الوقت المناسب لسلاسل الإمداد المدنية الحديثة. وأخيرًا، يُشكل غياب التوحيد القياسي وقابلية التشغيل البيني تحديًا تقنيًا كبيرًا. إذ يجب أن تكون الأنظمة - المدنية والعسكرية، وعبر الدول - قادرة على التواصل والتعاون. وبينما توجد معايير لحلف الناتو، فإن دمجها مع المعايير المدنية والصناعية يُعد مهمة ضخمة ومعقدة.
جبهة الأمن السيبراني
يؤدي دمج البنية التحتية المدنية (الموانئ، وأنظمة إشارات السكك الحديدية، ومراقبة الحركة الجوية) في شبكات الإمداد اللوجستي العسكري إلى زيادة كبيرة في مساحة التعرض للهجمات السيبرانية من جهات حكومية وغير حكومية. لذا، لا يمكن اعتبار الأمن السيبراني والأمن المادي أمورًا ثانوية. يجب تصميم البنية التحتية منذ البداية لتكون قادرة على الصمود في وجه الهجمات المادية والسيبرانية، مما يتطلب وجود أنظمة احتياطية وبروتوكولات أمنية قوية - وهو نهج يُعرف باسم "التصميم من أجل المرونة".
لا تقتصر نقاط الخلاف على الجوانب التقنية أو السياسية فحسب، بل تشمل أيضاً الجوانب الثقافية. فالجيش يطالب بالأمن، والتكرار، والقدرة على تجاوز الإجراءات الاعتيادية في حالات الأزمات ("احتياطاً"). في المقابل، يُعطي قطاع الخدمات اللوجستية الخاص الأولوية للسرعة، وكفاءة التكلفة، وإمكانية التنبؤ ("في الوقت المناسب"). ويُشكل هذا التضارب الجوهري في الفلسفات التشغيلية عائقاً رئيسياً. لذا، يجب أن يتضمن نموذج الاستخدام المزدوج الناجح أطر حوكمة واضحة، وبروتوكولات اتصال، وآليات تعويض مالي لسد هذه الفجوة الثقافية والتشغيلية.
تتداخل هذه التحديات فيما بينها، مما يخلق حلقة مفرغة سلبية. فالتشرذم السياسي يعيق وضع خطة موحدة. وبدون خطة، لا يوجد نموذج عمل واضح للصناعة للاستثمار في معدات موحدة. وتؤدي الفجوات التكنولوجية الناتجة إلى إعاقة التحركات العسكرية عبر الحدود، مما يعزز ميل الدول إلى التركيز على الحلول الوطنية ويزيد من حدة التشرذم السياسي. ويتطلب كسر هذه الحلقة المفرغة تدخلاً فعالاً يعالج الأبعاد السياسية والصناعية والتكنولوجية في آن واحد.
استراتيجيات التغلب على التحديات المدنية العسكرية في تطوير البنية التحتية في الاتحاد الأوروبي
استراتيجيات التغلب على التحديات المدنية العسكرية في تطوير البنية التحتية للاتحاد الأوروبي – الصورة: Xpert.Digital
يواجه تطوير البنية التحتية في الاتحاد الأوروبي تحديات مدنية وعسكرية معقدة تتطلب نهجاً متعدد الأبعاد. أما على الصعيد السياسي، فيسود "تضارب استراتيجي" ونزعة قومية في مجال المشتريات، ويمكن معالجة ذلك من خلال إنشاء هيئات تخطيط مدنية وعسكرية متكاملة، وتبني منظور جديد للاستخدام المزدوج كسياسة اقتصادية وبنية تحتية.
تتجلى العقبات القانونية والتنظيمية في إجراءات غير متسقة عبر الحدود وضوابط تصدير معقدة. وتشمل الحلول الممكنة تطبيق "منطقة شنغن عسكرية" ووضع شهادة موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي للبنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج.
تتسم البنية التحتية التقنية بتأخر الاستثمارات، لا سيما في قطاع السكك الحديدية، واختناقات في الطاقة الاستيعابية، ونقص في التوحيد القياسي. ويمكن لاستراتيجيات مثل حشد التمويل الموجه، والمشاريع التجريبية على الممرات الرئيسية، وإدخال معايير ملزمة للتشغيل البيني مثل نظام إدارة حركة القطارات الأوروبي (ERTMS) أن تسهل التقدم في هذا المجال.
في القطاعين الاقتصادي والصناعي، يُعيق التضارب الثقافي بين المدنيين والعسكريين، إلى جانب غياب نماذج أعمال مناسبة للقطاع الخاص، التنمية. ويمكن لأطر الحوكمة والتعويضات الواضحة، فضلاً عن استراتيجيات الشراء الموحدة، أن تُسهم في خلق أحجام سوقية وتوليد حوافز استثمارية.
بناء العمود الفقري للدفاع الأوروبي: خارطة طريق استراتيجية
يحتوي هذا القسم الأخير على عدد من التوصيات الملموسة والقابلة للتنفيذ والتي تلخص نتائج التقرير بأكمله من أجل إظهار طريق واضح للمضي قدماً.
تكامل التخطيط والحوكمة: من التخطيط المؤقت إلى التخطيط المؤسسي
إنّ التكامل الحالي غير المنظم للاعتبارات اللوجستية غير كافٍ. ثمة حاجة إلى تغيير جذري في ثقافة التخطيط.
التوصية: إنشاء هياكل تخطيط مدنية عسكرية متكاملة ودائمة على المستويين الأوروبي والوطني. يجب أن تضم هذه الهيئات ممثلين عن وزارات الدفاع والنقل وهيئات البنية التحتية والقطاع الخاص.
