
التحول الصناعي: فولكس فاجن في أزمة، وراينميتال في ازدهار – هل تتحول ألمانيا الآن إلى دولة منتجة للأسلحة؟ – الصورة: Xpert.Digital
من دولة مهووسة بالسيارات إلى دولة مصنعة للأسلحة: ماذا يعني هذا التحول الصناعي التاريخي بالنسبة لوظائفنا؟
عندما يصنع مصنع السيارات الدبابات: الحقيقة المرة حول طفرة التسلح الجديدة في ألمانيا
صدمة وظيفية في صناعة السيارات: هل يمكن لصناعة الدفاع أن تحل محل فولكس فاجن وبوش وشركائهما؟
لعقود طويلة، كانت صناعة السيارات المحرك الأساسي للاقتصاد الألماني بلا منازع، ضامنةً للازدهار والهيمنة العالمية وملايين الوظائف الآمنة. لكن هذا الأساس ينهار بوتيرة غير مسبوقة. فبينما تُهدد عشرات الآلاف من الوظائف في شركات تصنيع مثل فولكس فاجن وموردين مثل بوش وكونتيننتال، وتواجه مصانع بأكملها خطر الإغلاق، يشهد قطاع آخر طفرة تاريخية: صناعة الأسلحة. إذ تُسجل شركات مثل راينميتال مبيعات قياسية، وتستحوذ على موردين سابقين لقطاع السيارات، وتستقطب عمالة ماهرة من خطوط التجميع إلى مصانع الذخيرة. فهل تشهد ألمانيا، في ظل الأزمات الجيوسياسية، تحولاً جذرياً من دولة رائدة في صناعة السيارات إلى دولة منتجة للأسلحة؟ يكشف تحليل البيانات أن رمزية هذا التحول هائلة، لكن الواقع في سوق العمل أكثر تعقيداً بكثير، ومثير للقلق بالنسبة للمكانة الاقتصادية لألمانيا.
هل تتحول ألمانيا من دولة مصنعة للسيارات إلى دولة منتجة للأسلحة؟ عندما تغير ورشة عمل الأمة أدواتها
قلّما ارتبطت اقتصادات في العالم الغربي بهويتها بصناعة واحدة كما ارتبطت ألمانيا بصناعة السيارات. فعلى مدى أكثر من قرن، كان خط التجميع رمزًا للازدهار والريادة التكنولوجية والقوة الاقتصادية الدولية. إلا أن هذه الصورة البديهية بدأت تتلاشى بشكل ملحوظ منذ سنوات، ليس كانكماش اقتصادي قصير الأجل، بل كتحول هيكلي عميق. في الوقت نفسه، تشهد صناعة أخرى، طال إهمالها، طفرة تاريخية، تنعكس في سجلات الطلبات وأسعار الأسهم والأولويات السياسية. إن مسألة ما إذا كانت ألمانيا تتحول حقًا من دولة منتجة للسيارات إلى دولة منتجة للأسلحة تستحق تحليلًا موضوعيًا قائمًا على البيانات، يتجاوز العناوين الرئيسية وردود الفعل الأيديولوجية المتسرعة.
انهيار صناعة رئيسية بالأرقام
يشهد قطاع صناعة السيارات الألماني أسوأ انخفاض في التوظيف في تاريخه الحديث. فبحلول نهاية عام 2025، لم يتجاوز عدد العاملين فيه 725 ألف شخص، بانخفاض قدره 6.2% مقارنةً بالعام السابق، وهو أدنى مستوى له منذ 14 عامًا. ومنذ عام 2019، أي قبل جائحة كورونا، فقد قطاع صناعة السيارات ما يُقدّر بوظيفة من كل سبع وظائف، أي حوالي 125,800 وظيفة، بينما انخفض التوظيف بمقدار 32 ألف وظيفة إضافية خلال الاثني عشر شهرًا التي سبقت بداية عام 2026 فقط. ويتوقع الاتحاد الألماني لصناعة السيارات (VDA) صورةً أكثر خطورة: فبحلول عام 2035، قد يختفي ما مجموعه 225 ألف وظيفة، أي بزيادة قدرها 35 ألف وظيفة تقريبًا عن التوقعات السابقة، مع فقدان ما يقرب من 100 ألف وظيفة بالفعل بين عامي 2019 و2025.
