ازدهار صناعة الأسلحة في ألمانيا: لماذا لم يعد الأمن والاقتصاد عالمين منفصلين؟
إصدار تجريبي من إكسبرت
Available in 27 languages 📢
فضّل استخدام Xpert.Digital على جوجلⓘتاريخ النشر: ١٩ أبريل ٢٠٢٦ / تاريخ التحديث: ١٩ أبريل ٢٠٢٦ - المؤلف: Konrad Wolfenstein
صندوق بقيمة 500 مليار دولار: لماذا ستكون إعادة التسلح أكبر برنامج تحفيز اقتصادي على الإطلاق؟
نهاية عائد السلام: لماذا لا يستطيع اقتصادنا البقاء بدون أسلحة
5% للقوات المسلحة الألمانية؟ ماذا تعني خطة الناتو الجديدة للاقتصاد الألماني؟
لعقود طويلة، كان يُنظر إلى الأمن والاقتصاد في ألمانيا على أنهما عالمان منفصلان تمامًا: الاستراتيجيات الجيوسياسية والجيش الألماني من جهة، وموازين الصادرات والتجارة الحرة والتنمية الصناعية من جهة أخرى. لكن الحرب في أوروبا، وهشاشة سلاسل التوريد العالمية، والمنافسة الشرسة بين القوى العظمى، كلها عوامل تُجبر على إعادة النظر جذريًا في هذا الوضع. لم يعد التسلح مجرد ضرورة عسكرية، بل أصبح أكبر برنامج تحفيز اقتصادي في تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية الحديثة. ومع احتمال ارتفاع الإنفاق الدفاعي إلى ما يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط، فإن الاقتصاد المحلي مُهيأ لاكتساب مئات الآلاف من فرص العمل الجديدة وتحقيق نمو هائل. في الوقت نفسه، تتزايد عمليات دمج التقنيات المدنية والعسكرية في ما يُسمى بقطاع "الاستخدام المزدوج". يُظهر هذا التحول النموذجي أن السيادة التكنولوجية والقدرة الدفاعية أصبحتا الآن حجر الزاوية في استدامة اقتصادنا. إن أي شخص يتجاهل هذا التغيير لا يُخاطر فقط بالضعف العسكري، بل يُخاطر أيضًا بازدهاره.
من الذكاء الاصطناعي إلى الدبابات: كيف تُغيّر صناعة الأسلحة اقتصادنا بأكمله
المنطق الجديد للقرن الحادي والعشرين: التسلح سياسة صناعية
لعقود طويلة، كان الفصل المفاهيمي بين السياسة الأمنية والسياسة الاقتصادية شبه مؤسسي في ألمانيا. فمن جهة، كان هناك الجيش الألماني (البوندسفير)، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والمفاهيم الجيوسياسية المجردة؛ ومن جهة أخرى، موازين الصادرات، ونتائج العمليات، والترويج الصناعي. وكان يُنظر إلى كل من يحاول الربط بين هذين المجالين إما على أنه عسكري أو مثالي ساذج. لقد ولّى ذلك العصر. فقد فرض الغزو الروسي لأوكرانيا، وزعزعة استقرار سلاسل التوريد العالمية، وتنافس القوى العظمى، وعدم موثوقية الولايات المتحدة المتنامية، إدراكًا جوهريًا: السياسة الأمنية هي في جوهرها سياسة اقتصادية أيضًا، والعكس صحيح. ومن يتجاهل هذا يدفع ثمنًا باهظًا: ثمن الضعف العسكري، وثمن التبعية الاقتصادية.
الأرقام تتحدث عن نفسها. فمنذ عام 2024، حققت ألمانيا بوضوح هدف حلف الناتو المتمثل في تخصيص 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، حيث تنفق حاليًا 2.4% منه. وفي قمة الناتو التي عُقدت في لاهاي في يونيو 2025، التزمت الدول الأعضاء في الحلف بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، موزعة كالتالي: 3.5% للإنفاق الدفاعي البحت، كالمعدات والأسلحة والتجهيزات، و1.5% إضافية للبنية التحتية الضرورية عسكريًا، كالسكك الحديدية والطرق والجسور، فضلًا عن الأمن السيبراني وشبكات الطاقة ومشاريع تكنولوجيا المعلومات. هذا ليس اتفاقًا سياسيًا نظريًا، بل هو أكبر برنامج تحفيز اقتصادي حكومي في تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية الحديثة.
