
343 مليار يورو إنفاق الاتحاد الأوروبي على الدفاع – نقطة تحول تاريخية في سياسة الدفاع الأوروبية – الصورة: Xpert.Digital
أكثر من مجرد أسلحة: كيف تُرسّخ أوروبا استقلالها الاستراتيجي من خلال إنفاق قياسي
هدف الـ 2% أصبح من الماضي: لماذا يواجه الجيش الأوروبي الآن أكبر تحول له منذ عقود؟
منذ الحرب العدوانية الروسية على أوكرانيا، يشهد الاتحاد الأوروبي تحولاً جذرياً في سياسته الدفاعية. فقد بلغ الإنفاق العسكري للدول الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي مستوى قياسياً بلغ 343 مليار يورو في عام 2024، مسجلاً زيادة هائلة بنسبة 19% مقارنة بالعام السابق. ويمثل هذا التطور إعادة توجيه جوهرية لاستراتيجية الأمن الأوروبي، وتوجهاً حثيثاً نحو بناء قدرة دفاعية مستقلة.
وثّقت وكالة الدفاع الأوروبية في تقريرها السنوي الأخير مرحلةً غير مسبوقة من إعادة التسلح، شملت جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وبلغ الإنفاق في عام 2024 نسبة 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي، مقترباً بذلك بشكل ملحوظ من هدف حلف الناتو البالغ 2%. وتتوقع الوكالة زيادةً إضافيةً في عام 2025 لتصل إلى 381 مليار يورو، متجاوزةً بذلك نسبة 2% لأول مرة، ومعادلةً 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي.
القوى الدافعة وراء إعادة تسليح أوروبا
يعود الارتفاع الكبير في الإنفاق الدفاعي بالدرجة الأولى إلى تغير طبيعة التهديدات منذ فبراير 2022. وتؤكد كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي والمعروفة بانتقادها اللاذع للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على ضرورة الاستثمار المستمر لحماية سكان أوروبا. وتستخدم أوروبا جميع الأدوات المالية والسياسية المتاحة لدعم الدول الأعضاء والشركات الأوروبية في هذا المسعى.
تجسد كالاس، رئيسة وزراء إستونيا السابقة، والتي تُولي اهتماماً خاصاً للتهديد الروسي، العزم الجديد للاتحاد الأوروبي. وهي تُحذر بشدة من خطر تراجع الدعم لأوكرانيا، وتدعو دول الناتو إلى تقديم أقصى قدر من المساعدة العسكرية. وتؤمن بأن الهدف الأسمى ليس السلام، بل منع تكرار العدوان الروسي.
يُعدّ هذا التطور لافتًا للنظر بشكل خاص في الاستثمارات الدفاعية، التي تجاوزت حاجز 100 مليار يورو لأول مرة في عام 2024، لتصل إلى 106 مليارات يورو، بزيادة قدرها 42% مقارنةً بعام 2023. ويمثل هذا 31% من إجمالي الإنفاق الدفاعي، وهي أعلى نسبة منذ أن بدأت وكالة الدفاع الأوروبية بجمع البيانات. وفي الوقت نفسه، ارتفع الإنفاق على البحث والتطوير بنسبة 20% ليصل إلى 13 مليار يورو.
التحديات الهيكلية للدفاع الأوروبي
على الرغم من الزيادات الكبيرة، يواجه الاتحاد الأوروبي مشاكل هيكلية جوهرية. يُعيق تشتت منظومة الدفاع الأوروبية كفاءة القوات المسلحة وقابليتها للتشغيل البيني. ويؤكد أندريه دينك، الرئيس التنفيذي الجديد لوكالة الدفاع الأوروبية وأول مسؤول عسكري رفيع المستوى يشغل هذا المنصب، على ضرورة تحسين التنسيق. وتستمر الحكومات الوطنية الـ 27 في اتخاذ قرارات شراء مستقلة، مما ينتج عنه تعدد أنظمة الأسلحة المختلفة ويؤثر سلبًا على كل من قابلية التشغيل البيني والفعالية من حيث التكلفة.
يتمتع اللواء الألماني دينك، الذي تولى منصبه في مايو 2025، بخبرة عملياتية واسعة اكتسبها من خلال مشاركته في عمليات عسكرية دولية في البوسنة والهرسك وأفغانستان ومالي. ويرمز تعيينه إلى التركيز العسكري المتزايد في سياسة الدفاع الأوروبية، وإلى الحاجة إلى الخبرة العملية والتشغيلية.
تُشير دراسة وكالة الدفاع الأوروبية إلى وجود ثغرات كبيرة في القدرات في مجالات حيوية كالدفاع الجوي، وأنظمة المدفعية، والدفاع ضد الطائرات المسيّرة، وقدرات الدعم الاستراتيجي. ويُعدّ انخفاض القدرة الإنتاجية الأوروبية للذخيرة وغيرها من معدات الدفاع الحيوية مشكلةً بالغة الأهمية، إذ شكّل عائقاً خطيراً خلال فترة دعم أوكرانيا.
