أيقونة الموقع الإلكتروني إكسبرت ديجيتال

الأثر الاقتصادي للحرب بين روسيا وأوكرانيا

الأثر الاقتصادي للحرب بين روسيا وأوكرانيا

الأثر الاقتصادي للحرب بين روسيا وأوكرانيا – الصورة: Xpert.Digital

العواقب الاقتصادية لثلاث سنوات من الحرب

طفرة الأسلحة في مواجهة المشاكل الهيكلية: لماذا ينهار النمو في روسيا

لم تسفر الحرب بين روسيا وأوكرانيا، التي بدأت في فبراير 2022، عن خسائر بشرية فادحة فحسب، بل ألحقت أيضاً أضراراً اقتصادية جسيمة ومستدامة بالبلدين. وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على بدء الغزو، باتت التداعيات الاقتصادية المعقدة تتضح جلياً. وبينما يعاني كلا الاقتصادين من الآثار المباشرة وغير المباشرة للصراع، فقد طورا استراتيجيات مختلفة لمواجهة التحديات الاقتصادية.

شهدت أوكرانيا انهيارًا حادًا في ناتجها الاقتصادي خلال السنة الأولى من الحرب، حيث انخفض بنحو 30% من ناتجها المحلي الإجمالي. إلا أنه استقر بدءًا من عام 2023، وشهد منذ ذلك الحين معدلات تعافٍ معتدلة. في المقابل، استفادت روسيا في البداية من طفرة اقتصادية مرتبطة بالحرب، مدفوعة بشكل أساسي بصناعة الأسلحة. نما الاقتصاد الروسي بنسبة 4.1% في كل من عامي 2023 و2024، لكن هذا النمو يتباطأ الآن بشكل ملحوظ، وتتضح المشاكل الهيكلية بشكل متزايد.

ذو صلة بهذا الموضوع:

الاقتصاد الحربي الروسي تحت الضغط

تباطؤ النمو الاقتصادي

يمر الاقتصاد الروسي بمرحلة تحول حاسمة. فبعد النمو القوي الذي شهده في السنوات الأخيرة، يشهد الاقتصاد تباطؤاً ملحوظاً. ففي يناير 2025، تجاوز إجمالي الناتج الاقتصادي مستوى العام السابق بنسبة 3% فقط، مقارنةً بنسبة 4.5% في ديسمبر 2024. ويتوقع البنك المركزي مزيداً من التباطؤ ليصل إلى 2.9% خلال الربع الأول من عام 2025، ويتوقع نمواً يتراوح بين 1.0% و2.0% فقط للعام بأكمله.

يُعدّ هذا التطور جديرًا بالملاحظة بشكل خاص، إذ يعود النمو الذي شهدته السنوات الأخيرة في المقام الأول إلى التوسع الهائل في صناعة الأسلحة. فقد ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 8.5% في عام 2024، ويعزى ذلك في معظمه إلى زيادة إنتاج الأسلحة. في الوقت نفسه، انخفض الإنتاج في قطاع التعدين والمواد الخام بنسبة 0.9%.

التحديات المالية والمشاكل الهيكلية

يُشكّل تمويل الحرب تحديات متزايدة لروسيا. فقد ارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 42% في عام 2024، وتتوقع ميزانية الدفاع لعام 2025 زيادات هائلة أخرى. إذ تبلغ هذه الزيادة 13.5 تريليون روبل، أي ما يعادل 145 مليار دولار أمريكي تقريبًا، بزيادة تتجاوز 25% مقارنةً بالعام السابق. وهذا يعني أن الإنفاق العسكري سيُمثّل ما بين 7 و8% من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا، وهو رقم قياسي في تاريخ روسيا ما بعد الحقبة السوفيتية.

لتمويل هذه النفقات الهائلة، تلجأ الحكومة الروسية إلى مصادر تمويل متنوعة. ومن التطورات المقلقة بشكل خاص استنزاف صندوق الرعاية الاجتماعية، الذي سيتم سحب ما يعادل 4.8 مليار يورو منه في عام 2025 لسد عجز الميزانية. كان هذا الصندوق مخصصاً في الأصل لنظام التقاعد الروسي، ويمثل استنزافه المستمر عبئاً كبيراً على الضمان الاجتماعي في المستقبل.