خطوة عملية: إنشاء "مجالس لوجستية ذات استخدام مزدوج" تضمّ جهات معنية متعددة. وتتمثل مهمتها في ضمان دمج الاعتبارات اللوجستية في التخطيط الاستراتيجي منذ البداية، وعدم اعتبارها أمراً ثانوياً. وهذا من شأنه أن يضمن تنسيقاً مؤسسياً بين جميع الجهات المعنية.
نموذج جديد للاستثمار والتمويل: تعبئة رأس المال
إن تمويل عمليات تطوير البنية التحتية الضرورية يتجاوز قدرات ميزانيات الدفاع التقليدية. لذا، ثمة حاجة إلى نهج جديد يجمع بذكاء بين الموارد العامة والخاصة.
التوصية: الاستفادة الكاملة من الأدوات المالية الحالية للاتحاد الأوروبي وتوسيع نطاقها. ويشمل ذلك تخصيص جزء أكبر من مرفق ربط أوروبا (CEF) للمشاريع ذات الاستخدام المزدوج، وضمان أن تكون أداة SAFE الجديدة مرنة وسهلة الوصول.
خطوة عملية: الدعوة إلى زيادة نسبة التمويل المشترك من الاتحاد الأوروبي للمشاريع المعتمدة ذات الاستخدام المزدوج لتشجيع مشاركة الدول الأعضاء. وفي الوقت نفسه، ينبغي الترويج لنماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص المبتكرة ذات الأطر الواضحة لتقاسم المخاطر والتعويض لجذب رؤوس الأموال الخاصة.
تعزيز التماسك التقني والتشغيلي: بناء الشبكة
إن تحديد المشكلات يجب أن يؤدي إلى تطبيق الحلول. والتقدم العملي هو أفضل سبيل لتجاوز العقبات السياسية والتقنية.
التوصية: إطلاق مشاريع تجريبية بارزة في واحد أو اثنين من أهم الممرات الاستراتيجية (مثل ممر بحر الشمال - بحر البلطيق أو ممر الراين - نهر الدانوب). ينبغي لهذه المشاريع اختبار نماذج تشغيلية للتعاون المدني العسكري وتحسينها في الوقت الفعلي.
خطوة عملية: استخدام السلطة التنظيمية للاتحاد الأوروبي لفرض معايير أساسية للتوافق التشغيلي على جميع مشاريع البنية التحتية للنقل الجديدة التي تتلقى تمويلاً من الاتحاد الأوروبي. ويشمل ذلك استخدام نظام إدارة حركة القطارات الأوروبي (ERTMS) للسكك الحديدية، وبروتوكولات الاتصال الموحدة، والمواصفات الفيزيائية اللازمة لنقل الأحمال العسكرية.
بناء رأس المال البشري: الأشخاص الذين يقفون وراء الخدمات اللوجستية
تتطلب شبكة الخدمات اللوجستية في القرن الحادي والعشرين قوة عاملة تواكب متطلبات هذا القرن. فالتكنولوجيا والبنية التحتية لا ترقى إلى مستوى جودة الأشخاص الذين يديرونها.
التوصية: الاعتراف بأن تطوير العمالة الماهرة جزء أساسي من الاستراتيجية.
خطوة قابلة للتطبيق: دعم وتوسيع مبادرات مثل "ميثاق المهارات في الصناعات الدفاعية والفضائية" لإنشاء "أكاديميات ذات استخدام مزدوج" متخصصة. ستركز هذه الأكاديميات على تدريب جيل جديد من المتخصصين في مجال اللوجستيات والمهندسين والمخططين الماهرين في الأمن السيبراني، وتقنية التوأم الرقمي، واللوجستيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأنظمة الطاقة الذكية.
ذو صلة بهذا الموضوع:
- محطات حاويات ثقيلة الاستخدام المزدوج – للسوق الداخلية للاتحاد الأوروبي والأمن الدفاعي العسكري الأوروبي
من الحاجة المُعترف بها إلى القدرة المُتحققة
يعود هذا التقرير إلى التشبيه الأصلي، إذ كان هدفه تسليط الضوء على الحاجة إلى شبكة لوجستية ذات استخدام مزدوج. وقد حدد التقرير الضرورة الاستراتيجية، وعرّف المفهوم، وأظهر نجاحاته على أرض الواقع، وحدد العقبات، وقدم خارطة طريق واضحة للعمل. وأظهر التحليل أن إهمال الخدمات اللوجستية ليس مجرد إغفال تقني، بل هو عرض من أعراض التشرذم السياسي المتفاقم، ونقطة عمياء خطيرة في بنية الأمن الأوروبي.
يُوجَّه النداء الختامي إلى القادة السياسيين في أوروبا، حيث يجب عليهم تجاوز "النشاط" قصير الأجل والالتزام بالعمل الجوهري طويل الأمد لبناء الركيزة الأساسية غير المرئية للدفاع الأوروبي. وتُثبت دراسات حالة روستوك وسبليت ورييكا نجاح هذا المفهوم وتحقيقه فوائد استراتيجية واقتصادية هائلة. وتُظهر خارطة الطريق أنه على الرغم من ضخامة التحديات، إلا أنها ليست مستعصية.
لقد باتت الحاجة واضحة. لقد حان الوقت لتعبئة الإرادة السياسية، وخلق الطلب على التغيير، وبناء القدرات التي ستدعم أمن أوروبا في القرن الحادي والعشرين.
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
رئيس قسم تطوير الأعمال
رئيس فريق عمل الدفاع التابع لشبكة الشركات الصغيرة والمتوسطة
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
يمكنكم التواصل معي عبر البريد الإلكتروني wolfenstein∂xpert.digital أو
اتصل بي على الرقم +49 7348 4088 965 .