الرد الأوروبي على اقتصاد الحرب الروسي
يتجاوز الإنفاق العسكري الروسي حاليًا إجمالي ميزانيات الدفاع الأوروبية مجتمعة. ففي عام 2024، أنفقت روسيا ما يُقدّر بنحو 145.9 مليار دولار على الدفاع، أي ما يعادل حوالي 6.7 إلى 7 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي. وبعد تعديل الإنفاق وفقًا لتعادل القوة الشرائية، بلغ الإنفاق الروسي 462 مليار دولار، متجاوزًا بذلك الإنفاق الأوروبي البالغ 457 مليار دولار.
أعلن الرئيس بوتين عن زيادة جذرية أخرى في الإنفاق العسكري بنسبة 30% ليصل إلى 13.5 تريليون روبل بحلول عام 2025، أي ما يعادل حوالي 130 مليار يورو. تُظهر هذه الأرقام حجم اقتصاد الحرب الروسي، حيث أقر بوتين نفسه بأن تخصيص 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري يُعد "مبلغًا ضخمًا" و"بوضوح أحد المشاكل".
يتجلى رد الفعل الأوروبي على هذا التحدي في أداة "العمل الأمني من أجل أوروبا" (SAFE)، التي توفر للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قروضًا منخفضة الفائدة تصل إلى 150 مليار يورو للاستثمارات الدفاعية. وتُعد هذه الأداة المالية، التي اعتُمدت في مايو 2025، جزءًا من استراتيجية "الاستعداد 2030"، وتهدف إلى تعزيز المشتريات المشتركة ودعم صناعة الدفاع الأوروبية.
مركز الأمن والدفاع - المشورة والمعلومات
يقدم مركز الأمن والدفاع مشورة الخبراء ومعلومات حديثة لدعم الشركات والمؤسسات بفعالية في تعزيز دورها في سياسة الأمن والدفاع الأوروبية. وبالتعاون الوثيق مع فريق عمل الدفاع التابع لمبادرة "تواصل الشركات الصغيرة والمتوسطة"، يُعنى المركز بشكل خاص بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تطوير قدراتها الابتكارية وتنافسيتها في قطاع الدفاع. وبصفته نقطة اتصال مركزية، يُشكل المركز جسراً حيوياً بين الشركات الصغيرة والمتوسطة واستراتيجية الدفاع الأوروبية.
ذو صلة بهذا الموضوع:
الاستقلال الاستراتيجي: بين العلاقات عبر الأطلسي والردع الذاتي
هدف الناتو الجديد وتداعياته
في قمة لاهاي في يونيو 2025، التزمت الدول الأعضاء في حلف الناتو بأهداف أكثر طموحاً. وبحلول عام 2032، سيتم إنفاق ما لا يقل عن 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع النووي، و1.5% إضافية على البنية التحتية ذات الصلة بالدفاع، ليصل المجموع إلى 5%.
يمثل هذا الهدف تحديًا هائلًا لمعظم دول الاتحاد الأوروبي. فبحسب وكالة التنمية الأوروبية، يتطلب تحقيق هدف 3.5% إنفاقًا يزيد عن 630 مليار يورو سنويًا. في المقابل، في عام 2024، لم تنجح سوى ثلاث دول من الاتحاد الأوروبي في تحقيق هدف 2% السابق، بينما تجاوزته 13 دولة عضو.
تتصدر بولندا قائمة الدول الأوروبية في الإنفاق الدفاعي بنسبة 3.75% من الناتج المحلي الإجمالي، تليها دول البلطيق: إستونيا (3.3%)، ولاتفيا (3.3%)، وليتوانيا (3.1%). وتعكس هذه الدول، التي تجاور روسيا أو بيلاروسيا مباشرة، إدراكها للتهديدات المباشرة، وتستثمر بشكل غير متناسب في أمنها.
ألمانيا كحالة مرجعية أوروبية
في عام 2024، حققت ألمانيا هدف حلف الناتو المتمثل في الوصول إلى نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي لأول مرة في تاريخها، حيث بلغ الإنفاق الدفاعي المُقدّر 90.6 مليار يورو، أي ما يعادل 2.12% من الناتج المحلي الإجمالي. ويعود هذا الإنجاز بشكل كبير إلى الصندوق الخاص المخصص للقوات المسلحة الألمانية (البوندسفير) بقيمة 100 مليار يورو، والذي أُنشئ استجابةً للحرب في أوكرانيا.
قدّم وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس خطةً تدريجيةً لتحقيق الهدف الجديد المتمثل في زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة 5%. ومن المقرر أن يرتفع الإنفاق الدفاعي بمقدار 0.2 نقطة مئوية سنويًا على مدى خمس إلى سبع سنوات ليصل إلى 3.5% بحلول عام 2032. ويمكن تمويل النسبة الإضافية البالغة 1.5% المخصصة للبنية التحتية ذات الصلة بالدفاع جزئيًا من خلال صندوق البنية التحتية البالغ 500 مليار يورو.