التضخم والسياسة النقدية كعامل مكبح للنمو

تُعدّ مشكلة التضخم المستمر، الناجم عن الإنفاق الحكومي المرتبط بالحرب، من أبرز المشاكل التي تواجه الاقتصاد الروسي. ولمواجهة ارتفاع الأسعار المتسارع، رفع البنك المركزي الروسي مؤقتًا سعر الفائدة الرئيسي إلى 21%، وهو الآن عند 18%. إلا أن هذه الإجراءات الجذرية كان لها تداعيات سلبية كبيرة على القطاع الخاص.

مع ارتفاع أسعار الفائدة إلى هذا الحد، لم تعد الشركات الصغيرة والمتوسطة قادرة على تحمل تكاليف القروض. يفضل العديد من المستهلكين الاحتفاظ بأموالهم في حسابات التوفير بدلاً من إنفاقها أو استثمارها. يؤدي هذا التوجه إلى تباطؤ ملحوظ في النمو الاقتصادي خارج قطاع الدفاع، ويهدد بإطلاق موجة من حالات إفلاس الشركات التي قد تؤثر أيضاً على الشركات الكبيرة والرئيسية.

التحول الهيكلي إلى اقتصاد الحرب

أدت الحرب إلى تحول جذري في البنية الاقتصادية الروسية. فقد اضطلعت الدولة بدور محوري أكبر في الاقتصاد، وتخلت عن سياستها المالية المحافظة السابقة لصالح زيادة العجز. إلا أن هذا التحول يحمل معه مشاكل جمة.

أدى التحول الهائل للعمالة إلى صناعة الأسلحة، حيث تُدفع أجور أعلى بكثير، إلى نقص حاد في الأيدي العاملة في قطاعات أخرى من الاقتصاد. وفي الوقت نفسه، ارتفعت تكاليف الأجور والائتمان في القطاع الخاص بشكل ملحوظ. ولم تقتصر الزيادة في أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، كالزبدة والبيض، على ارتفاع الأسعار فحسب، بل شهدت أيضاً نقصاً مؤقتاً.

يكافح الاقتصاد الأوكراني من أجل البقاء

الاستقرار بعد الصدمة الأولية

أظهر الاقتصاد الأوكراني مرونةً ملحوظةً بعد الانهيار الحاد الذي شهده في السنة الأولى من الحرب. فبعد انخفاضٍ بلغ 28.8% في عام 2022، تمكن من النمو بنسبة 5.3% في عام 2023. ومن المتوقع أن يحقق نموًا يتراوح بين 2.9% و3.5% تقريبًا في عام 2024. ويُعدّ هذا الاستقرار أكثر إثارةً للإعجاب بالنظر إلى أنه تحقق في ظل ظروف حربٍ مستمرة، مع غارات جوية شبه يومية على المدن والبنية التحتية.

تكيّفت أوكرانيا بسرعة مع الواقع الجديد. نقلت الشركات إنتاجها إلى مناطق غربية ووسطى أكثر أماناً، وطوّرت طرقاً لوجستية بديلة، وتحوّلت إلى مصادر طاقة بديلة. وقد مكّنت هذه التعديلات الاقتصاد من العمل رغم استمرار الصراع.

أضرار جسيمة ناجمة عن الحرب وتدمير البنية التحتية

إن الأضرار المباشرة الناجمة عن الحرب هائلة وتتزايد باستمرار. ويُقدّر تقييم البنك الدولي للأضرار والاحتياجات أن خسائر الحرب لعام 2024 ستبلغ 155 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي الحالي لأوكرانيا. ويُقدّر إجمالي الاحتياجات لإعادة الإعمار بنحو 524 مليار دولار أمريكي على مدى عشر سنوات، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2024.