يُعاني الموردون، الذين يُمثلون العمود الفقري للقطاع الصناعي، من تداعياتٍ بالغة. فقد انخفضت إيراداتهم بنسبة 4% في عام 2025، أي أربعة أضعاف انخفاض إيرادات المُصنّعين أنفسهم، بينما تراجعت فرص العمل لدى الموردين بنسبة 11%، مقارنةً بنسبة 3.6% لدى مُصنّعي المعدات الأصلية. ومنذ عام 2019، اختفى ما يقرب من ربع الوظائف لدى الموردين في ألمانيا، كما أشار خبير الصناعة في شركة EY، كونستانتين غال، مع تسارع هذا التراجع مؤخرًا. وبلغ عدد طلبات الإفلاس في قطاع الموردين أعلى مستوى له منذ 14 عامًا، حيث سُجّلت 39 حالة بين يناير ونوفمبر 2025، مقارنةً بـ 29 حالة في العام السابق و21 حالة فقط في عام 2023.
تتصدر كبرى شركات صناعة السيارات عناوين الأخبار المتعلقة بهذه الأرقام. فبحسب التقارير الإعلامية، تدرس فولكس فاجن خفض ما يصل إلى 100 ألف وظيفة وإغلاق أربعة مصانع في ألمانيا. كما أطلقت شركات بوش، وزد إف فريدريشهافن، وكونتيننتال، وماهل برامج شاملة لخفض التكاليف؛ وتخطط زد إف وحدها للاستغناء عن ما يصل إلى 14 ألف وظيفة في ألمانيا بحلول نهاية عام 2028. ويتوقع خبير السيارات فرديناند دودنهوفر من مركز أبحاث السيارات في بوخوم أن ينخفض إجمالي عدد العاملين في مصانع السيارات الألمانية من الرقم الحالي البالغ حوالي 720 ألفًا إلى أقل من 700 ألف، ليصل إلى حوالي 650 ألفًا بحلول عام 2027.
لماذا تتعثر هذه الصناعة التي كانت رائدة في السابق؟
تتعدد أسباب هذه الأزمة وتتضافر فيما بينها. في مقدمتها التحول البطيء والمكلف إلى التنقل الكهربائي، والذي يتسبب في فقدان عدد كبير من الوظائف في قطاع التوريد، لأن المحركات الكهربائية تتطلب ببساطة مكونات أقل وخطوات تصنيع أقل من محرك الاحتراق الداخلي التقليدي. يضاف إلى ذلك أزمة توطين خطيرة ومستمرة، كما أوضحت رئيسة اتحاد صناعة السيارات الألماني (VDA)، هيلدغارد مولر: فالضرائب والرسوم المرتفعة، والطاقة باهظة الثمن، وتكاليف العمالة المرتفعة، والبيروقراطية المفرطة، كلها عوامل تؤثر بشكل ملحوظ على القدرة التنافسية.
يتفاقم الوضع بفعل تزايد الضغط التنافسي من الصين، حيث تُمارس شركات تصنيع مثل BYD ضغوطًا متزايدة على العلامات التجارية الألمانية الفاخرة، في حين يشهد السوق الصيني ككل تراجعًا. وتُفاقم التعريفات الأمريكية التي فرضتها إدارة ترامب الوضع بالنسبة لشركات تصنيع السيارات الألمانية الموجهة للتصدير. وقد سجلت شركات صناعة السيارات الألمانية أدنى أرباحها منذ الأزمة المالية عام 2009 بحلول نهاية عام 2025، ويتحدث خبير السيارات في شركة EY، كونستانتين غال، عن وضع بالغ الصعوبة، يُلحق ضررًا بالغًا بالشركات الألمانية. وتتوقع شركة التأمين الائتماني الدولية Atradius انخفاضًا إضافيًا في الإنتاج بنسبة 2.7% لعام 2026، بعد انخفاض قدره 1.8 مليون سيارة ليصل إلى 4.1 مليون سيارة في عام 2024.