الإنفاق الدفاعي كمحرك اقتصادي: أرقام مقنعة
إن التداعيات الاقتصادية لهذا التحول الجذري هائلة. يُظهر تحليل مشترك أجرته شركة الاستشارات EY-Parthenon وبنك DekaBank أن دول حلف شمال الأطلسي الأوروبية ستزيد إنفاقها الدفاعي المباشر خلال السنوات العشر القادمة إلى 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي، أي ما يعادل نفقات سنوية تبلغ حوالي 770 مليار يورو. ومن بين ما يقارب 217 مليار يورو التي ستُضخ سنويًا في قطاع الدفاع، ستستحوذ ألمانيا على نحو 32 مليار يورو، أي ما يقارب 15% من إجمالي الميزانية الأوروبية.
سيُحفز هذا المبلغ وحده نموًا اقتصاديًا ملحوظًا في ألمانيا. فبحسب دراسة أجرتها مؤسسة إرنست ويونغ بالتعاون مع بنك ديكا، ستؤمّن هذه الطفرة الاستثمارية وتُنشئ ما يصل إلى 360 ألف وظيفة صناعية في ألمانيا، وترفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.7% بحلول عام 2029. بل إنّ الأثر المضاعف للاقتصاد الكلي أكثر أهمية: فكل يورو يُدرّه قطاع الصناعات الدفاعية، وفقًا لحسابات الدراسة، يُحفّز نحو 2.70 يورو من الناتج الاقتصادي الإضافي في أوروبا، وذلك من خلال الموردين ومقدمي الخدمات ومعاهد البحوث والآثار الجانبية التكنولوجية. وكان معهد كيل للاقتصاد العالمي قد توقع بالفعل، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن مطلع عام 2025، أن زيادة الإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي من أقل من 2% إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي قد تُتيح نموًا اقتصاديًا إضافيًا يصل إلى 1.5%، شريطة أن تُوجّه الاستثمارات في المقام الأول إلى الإنتاج الأوروبي.
هذا الازدهار واضحٌ بالفعل في ميزانيات الشركات. فقد سجلت شركة راينميتال أعلى إيراداتها في تاريخها عام 2024، حيث بلغت 9.8 مليار يورو، بزيادة قدرها 36% مقارنةً بالعام السابق. كما زادت شركة إيرباص للدفاع والفضاء إيراداتها إلى 4.5 مليار يورو. وحققت شركة تيسن كروب للأنظمة البحرية إيرادات بلغت حوالي 2.1 مليار يورو، بزيادة قدرها 16.7% مقارنةً بالعام السابق. ويؤكد خبير الدفاع كلاوس هاينر روهل من المعهد الاقتصادي الألماني أن الازدهار الحقيقي لم يأتِ بعد.
السيادة التكنولوجية كهدف للسياسة الاقتصادية
لكن البُعد الاقتصادي للسياسة الأمنية لا يقتصر على عقود الأسلحة وأرقام التوظيف، بل يمس مسائل جوهرية تتعلق بالجدوى الاقتصادية في ظل نظام عالمي متفكك. وقد تناولت الاستراتيجية الأوروبية للأمن الاقتصادي، التي اعتمدتها المفوضية الأوروبية في يونيو/حزيران 2023، هذا الترابط بشكل صريح: فقد أظهرت الأزمات العالمية، من جائحة كوفيد-19 وأزمات الطاقة إلى التوترات الجيوسياسية، أن التبعيات الاقتصادية قد تُشكل مخاطر أمنية. فسلاسل التوريد، والحصول على المواد الخام، وإمدادات أشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية، لم تعد مجرد قضايا تجارية، بل أصبحت مسائل أمن قومي.
تواجه ألمانيا وضعاً بالغ التعقيد. فباعتبارها اقتصاداً موجهاً نحو التصدير، يرتبط الاقتصاد الألماني ارتباطاً وثيقاً بالولايات المتحدة والصين، وسيشعر بوضوح بتداعيات فصل قطاعي التكنولوجيا والتجارة، كما يشير المجلس الألماني للعلاقات الخارجية (DGAP) في تحليله للأمن الاقتصادي في أوقات التوتر الجيوسياسي. وفي الوقت نفسه، يستلزم الوضع الأمني إعادة هيكلة جذرية للاستعداد الدفاعي، مع زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، كما يؤكد مايكل هوثر من معهد كولونيا للأبحاث الاقتصادية.