كان تدمير البنية التحتية للطاقة كارثيًا بشكل خاص. فبحلول عام 2024، لم يتبقَّ لدى أوكرانيا سوى ثلث قدرتها على إمداد الطاقة. وتحتل القوات الروسية منذ مارس/آذار 2022 أكبر محطة نووية في أوروبا، وهي محطة زابوروجيا. علاوة على ذلك، أدى احتلال شرق أوكرانيا إلى وضع جميع احتياطيات الفحم تقريبًا وجزء كبير من احتياطيات الغاز الطبيعي تحت السيطرة الروسية.

تضررت الزراعة، التي تُعد قطاعاً هاماً تقليدياً في الاقتصاد الأوكراني، بشدة أيضاً. ربع الأراضي الأوكرانية مُلغّمة ومتضررة جراء الأعمال العدائية، ومعظمها أراضٍ زراعية. انخفضت المساحات المزروعة من 28.5 مليون هكتار في عام 2021 إلى 22.5 مليون هكتار في عام 2023. ونحو نصف الآلات الزراعية لم تعد صالحة للعمل.

أزمة ديموغرافية ونقص في العمالة

تواجه أوكرانيا أزمة ديموغرافية حادة تؤثر بشكل كبير على آفاقها الاقتصادية طويلة الأجل. فقد انخفض عدد السكان بنحو 10 ملايين نسمة، أي بنسبة 25%، منذ بداية النزاع عام 2014، بما في ذلك 8 ملايين نسمة منذ بدء الغزو الروسي الشامل عام 2022. كما انخفضت القوى العاملة من 17.4 مليون عامل عام 2021 إلى حوالي 14 مليون عامل حالياً.

من المتوقع أن يتفاقم هذا الوضع. وتشير التقديرات إلى أن ما يصل إلى 100 ألف وظيفة قد تبقى شاغرة، لا سيما في القطاعات الرئيسية كالنقل والخدمات اللوجستية وتكنولوجيا المعلومات والبناء والزراعة. وبحلول عام 2033، قد يرتفع الطلب على العمالة الماهرة إلى 4.5 مليون عامل. وقد انخفض معدل المواليد إلى طفل واحد لكل امرأة، وهو الأدنى في أوروبا ومن بين الأدنى عالميًا.

إن العواقب طويلة الأمد لهذا التوجه الديموغرافي خطيرة. فحتى في السيناريوهات المتفائلة، يتوقع علماء الديموغرافيا انخفاضاً في عدد السكان بنسبة 21% بحلول عام 2052. أما في السيناريو الأكثر تشاؤماً، فقد ينخفض ​​عدد السكان بنسبة تصل إلى 31%.

التمويل من خلال المساعدات الدولية

يعتمد الاستقرار الاقتصادي لأوكرانيا بشكل كبير على الدعم الدولي، إذ يُموّل أكثر من نصف ميزانيتها العامة من الخارج. وتتوقع الميزانية العامة الأوكرانية لعام 2025 إيرادات تُقدّر بنحو 50.5 مليار يورو ونفقات تُقدّر بنحو 85 مليار يورو. ويبلغ العجز المتوقع 35.4 مليار يورو، أي ما يعادل 19.4% من الناتج المحلي الإجمالي.

يُعدّ الإنفاق على الدفاع الوطني أكبر بند في الميزانية، حيث بلغت نفقاته 48 مليار يورو، أي ما يزيد عن ربع إجمالي الناتج الاقتصادي للبلاد. وإلى جانب هذه النفقات، تلقت أوكرانيا ما متوسطه 46 مليار دولار أمريكي سنوياً كمساعدات عسكرية مباشرة بين عامي 2022 و2024.

رسّخت أوروبا مكانتها كأهم داعم لأوكرانيا. وبحلول فبراير 2025، حشدت أوروبا دعماً إجمالياً يزيد بمقدار 23.2 مليار يورو عن الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة. وقدّمت ألمانيا وحدها مساعدات لأوكرانيا بلغت نحو 44 مليار يورو منذ فبراير 2022. ومن أهم الأدوات في هذا الصدد آلية قروض منطقة الإصلاح الأوروبية، التي توفر لأوكرانيا قروضاً إجمالية بقيمة 45 مليار يورو، ممولة من عائدات الأصول الروسية المجمدة.