تحول صناعة الدفاع الأوروبية
يُحفّز الارتفاع الهائل في الإنفاق الدفاعي تحولاً جذرياً في صناعة الدفاع الأوروبية. ويُشجع برنامج SAFE على وجه الخصوص مشاريع الشراء المشتركة، حيث يُشترط مشاركة دولتين على الأقل في كل مشروع. وتشمل مجالات الاستثمار ذات الأولوية الدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة المدفعية، والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع ضدها، والقدرة على الحركة العسكرية.
تموّل الشريحة الأولى البالغة 300 مليون يورو من برنامج EDIRPA (تعزيز صناعة الدفاع الأوروبية من خلال المشتريات المشتركة) خمسة مشاريع مشتريات مشتركة، تشمل ناقلة الجنود المدرعة باتريا ونظام الدفاع الجوي IRIS-T SLM. وتساهم هذه المبادرات في تحسين قابلية التشغيل البيني للقوات المسلحة الأوروبية وتعزيز صناعة الدفاع في القارة.
تستفيد الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم بشكل خاص من البرامج الجديدة، حيث يتم دمجها في سلاسل التوريد الدفاعية الأوروبية كمقاولين فرعيين. وتنص آلية SAFE على أنه يمكن أن تصل نسبة 35% من قيمة العقد إلى مصنّعين من خارج الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، مما يسهل التعاون الدولي.
الأبعاد الجيوسياسية والاستقلال الاستراتيجي
تجري عملية إعادة التسلح الأوروبية في بيئة جيوسياسية معقدة. يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق استقلال استراتيجي أكبر دون المساس بالشراكة عبر الأطلسي. وتؤكد كايا كالاس على أهمية الولايات المتحدة باعتبارها أقوى حليف للاتحاد الأوروبي، بل وتؤيد مطالب الرئيس ترامب بزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي.
في الوقت نفسه، يعمل الاتحاد الأوروبي على تطوير قدراته الدفاعية المستقلة ضد التهديدات. وتحذر العديد من أجهزة الاستخبارات الوطنية من أن روسيا قد تختبر جاهزية الاتحاد الأوروبي الدفاعية في غضون ثلاث إلى خمس سنوات. ويؤكد هذا التقييم على ضرورة جهود إعادة التسلح الحالية، ويبرر الإنفاق المالي الاستثنائي.
تمنح الحرب الدفاعية التي تخوضها أوكرانيا الاتحاد الأوروبي وقتاً ثميناً لتعزيز قدراته الدفاعية. وفي الوقت نفسه، يعمل الاتحاد الأوروبي على حزمة عقوبات سادسة عشرة ضد روسيا، ويسعى إلى استخدام الأصول الروسية المجمدة بشكل أكثر فعالية لصالح أوكرانيا.
منظورات طويلة الأجل واستدامة
تُثير الزيادة الهائلة في الإنفاق الدفاعي تساؤلات حول استدامته على المدى الطويل. تُقدّر التكاليف الدفاعية السنوية لكل مواطن في الاتحاد الأوروبي بنحو 764 يورو. هذا العبء يستلزم تحقيق توازن دقيق بين الاحتياجات الأمنية والمسؤوليات الحكومية الأخرى.
تعمل المفوضية الأوروبية في الوقت نفسه على تطوير تبسيطات تنظيمية لقطاع الصناعات الدفاعية. ويهدف نظام شامل مُخطط له إلى تقليل العقبات الإدارية، وتحسين عملية الاعتماد المتبادل للمعدات الدفاعية، وتسهيل الوصول إلى التمويل بحلول يونيو 2025.
بدأت عملية التحول الدفاعي الأوروبي تُظهر نجاحاً مبدئياً. ففي عام 2024، زادت 25 دولة من أصل 27 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي إنفاقها الدفاعي بالقيمة الحقيقية، بل وسجلت 16 دولة زيادات تجاوزت 10%. ويعكس هذا الزخم الإدراك المشترك بضرورة أن تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها.
يتضح البُعد التاريخي لهذا التطور عند مقارنته بالعقود السابقة. فللمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة، تستثمر أوروبا مجدداً بكثافة في قدراتها الدفاعية. ويُرسي الجمع بين زيادة الإنفاق الوطني، والأدوات المالية الأوروبية، وتعزيز التعاون الصناعي، الأساس لعصر جديد من السياسة الأمنية الأوروبية.
ستُظهر السنوات القادمة ما إذا كانت أوروبا قادرة على تحقيق أهدافها التي وضعتها لنفسها وبناء قوة ردع فعّالة ضد أي معتدٍ محتمل. وسيكون تصميم قيادتها السياسية، ودعم الشعب لها، وكفاءة مؤسساتها الأوروبية عوامل حاسمة لنجاح هذا التحول التاريخي.
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
رئيس قسم تطوير الأعمال
رئيس فريق عمل الدفاع التابع لشبكة الشركات الصغيرة والمتوسطة
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
يمكنكم التواصل معي عبر البريد الإلكتروني wolfenstein∂xpert.digital أو
اتصل بي على الرقم +49 7348 4088 965 .