الوجه الآخر للعملة: طفرة الأسلحة
في حين يشهد قطاع صناعة السيارات انكماشاً، ينمو قطاع الدفاع الألماني بوتيرةٍ كانت تُعتبر ضرباً من الخيال قبل بضع سنوات فقط. فقد أعلنت شركة راينميتال، أكبر مصنّع للأسلحة في ألمانيا، عن قفزةٍ في الإيرادات بنسبة 29% لتصل إلى حوالي 9.9 مليار يورو في عام 2025، وتخطط لنموٍّ يتراوح بين 40 و45% في عام 2026. وارتفعت الأرباح التشغيلية بالفعل بنسبة 33% لتصل إلى 1.8 مليار يورو في عام 2025. وعلى مستوى المجموعة، وظّفت راينميتال أكثر من 32 ألف موظف بدوام كامل في 179 موقعاً حول العالم في عام 2025، مقارنةً بحوالي 23 ألف موظف في 129 موقعاً فقط قبل خمس سنوات.
يحظى هذا التطور بدعم سياسي هائل. ففي عام 2026، خصصت وزارة الدفاع الاتحادية أكثر من 108 مليارات يورو، منها 82.7 مليار يورو من الميزانية العادية و25.5 مليار يورو من صندوق الجيش الألماني الخاص. ومن المتوقع أن يرتفع هذا المبلغ إلى حوالي 152 مليار يورو بحلول عام 2029، أي ثلاثة أضعاف المبلغ المخصص في عام 2023. وفي قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في لاهاي صيف عام 2025، التزمت الدول الأعضاء في الحلف بزيادة إجمالي إنفاقها الدفاعي إلى 5% من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، مع تخصيص 3.5% للدفاع النووي و1.5% للبنية التحتية الأمنية. وتطمح ألمانيا إلى بلوغ هدف 3.5% بحلول عام 2029، أي قبل ست سنوات من الموعد الذي حدده الناتو.
عندما تتحول مصانع السيارات إلى مصانع للأسلحة
يتجلى رمز هذا التحول بوضوح في شركة راينميتال نفسها، التي كانت تعمل في الأصل كمورد لقطع غيار السيارات ومصنع للأسلحة، وتركز الآن بشكل كامل على دورها الأخير. وقد وقّعت الشركة عقدًا لبيع غالبية قسم توريد قطع غيار السيارات التابع لها إلى شركة إيكويتا القابضة الصناعية، ومقرها ميونيخ، مقابل 350 مليون يورو، حيث سينتقل حوالي 6200 موظف إلى وحدة الأعمال المباعة، بينما سيبقى 34000 موظف في راينميتال. يُذكر أن قسم السيارات المدنية لم يحقق سوى ملياري يورو من الإيرادات في عام 2025، في حين بلغت إيرادات قسم الأسلحة حوالي 10 مليارات يورو.
على وجه التحديد، يجري تحويل مصانع قطع غيار السيارات السابقة تحويلاً جذرياً. فمصنع راينميتال في نويس، الذي كان يقتصر سابقاً على توريد قطع غيار السيارات، يُصنّع الآن مكونات الحماية والأجزاء الميكانيكية للاستخدام العسكري، وقد يُنتج مستقبلاً مركبات لينكس القتالية للمشاة ومدافع هاوتزر ذاتية الدفع. ويركز مصنع برلين بشكل متزايد على مكونات الدفاع الميكانيكية بالإضافة إلى تقنية خلايا الوقود. كما استحوذت شركة الدفاع الفرنسية الألمانية KNDS على مصنع من شركة ألستوم لصناعة القطارات في غورليتس، شرق ألمانيا، حيث سيتم إنتاج مكونات دبابة القتال الرئيسية ليوبارد 2 ومركبة بوما القتالية للمشاة، مع الإبقاء على ما يقارب نصف عدد العاملين فيه البالغ 700 عامل.