فعالية العقوبات الغربية

نظام عقوبات شامل

تشمل العقوبات الغربية المفروضة على روسيا حالياً 18 حزمة، وتُعدّ من بين أكثر العقوبات الاقتصادية شمولاً في التاريخ. وتستهدف هذه العقوبات قطاعات مختلفة من الاقتصاد الروسي، تشمل قطاعي الطاقة والمال، وصناعة الأسلحة، وما يُعرف بالأسطول الروسي الخفي.

في قطاع الطاقة، خُفِّض سقف سعر النفط الخام الروسي من 60 دولارًا إلى 47.60 دولارًا للبرميل. وفرض الاتحاد الأوروبي حظرًا على النفط الروسي المنقول بحرًا، ومنع استيراد المنتجات المصنعة من النفط الخام الروسي المكرر في دول أخرى. إضافةً إلى ذلك، فُرضت قيود على دخول 444 سفينة من الأسطول الروسي غير الرسمي إلى الموانئ، وحُظرت خدماتها.

في القطاع المالي، تم استبعاد 13 بنكاً إضافياً من نظام سويفت للاتصالات المالية، وحُظرت معاملات ثلاث مؤسسات مالية روسية. وجُمّدت أصول روسية بقيمة تزيد عن 300 مليار يورو.

الأثر متوسط ​​المدى للعقوبات

كان للعقوبات أثرٌ لا شك فيه، وإن لم يكن بالقدر المأمول في البداية. فقد أصبح الاقتصاد الروسي أكثر عرضةً للصدمات الخارجية بشكلٍ ملحوظ. وفي حال انخفاض عائدات التصدير، سيفتقد البنك المركزي الروسي بشدة احتياطياته المجمدة من العملات الأجنبية، ولن يكون بمقدوره فعل الكثير لمواجهة انهيار الروبل.

على المدى البعيد، ستعاني روسيا بشدة من جراء العقوبات التي جعلت البلاد بيئة غير جاذبة للمستثمرين الأجانب. حتى المستثمرون الصينيون لا يبدون حاليًا أي اهتمام بالاستثمارات طويلة الأجل في روسيا، إذ تبقى العلاقات مع الغرب أكثر أهمية. وقد أدى تأميم الحكومة الروسية للشركات الغربية إلى جعل البلاد غير جاذبة للاستثمار لفترة طويلة.

تحدي أسطول الظل

تُعدّ الأسطول الروسي الخفيّ أحد أبرز التحديات التي تواجه تطبيق العقوبات. يتألف هذا الأسطول من حوالي 650 إلى 1200 سفينة ذات هياكل ملكية غامضة، تُستخدم للتحايل على العقوبات. وخلال الأشهر الستة الماضية، نما هذا الأسطول بمعدل 30 سفينة شهرياً، أي ثلاثة أضعاف معدله المتوقع في عام 2024.

في حين كانت حوالي 20% من صادرات النفط الروسية في ربيع عام 2022 تُنقل عبر ناقلات لا تربطها خطوط نقل مباشرة بالدول الغربية، ارتفعت حصة الأسطول غير الرسمي الآن إلى ما بين 85 و90% من صادرات النفط الخام. ومنذ تطبيق سقف الأسعار، حققت روسيا ما يقارب 15 مليار يورو كإيرادات إضافية من صادرات النفط الخام عبر ناقلات الأسطول غير الرسمي.

يُعدّ تشغيل السفن في الأسطول غير الرسمي مربحًا للغاية. إذ يمكن لسفينة واحدة أن تُدرّ ما بين 30 و40 مليون دولار في عام واحد فقط، بينما تبلغ تكلفة شراء ناقلات النفط المستعملة حوالي 12 مليون دولار. وتُفسّر هوامش الربح الهائلة هذه النمو السريع للأسطول غير الرسمي على الرغم من المخاطر.