يواجه وزير الشؤون الاقتصادية الاتحادي الألماني ونظراؤه الأوروبيون تحديًا استراتيجيًا: عليهم تقليل الاعتماد الاقتصادي دون المخاطرة بالعزلة التجارية، وبناء القدرة على الصمود دون التضحية بالكفاءة، وتوجيه الاستثمارات الدفاعية بما يضمن استفادة الاقتصادات الأوروبية منها، وعدم توجيهها في المقام الأول كتحويلات مالية إلى مصنعي الأسلحة الأمريكيين. وتشير تقديرات غولدمان ساكس إلى أن الإنفاق الدفاعي الإضافي على مدى عامين له مضاعف مالي قدره 0.5، أي أن إنفاق 100 يورو على الدفاع يُولّد 50 يورو إضافية من الناتج الاقتصادي. إلا أن هذا التأثير يزداد بشكل ملحوظ إذا تمت عمليات الشراء في أوروبا.
مركز الأمن والدفاع - المشورة والمعلومات
يقدم مركز الأمن والدفاع مشورة الخبراء ومعلومات حديثة لدعم الشركات والمؤسسات بفعالية في تعزيز دورها في سياسة الأمن والدفاع الأوروبية. وبالتعاون الوثيق مع فريق عمل الدفاع التابع لمبادرة "تواصل الشركات الصغيرة والمتوسطة"، يُعنى المركز بشكل خاص بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تطوير قدراتها الابتكارية وتنافسيتها في قطاع الدفاع. وبصفته نقطة اتصال مركزية، يُشكل المركز جسراً حيوياً بين الشركات الصغيرة والمتوسطة واستراتيجية الدفاع الأوروبية.
ذو صلة بهذا الموضوع:
بين الأعمال التجارية والدفاع: عصر الابتكارات ذات الاستخدام المزدوج
الاستخدام المزدوج: دمج الابتكار المدني والعسكري
يُعدّ عالم ما يُسمى بالتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، أي السلع والتقنيات والبرمجيات التي يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية على حد سواء، واجهةً استراتيجيةً بالغة الأهمية بين الأمن والسياسة الاقتصادية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حدّثت المفوضية الأوروبية الملحق الأول من لائحة الاتحاد الأوروبي بشأن الاستخدام المزدوج، ما أخضع العديد من المجالات التقنية الجديدة للرقابة، بدءًا من الحوسبة الكمومية وتقنيات أشباه الموصلات وصولًا إلى التصنيع الإضافي والتكنولوجيا الحيوية.
وراء هذا الإجراء التنظيمي منطق استراتيجي أعمق. لم يعد الفصل بين الابتكار المدني والعسكري مقبولاً في القرن الحادي والعشرين. تُظهر تجارب صناعة الطائرات المسيّرة الأوكرانية مدى سرعة نقل الابتكارات المدنية إلى التطبيقات العسكرية، وكيف تعزز دورات التعلم التشغيلي والإنتاج بعضها بعضاً. تُدمج الشركات بشكل متزايد الذكاء الاصطناعي وأساليب التصنيع التجارية ونماذج الشركات الناشئة في التطبيقات العسكرية، وهو ما يُمثل قطيعة جذرية مع الفصل التقليدي بين القطاعين المدني والعسكري. بالنسبة للسياسة الاقتصادية الألمانية، يعني هذا أن أي جهة تستثمر في تقنيات رئيسية مثل الحوسبة الكمومية وأشباه الموصلات والروبوتات والأنظمة ذاتية التشغيل، تسعى في الوقت نفسه إلى تحقيق سياسة أمنية.
يتطلب هذا إعادة نظر في التنمية الاقتصادية. ويُوفر صندوق التحديث البالغ 500 مليار يورو، الذي أقرته الحكومة الاتحادية برئاسة المستشار فريدريش ميرز بعد إصلاح نظام كبح الدين، الإطار المالي اللازم لذلك. وإذا ما استُخدم هذا التمويل بحكمة، فإنه لا يُمكنه تحديث القوات المسلحة الألمانية فحسب، بل يُمكنه أيضاً تعزيز القاعدة التكنولوجية للاقتصاد الألماني، من خلال استثمارات في البنية التحتية للسكك الحديدية، والجسور، وأنظمة الأمن السيبراني، وشبكات الطاقة، والبنية التحتية الرقمية التي تخدم أغراضاً عسكرية ومدنية على حد سواء.