بدأ بالفعل نقل الموظفين. في مصنع كونتيننتال في جيفهورن، بولاية ساكسونيا السفلى، والذي سيُغلق لعدم جدواه الاقتصادية، يُعرض على حوالي 100 موظف فرصة الانتقال إلى مصنع راينميتال للذخائر في أونترلوس، على بُعد حوالي 55 كيلومترًا. يدعم هذا النقل مشروعٌ يُسمى "من وظيفة إلى أخرى"، تشرف عليه نقابة IG Metall. كما أبدى الرئيس التنفيذي لشركة راينميتال، أرمين بابرغر، اهتمامًا علنيًا بإمكانية الاستحواذ على مصنع فولكس فاجن في أوسنابروك، الذي يُعتبر فائضًا عن الحاجة، شريطة التوصل إلى اتفاقيات إطارية طويلة الأجل مع الحكومة لمدة عشر سنوات تقريبًا. وقد أبدى الرئيس التنفيذي لشركة فولكس فاجن، أوليفر بلوم، انفتاحًا عامًا على إعادة توظيف المصنع.
حدود التعويض
على الرغم من هذه الحالات الفردية اللافتة، يحذر العديد من الاقتصاديين وباحثي سوق العمل من التصوّر الخاطئ لحجم المشكلة الحقيقي. فصناعة الدفاع أصغر بكثير من أن تعوض خسائر صناعة السيارات بشكل مباشر مقارنةً بقطاع التصنيع ككل. ووفقًا للرابطة الألمانية للصناعات الأمنية والدفاعية، يعمل لدى مصنّعي الأسلحة في ألمانيا حوالي 100 ألف شخص في نحو 320 شركة عضو، بينما بلغ عدد العاملين في صناعة السيارات وحدها حوالي 773 ألف شخص مؤخرًا. وتلخص صوفيا فون روندشتيدت، من شركة فون روندشتيدت وشركائها للاستشارات المهنية، الأمر بإيجاز قائلةً: "بناءً على هذا التفاوت الهائل في الحجم، لن تتمكن صناعة الدفاع من تعويض الخسائر المتوقعة في الوظائف في صناعة السيارات التي شهدت تحولًا جذريًا".
يعرب إنزو ويبر، الباحث في سوق العمل من معهد أبحاث التوظيف، عن تشكيكه في فكرة وجود محرك توظيف سلس: فبينما يُسهم قطاع الصناعات الدفاعية في خلق العديد من فرص العمل، إلا أنه لا يستطيع التعويض الكامل عن فقدان الوظائف في قطاع التصنيع، نظراً لضخامة قطاع صناعة السيارات. وتؤكد التوقعات الملموسة هذا الخلل، إذ يتوقع الخبراء فقدان ما بين 130,000 و170,000 وظيفة في قطاع صناعة السيارات وحده، وهي خسائر لا يستطيع نمو قطاع الصناعات الدفاعية تعويضها إلا جزئياً. وتوصلت دراسة أجرتها شركتا EY-Pantheon وDekabank إلى استنتاج أكثر دقة، ولكنه يتسم بالحذر أيضاً: فإذا بلغ الإنفاق الدفاعي لدول الناتو 3.5% من ناتجها الاقتصادي كما هو مخطط له، فمن الممكن خلق حوالي 144,000 وظيفة جديدة في ألمانيا بحلول عام 2029؛ وإذا ما أُضيفت إليها الوظائف المضمونة بالفعل، فسيصل إجمالي التأثير إلى حوالي 360,000 وظيفة. ومع ذلك، حتى فرديناند دودنهوفر، الذي يعلق على هذه الدراسة، يوضح أن طفرة النمو هذه لن تكون كافية بأي حال من الأحوال للتعويض عن الخسائر في صناعات السيارات والصلب، وبدلاً من ذلك يدعو إلى تحسين جوهري في القدرة التنافسية للموقع الصناعي من خلال خفض تكاليف العمالة غير الأجور، وتقليل التنظيم، وخفض تكاليف الكهرباء.