 

مركز الأمن والدفاع - المشورة والمعلومات

مركز الأمن والدفاع - الصورة: Xpert.Digital

يقدم مركز الأمن والدفاع مشورة الخبراء ومعلومات حديثة لدعم الشركات والمؤسسات بفعالية في تعزيز دورها في سياسة الأمن والدفاع الأوروبية. وبالتعاون الوثيق مع فريق عمل الدفاع التابع لمبادرة "تواصل الشركات الصغيرة والمتوسطة"، يُعنى المركز بشكل خاص بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تطوير قدراتها الابتكارية وتنافسيتها في قطاع الدفاع. وبصفته نقطة اتصال مركزية، يُشكل المركز جسراً حيوياً بين الشركات الصغيرة والمتوسطة واستراتيجية الدفاع الأوروبية.

ذو صلة بهذا الموضوع:

 

التركيبة السكانية، والنمو، والتكاليف: العواقب طويلة الأجل للحرب على كلا البلدين

استراتيجيات وتدابير للمثابرة

استراتيجيات التكيف الروسية

طوّرت روسيا استراتيجيات متنوعة للتخفيف من الأثر الاقتصادي للحرب والعقوبات. ولعلّ أهمّها التحوّل المذكور آنفاً إلى اقتصاد حربي مع استثمارات حكومية ضخمة في الصناعات الدفاعية. إلا أن هذه السياسة العسكرية الكينزية قد بلغت حدودها، وتؤدي إلى تشوّهات هيكلية.

لتمويل الحرب، وضعت روسيا خطة تمويل سرية للغاية. فمنذ فبراير/شباط 2022، تستحوذ الدولة على قروض متعلقة بالحرب من البنوك الروسية بموجب تشريع خاص. وتحدد الحكومة الروسية شروط هذه القروض، التي تُحوّل بدورها إلى الشركات المنتجة للمعدات الحربية. وتُعدّ هذه النفقات الخفية سببًا رئيسيًا لارتفاع التضخم وما يترتب عليه من ارتفاع أسعار الفائدة.

ومن العناصر المهمة الأخرى زيادة التعاون الاقتصادي مع الصين ودول أخرى غير غربية. فقد حوّلت الحرب روسيا إلى اقتصاد أكثر انغلاقاً، وأكثر اعتماداً على الصين. ويتيح هذا التوجه الجديد إمكانية الحصول على التقنيات والسلع الغربية بشكل غير مباشر، وتطوير أسواق بديلة للمواد الخام.

استراتيجيات البقاء على قيد الحياة في أوكرانيا

أجرت أوكرانيا تعديلات ملحوظة للحفاظ على استمرار اقتصادها في ظل ظروف الحرب. وتتمثل أهم استراتيجياتها في إعادة توزيع النشاط الاقتصادي مكانياً. فمنذ عام 2014، بدأت القدرات الإنتاجية بالانتقال من المناطق الشرقية إلى المناطق الغربية والوسطى، وهي عملية تسارعت وتيرتها بعد الغزو الشامل عام 2022.

طوّرت الشركات مسارات لوجستية جديدة لتجاوز إغلاق طرق التجارة التقليدية. وقد حسّن الممر البحري الأوكراني الخدمات اللوجستية، على الرغم من أنه من المتوقع أن تظل الصادرات ضعيفة في عام 2025. كما تحوّلت العديد من الشركات إلى مصادر طاقة بديلة وطوّرت أنظمة طاقة لامركزية لتكون أقل عرضة للهجمات على البنية التحتية المركزية للطاقة.

يُعدّ تعبئة الموارد الداخلية جانباً بالغ الأهمية. فعلى الرغم من الحرب، حافظ الاقتصاد على مستوى استثماري مرتفع بشكل ملحوظ، بمعدلات نمو سنوية تتراوح بين 10 و50 بالمئة. وتتجاوز هذه الأرقام بكثير معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، ما يدل على إيمان راسخ بحماية الوطن والسلام.

تدابير الدعم الدولية

لقد وضع المجتمع الدولي تدابير دعم واسعة النطاق لأوكرانيا. فبالإضافة إلى المساعدات المالية والعسكرية المباشرة، تم استحداث آليات تمويل مبتكرة. وتستخدم آلية قروض إعادة الإعمار الأوروبية عائدات الأصول الروسية المجمدة لتمويل الدفاع الأوكراني وإعادة الإعمار.