تحول السيادة الأوروبية: بنية جيوسياسية جديدة تتبلور
على المستوى الأوروبي، يتزايد الإجماع على أن البنية الأمنية الحالية لم تعد كافية. وفي البرلمان الأوروبي، ثمة اتفاق واسع على أن "قوسًا من عدم الاستقرار" قد تشكل حول أوروبا، حيث حلت المنافسة والحمائية محل التعاون والتجارة الحرة. وتعمل الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، على وضع استراتيجية أمنية جديدة تغطي جميع أبعاد الأمن الأوروبي، من الأمن العسكري والدفاع إلى الأمن الاقتصادي والتأهب. ويُعد هذا التطور تاريخيًا، إذ تُدرك أوروبا أن قوتها الاقتصادية لا يُمكن الدفاع عنها على المدى الطويل دون امتلاك قدرة مُوازية على سياسة أمنية فعّالة.
بحلول عام 2035، سيبلغ إجمالي الاستثمارات الدفاعية المباشرة من قبل الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو ما يقارب 2.2 تريليون يورو، وهو السبيل الوحيد لتحقيق أهداف التجهيز والتعويض عن الخسائر المحتملة للأنظمة الأمريكية. ويمثل هذا المبلغ الضخم أيضاً أكبر برنامج تحفيز اقتصادي اعتمدته أوروبا على الإطلاق. وتتجاوز آثار النمو قطاع الصناعات الدفاعية، إذ تُولّد هذه الاستثمارات السنوية ما يقارب 40 مليار يورو من القيمة المضافة الإجمالية في قطاع الدفاع الأوروبي، بالإضافة إلى 109 مليارات يورو أخرى تُضخ في سلسلة التوريد وقطاعات أخرى.
اختبار المخاطر الجيوسياسية: ما هو على المحك؟
تتجلى ضرورة هذا التحول في ظل المخاطر الجيوسياسية الراهنة. ويبرز ثلاثة مخاطر على وجه الخصوص، كما يحلل ستيفان ماير من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP): هزيمة أوكرانيا في الحرب مع روسيا، وسحب الضمانات الأمنية الأمريكية، وتصعيد التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين. وستكون لهذه السيناريوهات الثلاثة عواقب اقتصادية فورية وخطيرة على ألمانيا وأوروبا.
يؤكد البنك المركزي الألماني هذا التقييم في بحثه الخاص: فالمخاطر الجيوسياسية المتزايدة في الدول الشريكة تجارياً تزيد من التكاليف وتُضعف الواردات وتُعطّل سلاسل التوريد. كما أنها تُعزز تجزئة التجارة العالمية، مع كون المخاطر المتعلقة بالصين بالغة الأهمية. وتتأثر ألمانيا، باعتبارها واحدة من أبرز الاقتصادات المُصدّرة في العالم، بهذا التجزئة بشكل خاص. ولن يُلحق ضعف النظام التجاري العالمي ضرراً أكبر بأي اقتصاد من تلك التي تعتمد على الأسواق المفتوحة وسلاسل التوريد المستقرة.
من الجاهزية الدفاعية إلى المرونة الاقتصادية
لذا، فإن الاستنتاج الحاسم في السياسة الاقتصادية ليس أن الإنفاق العسكري مرغوب فيه بحد ذاته، بل هو استنتاج أكثر دقة وطويل الأمد: فالدولة القادرة على ردع القوى الأجنبية بشكل فعّال لا تحمي سلامة أراضيها فحسب، بل تحمي مصالحها الاقتصادية أيضاً. فهي تؤمن طرق التجارة، وتحمي البنية التحتية الحيوية، وتحافظ على الوصول إلى أسواق الموارد، وتمنع الابتزاز الاقتصادي من قبل الجهات الاستبدادية. لقد استنفدت أوروبا ثمار السلام في العقود الأخيرة - انخفاض الإنفاق الدفاعي، والتكامل التجاري العالمي، والطاقة الرخيصة من روسيا. وقد نفدت هذه الثمار.