مركز الأمن والدفاع - المشورة والمعلومات
يقدم مركز الأمن والدفاع مشورة الخبراء ومعلومات حديثة لدعم الشركات والمؤسسات بفعالية في تعزيز دورها في سياسة الأمن والدفاع الأوروبية. وبالتعاون الوثيق مع فريق عمل الدفاع التابع لمبادرة "تواصل الشركات الصغيرة والمتوسطة"، يُعنى المركز بشكل خاص بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تطوير قدراتها الابتكارية وتنافسيتها في قطاع الدفاع. وبصفته نقطة اتصال مركزية، يُشكل المركز جسراً حيوياً بين الشركات الصغيرة والمتوسطة واستراتيجية الدفاع الأوروبية.
ذو صلة بهذا الموضوع:
التحول الصناعي في ألمانيا: لماذا لا يُعدّ التحول من صناعة السيارات إلى صناعة الدفاع مجرد وعدٍ وظيفي بسيط؟
محترفون عالقون بين عالمين
إن فكرة نقل المتخصصين العاطلين عن العمل في قطاع السيارات إلى قطاع الدفاع، والتي تبدو بديهية، تُثبت في الواقع أنها أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا. فبينما تبدو هذه الفكرة مناسبة من حيث المبدأ نظرًا لإمكانية نقل العديد من المؤهلات التقنية، تُشير صوفيا فون روندشتيد إلى عقبات حقيقية في عمليات نقل الموظفين: فحتى مع التوافق المهني الأمثل، يحتاج المتقدمون إلى إقناعهم بفرص العمل الجديدة على مستوى التفكير، حيث تلعب التحفظات بشأن قطاع الدفاع، واختلاف ثقافات الشركات، وطول مسافات التنقل دورًا هامًا. يُضاف إلى ذلك تحدٍّ آخر على جانب الطلب: إذ تُحذر دراسة أجرتها شركتا EY وDekabank من أنه مع زيادة معتدلة في الإنفاق الدفاعي إلى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، قد تظهر حوالي 460 ألف وظيفة شاغرة في قطاع الدفاع؛ ومع زيادة أكبر إلى 3%، قد يرتفع هذا العدد إلى 760 ألف وظيفة، مع نقص حاد في المتخصصين في الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.
يُظهر هذا التزامن الذي يبدو متناقضًا بين تسريح العمال في قطاع ما ونقص العمالة الماهرة في قطاع آخر، أن الأمر لا يقتصر على مجرد نقل العبء، بل هو بالأحرى سوقان للعمل بمتطلبات مختلفة، وتصاريح أمنية متباينة، ومنطق قائم على الموقع الجغرافي، وأطر ثقافية متباينة. علاوة على ذلك، يشهد قطاع الصناعات الدفاعية نموًا ملحوظًا من حيث الأعداد المطلقة، ولكنه ينطلق من قاعدة صغيرة نسبيًا. ووفقًا لتحليلات صحيفة فايننشال تايمز، ارتفع عدد الموظفين في أقسام الدفاع لدى أكبر الشركات الألمانية وأسرع الشركات الناشئة نموًا من حوالي 63 ألفًا في عام 2021 إلى ما يقارب 83 ألفًا، أي بزيادة قدرها 30%. وتُعدّ شركتا إيرباص، التي يعمل بها 38 ألف موظف في قطاع الدفاع، وراينميتال، التي يعمل بها حوالي 23500 موظف، أكبر جهات التوظيف في هذا القطاع.