وُضعت بالفعل خطط ملموسة لإعادة الإعمار. تُقدّر أوكرانيا التكلفة الإجمالية بأكثر من 850 مليار يورو على مدى 14 عامًا. وسيتم توفير التمويل من خلال صندوقين: صندوق أوكراني تديره كييف برأس مال يزيد عن 460 مليار يورو من أصول روسية مصادرة، وصندوق ثانٍ برأس مال يقارب 400 مليار يورو من استثمارات خاصة.

اضطلعت أوروبا بدور ريادي في تقديم الدعم. فقد أطلقت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا، بالتعاون مع المفوضية الأوروبية وبنك الاستثمار الأوروبي، الصندوق الأوروبي الرائد لإعادة إعمار أوكرانيا. ويهدف الصندوق، برأس مال مبدئي قدره 220 مليون يورو، إلى حشد نحو 500 مليون يورو بحلول عام 2026.

ذو صلة بهذا الموضوع:

التوقعات الاقتصادية والآثار طويلة الأجل

التوقعات الاقتصادية الروسية

تتسم التوقعات بشأن التنمية الاقتصادية الروسية بالتشاؤم المستمر. تتوقع المعاهد الدولية نموًا يتراوح بين 1.0 و2.0 بالمئة فقط بحلول عام 2025، مقارنةً بنسبة 4.1 بالمئة في العامين السابقين. بل إن معهد كيل للاقتصاد العالمي يتوقع نموًا بنسبة 1.5 بالمئة فقط لعام 2025 و0.8 بالمئة لعام 2026. أما صندوق النقد الدولي فهو أكثر تشاؤمًا، إذ يتوقع نموًا بنسبة 0.9 بالمئة فقط لعام 2025.

يعود هذا التباطؤ في المقام الأول إلى تجميد السياسة النقدية بشكل حاد من قبل البنك المركزي الروسي. فارتفاع أسعار الفائدة، التي تبلغ حاليًا 18%، يخنق الاقتصاد لأن القروض أصبحت باهظة التكلفة، ويهدد بموجة من حالات الإفلاس، قد تؤثر حتى على الشركات الكبرى.

على المدى البعيد، سيتراجع النمو الاقتصادي الروسي أكثر فأكثر عما كان بإمكان البلاد تحقيقه لولا الحرب والعقوبات. وبالنظر إلى النمو الاقتصادي المحتمل الضائع، قد تكلف الحرب روسيا 1.3 تريليون دولار، إذا ما تم استقراء النمو المتوقع بحلول عام 2026.

التوقعات الاقتصادية الأوكرانية

التوقعات قصيرة الأجل لأوكرانيا ضعيفة أيضاً، إذ يُتوقع نمو اقتصادي بنحو 2% فقط في عام 2025 مقارنةً بالعام السابق. بل ويتوقع معهد فيينا للدراسات الاقتصادية الدولية مزيداً من التدهور في التوقعات الاقتصادية، ويعود ذلك أساساً إلى تدمير البنية التحتية الحيوية وتفاقم نقص العمالة.

حتى في ظلّ التوقعات المتفائلة، من المتوقع أن يكون الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2025 أقل بنحو 20% من مستواه قبل الحرب في عام 2021. ولا يُتوقع العودة إلى مستويات ما قبل الحرب قبل عام 2033 على أقرب تقدير. وبشكل عام، من المتوقع أن يظل الاقتصاد الأوكراني أقل بنسبة 17% من مستواه قبل الحرب بالقيمة الحقيقية في عام 2026.

لكن العواقب طويلة الأمد أشد خطورة. ستُشكّل الأزمة الديموغرافية ملامح أوكرانيا لعقود قادمة. فقد انخفض عدد السكان من 51.9 مليون نسمة عام 1991 إلى حوالي 37.6 مليون نسمة عام 2023. وإذا اقتصرنا على المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، فإن الرقم ينخفض ​​أكثر، ليصل إلى 32.6 مليون نسمة فقط.

إعادة الإعمار كفرصة

على الرغم من التحديات الهائلة، فإن إعادة إعمار أوكرانيا المخطط لها توفر أيضاً فرصاً للتنمية الاقتصادية المستدامة. وتعتمد مفاهيم إعادة الإعمار بشكل كبير على الطاقات المتجددة والتقنيات الخضراء. وتطمح مدن مثل تروستيانيتس في منطقة سومي إلى أن تصبح مدناً نموذجية خضراء، وأن تحوّل إمداداتها من الطاقة بالكامل إلى مصادر متجددة.