تعكس ميزانية الاتحاد الأوروبي لعام 2026 هذا الواقع الجديد: إذ يرتفع الإنفاق المخطط له على الأمن والدفاع بنحو 200 مليون يورو ليصل إلى ما يزيد قليلاً عن 2.8 مليار يورو، مع تخصيص نحو 230 مليون يورو إضافية للهجرة وإدارة الحدود. قد تبدو هذه المبالغ متواضعة، لكنها تشير إلى إعادة ترتيب جذرية للأولويات. وبصفتها أكبر مساهم صافٍ في الاتحاد، تُقدّم ألمانيا ما يقارب ربع تمويل الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه تستفيد من السوق الموحدة أكثر من أي اقتصاد أوروبي آخر.
لذا، فإن المبدأ الأساسي للسياسة الاقتصادية في العقد القادم هو التالي: الاستثمارات في السياسة الأمنية ليست مجرد استهلاك، بل هي بنية تحتية أساسية للنجاح الاقتصادي. وكل من يعتبر الطرق والسكك الحديدية والجسور ذات أهمية اقتصادية، عليه أن ينظر إلى الأمن السيبراني والقدرات الدفاعية والاحتياطيات الاستراتيجية بنفس النظرة. لقد كان الفصل بين هذه المجالات ترفًا تاريخيًا تمتعت به ألمانيا وأوروبا في حقبة ما بعد الحرب الباردة. أما في عالم عام 2026، فقد أصبح هذا الترف باهظ الثمن.
الفرص والمخاطر المترتبة على ديناميكيات التسلح الجديدة
من غير الدقيق وصف البُعد الاقتصادي للسياسة الأمنية بأنه مجرد فرصة. فالمخاطر حقيقية. إذ يمكن أن تؤدي الزيادات الهائلة في الإنفاق الدفاعي إلى آثار سلبية: فإذا ما تدفقت الأموال العامة إلى التسلح، فقد تُهمل قطاعات أخرى كالتعليم والبحث العلمي وحماية المناخ والبنية التحتية الاجتماعية. ورغم أن المضاعف المالي للإنفاق الدفاعي إيجابي، إلا أنه عادةً ما يكون أقل من المضاعف المالي للاستثمارات في التعليم أو البنية التحتية. كما أن ازدهار صناعة الأسلحة قد يجذب العمالة الماهرة بعيدًا عن القطاعات الإنتاجية الأخرى.
يُضاف إلى ذلك خطر الاعتماد على المسار الاستراتيجي: فالاقتصادات التي تُركّز ابتكاراتها بشكل متزايد على التطبيقات العسكرية تُخاطر بفقدان قدرتها التنافسية في القطاع المدني. وتُعدّ الولايات المتحدة مثالًا تحذيريًا في هذا الصدد، فهي تمتلك قوة عسكرية هائلة، لكنها تُظهر ضعفًا متزايدًا في الصناعة المدنية. لذا، يجب على أوروبا وألمانيا أن تُتابعا بجدية نهج الاستخدام المزدوج: يجب تصميم الاستثمارات التكنولوجية لدفع عجلة الابتكار العسكري والمدني على حد سواء. وهذا من شأنه أن يضمن عودة عائدات الدفاع إلى الاقتصاد ككل.
إن إدراك أن السياسة الأمنية هي في جوهرها سياسة اقتصادية ليس دعوةً لعسكرة الاقتصاد، بل هو دعوةٌ إلى التعقل: التعقل تجاه سذاجة عقود من مكاسب السلام، والتعقل تجاه إغراء السعي وراء التسلح كغاية في حد ذاته، والتعقل تجاه تعقيد عالمٍ تتداخل فيه القوة الاقتصادية والمصداقية العسكرية. من يفهم هذا التفاعل يتصرف بحكمة، ومن يتجاهله سيدفع ثمناً باهظاً عاجلاً أم آجلاً.
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
رئيس قسم تطوير الأعمال
رئيس فريق عمل الدفاع التابع لشبكة الشركات الصغيرة والمتوسطة
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
التواصل معي عبر wolfenstein ∂ xpert.digital
اتصل بي على الرقم +49 7348 4088 965 .





