نظرة على الصناعة ككل
لا تقتصر الأزمة بأي حال من الأحوال على صناعة السيارات وحدها، رغم أنها الأكثر تضررًا. فقدت الصناعة الألمانية ككل أكثر من 120 ألف وظيفة في عام 2025، أي ما يقارب ضعف عدد الوظائف في العام السابق، مما خفض عدد العاملين إلى حوالي 5.38 مليون شخص. ومنذ عام 2019، أي قبل الجائحة، ووفقًا لمؤشر EY الأخير للصناعة، فقد 341,500 وظيفة صناعية - أي ما يعادل وظيفة واحدة من بين كل 17 وظيفة صناعية في ألمانيا. ويصف يان برورهيلكر، الشريك الإداري في EY، الوضع بوضوح بأنه أزمة عميقة في الصناعة الألمانية، تفاقمت بسبب ضعف الطلبات، وضغط المنافسة الشديد، وارتفاع عدد حالات الإفلاس، لا سيما بين موردي السيارات. ومن الجدير بالذكر أن قطاعي الكيماويات والأدوية كانا أفضل حالًا نسبيًا، حيث لم تتجاوز خسائرهما 2000 وظيفة، بينما فقد قطاع السيارات وحده ما يقارب 50 ألف وظيفة. تُظهر هذه الصورة غير المتسقة أنها ليست انكماشاً اقتصادياً عاماً، بل هي بالأحرى تحول هيكلي انتقائي بين قطاعات فردية.
الاضطرابات الإقليمية والتأثير غير المتكافئ
لا يؤثر التحول الصناعي على الولايات الألمانية بشكل متساوٍ. ففي قطاع صناعة السيارات، كان انخفاض فرص العمل في عام 2025 حادًا بشكل خاص في ولايتي سارلاند وشليسفيغ هولشتاين، حيث بلغت الخسائر 11% و20% على التوالي. أما بين الولايات الرئيسية في صناعة السيارات، فقد كانت ولاية شمال الراين وستفاليا الأكثر تضررًا بانخفاض قدره 8% في فرص العمل، بينما كان أداء بافاريا وبادن فورتمبيرغ أفضل بكثير، حيث بلغت الخسائر 2.6% و3.9% على التوالي. يُعزى ذلك على الأرجح إلى التنوع الأكبر والقيمة المضافة الأعلى لمصنعي السيارات الفاخرة في هذه المناطق. وسجلت براندنبورغ أقل انخفاض بنسبة 1.3%، وهو ما قد يُعزى جزئيًا إلى إنشاء صناعات جديدة ذات توجه مستقبلي هناك. هذا التفاوت الإقليمي يعني أن المناطق الأضعف هيكليًا تعاني من التحول بشكل خاص، بينما تتمتع المناطق الأقوى اقتصاديًا بقدرة أكبر على التكيف.
مراتب من حيث الحجم في المقارنة المباشرة
لتقييم الوزن الاقتصادي الحقيقي لكلا القطاعين تقييماً واقعياً، من المفيد إلقاء نظرة مباشرة على المؤشرات الرئيسية. توضح النظرة العامة التالية الخلل الصارخ بين القطاعين في الوقت الراهن.
| شخصية رئيسية | صناعة السيارات | صناعة الدفاع والأمن |
|---|---|---|
| موظف مباشرة في ألمانيا | ما يقارب 721,400 إلى 725,000 | ما يقرب من 100,000 إلى 135,000 (مصنعي الأسلحة الخالصة)، بما في ذلك الموردين حوالي 150,000 |
| اتجاهات التوظيف منذ عام 2019 | بانخفاض يقارب 15 بالمائة، أو 125800 وظيفة | زيادة بنحو 30 بالمائة للشركات الكبيرة منذ عام 2021 |
| تنمية الإيرادات حتى عام 2025 | ناقص 1.6 بالمئة | ارتفعت أسهم شركة راينميتال وحدها بنسبة 29 بالمائة |
| التطوير المتوقع | انخفاض إضافي إلى حوالي 650 ألف موظف بحلول عام 2027 | تخطط شركة راينميتال لمزيد من النمو، مع زيادة المبيعات بنسبة 40 إلى 45 بالمائة في عام 2026 |
يُظهر هذا الجدول بوضوح أن صناعة السيارات، التي يعمل بها حوالي 725 ألف موظف، لا تزال ثاني أكبر قطاع صناعي في ألمانيا، بعد الهندسة الميكانيكية التي يعمل بها حوالي 934,200 موظف، بينما لا تتجاوز صناعة الدفاع، حتى في أسرع فترات نموها، جزءًا صغيرًا من هذا الحجم. ورغم أن ديناميكيات السوق قد تحولت بوضوح نحو قطاع الدفاع، إلا أن القيمة الاقتصادية المطلقة لصناعة السيارات لا تزال لا تُضاهى في الوقت الراهن.