تتمتع أوكرانيا بإمكانيات كبيرة لتوطين القدرات الإنتاجية في سلاسل القيمة الخضراء، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتكنولوجيا البطاريات. ويمكن أن يُسهم الجمع بين المواد الخام المحلية والقوى العاملة الماهرة والطلب الأوروبي في الانتعاش الاقتصادي والاندماج في سلاسل التوريد الأوروبية.

أعلن البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير عن آلية للحد من مخاطر الطاقة المتجددة في أوكرانيا، مصممة لحماية المستثمرين من تقلبات أسعار الكهرباء في السوق الأوكرانية. وتُعدّ هذه الأدوات بالغة الأهمية لحشد الاستثمارات الخاصة في عملية إعادة الإعمار.

المرونة الاقتصادية لكلا البلدين

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يُظهر كلا الاقتصادين مرونةً، إلى جانب نقاط ضعف هيكلية. استفادت روسيا في البداية من طفرة اقتصادية ناجمة عن الحرب، لكنها تواجه الآن مشاكل هيكلية كبيرة. وقد عزز التحول إلى اقتصاد الحرب النمو على المدى القصير، ولكنه أعاق أهداف النمو على المدى الطويل، وأحدث خللاً في الاقتصاد.

أظهرت أوكرانيا قدرة ملحوظة على التكيف بعد الصدمة الأولية، ونجحت في استقرار اقتصادها. ومع ذلك، لا تزال تعتمد بشكل كبير على الدعم الدولي، وتواجه تحديات ديموغرافية وبنيوية هائلة.

يستطيع كلا البلدين تحمل تكاليف الحرب اقتصادياً لبعض الوقت، وإن كان ذلك بتكاليف متفاوتة للغاية. تمتلك روسيا احتياطيات مالية أكبر، لكنها تعاني من التشوهات الهيكلية لاقتصاد الحرب وتزايد عزلتها الدولية. أما أوكرانيا فهي أكثر عرضة للخطر، لكنها تتلقى دعماً دولياً مستمراً، وقد كيّفت اقتصادها بالفعل مع ظروف الحرب.

على المدى البعيد، ستُكبّد الحرب كلا البلدين تكاليف باهظة. بالنسبة لروسيا، يعني ذلك عزلة متزايدة عن الاقتصاد العالمي ومشاكل هيكلية ستستمر لسنوات بعد انتهاء الحرب. أما بالنسبة لأوكرانيا، فالأمر لا يقل أهمية عن إعادة بناء البلاد بالكامل في ظل ظروف ديموغرافية واقتصادية جديدة كلياً. وسيكون الدعم الدولي حاسماً ليس فقط لتحقيق الاستقرار في أوكرانيا، بل أيضاً لتحديثها بشكل مستدام.

 

شريكك العالمي في التسويق وتطوير الأعمال

☑️ لغة أعمالنا هي الإنجليزية أو الألمانية

☑️ جديد: مراسلات بلغتك الأم!

 

Konrad Wolfenstein

يسعدني أنا وفريقي أن نكون متاحين لكم بصفتنا مستشاركم الشخصي.

يمكنكم التواصل معي عبر ملء نموذج الاتصال هنا مباشرةً الاتصال بي +49 7348 4088 965. عنوان بريدي الإلكتروني هو wolfenstein@xpert.digital:أو

أتطلع إلى مشروعنا المشترك.

 

 

☑️ دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في مجالات الاستراتيجية والاستشارات والتخطيط والتنفيذ

☑️ إنشاء أو إعادة تنظيم الاستراتيجية الرقمية والتحول الرقمي

☑️ توسيع وتحسين عمليات المبيعات الدولية

☑️ منصات التداول العالمية والرقمية بين الشركات

☑️ تطوير الأعمال الرائدة / التسويق / العلاقات العامة / المعارض التجارية

اترك نسخة الجوال