القرارات السياسية وحدودها
من خلال استثناء النفقات المتعلقة بالأمن والتي تتجاوز 1% من الناتج المحلي الإجمالي من كبح الدين، أنشأت الحكومة الألمانية أداة مالية حاسمة تُتيح الزيادة الهائلة في الإنفاق الدفاعي في المقام الأول. في الوقت نفسه، لا تزال هناك حاجة إلى استجابة سياسية صناعية حاسمة مماثلة للأزمة التي يشهدها قطاع صناعة السيارات. فبينما تُمنح عقود أسلحة بمليارات اليورو مع ضمانات تخطيط طويلة الأجل، تُصدر الرابطة الألمانية لصناعة السيارات (VDA) تحذيرات عاجلة بشأن إخفاقات سياسية تتعلق بأسعار الطاقة والتنظيم والقدرة التنافسية، وتتوقع عامًا آخر من الركود في غياب إصلاحات جوهرية. هذا التوزيع غير المتكافئ للأولويات السياسية، والمدفوع بتغير الوضع الأمني الجيوسياسي منذ الهجوم الروسي على أوكرانيا، يُفاقم التغير الهيكلي الملحوظ، بغض النظر عما إذا كان يُنظر إلى ذلك على أنه استراتيجية سياسية صناعية مُتعمدة أم أثر جانبي لضرورات السياسة الأمنية.
تقييم دقيق للوضع
إنّ الادعاء بأنّ ألمانيا تتحوّل تماماً من دولة مُصنّعة للسيارات إلى دولة مُصنّعة للأسلحة لا يصمد أمام التدقيق في الأرقام بصيغتها المُبالغ فيها، ولكنه يحمل في طياته شيئاً من الحقيقة لا ينبغي التقليل من شأنه. فهو ليس استبدالاً كاملاً بقدر ما هو تحوّل جزئي، ذو دلالة رمزية عالية، في القدرة الصناعية والمصانع والعمال، في حين أنّ حجم التوظيف المطلق في القطاعين لا يزال مُختلفاً اختلافاً شاسعاً. فعلى الرغم من أزمتها التاريخية، لا تزال صناعة السيارات ثاني أكبر قطاع صناعي في البلاد، بينما تبقى صناعة الأسلحة، على الرغم من معدلات نموها المُذهلة، قطاعاً صغيراً نسبياً من حيث الحجم المطلق. لذا، فإنّ الاستنتاج الاقتصادي الحقيقي ليس أنّ أحد القطاعين يحلّ محلّ الآخر، بل إنّ ألمانيا تشهد عمليتي تحوّل صناعيتين أساسيتين متوازيتين، وستعتمد نتائجهما بشكل كبير على ما إذا كان صانعو السياسات سيتعاملون مع مشاكل الموقع الهيكلي للصناعات التقليدية بنفس العزيمة التي يدفعون بها حالياً توسّع قطاع الدفاع.
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
رئيس قسم تطوير الأعمال
رئيس فريق عمل الدفاع التابع لشبكة الشركات الصغيرة والمتوسطة
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
يمكنكم التواصل معي عبر البريد الإلكتروني wolfenstein∂xpert.digital أو
اتصل بي على الرقم +49 7348 4088 965 .

