مطالبات بمليارات أخرى: أوكرانيا بين اقتصاد الحرب والأزمة النظامية – أزمة مالية دائمة كمبدأ هيكلي والفساد كخطر نظامي
إصدار تجريبي من إكسبرت
اختيار اللغة 📢
تاريخ النشر: ٢٤ مايو ٢٠٢٦ / تاريخ التحديث: ٢٤ مايو ٢٠٢٦ - المؤلف: Konrad Wolfenstein

مطالبات بمليارات أخرى: أوكرانيا بين اقتصاد الحرب والأزمة النظامية – أزمة مالية دائمة كمبدأ هيكلي والفساد كخطر نظامي – الصورة: Xpert.Digital
يطالب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول بمبلغ إضافي قدره 90 مليار يورو
قرض بقيمة 90 مليار يورو لكييف: لماذا يهدد اختفاء أموال الاتحاد الأوروبي في قنوات مشبوهة؟
يواجه الاتحاد الأوروبي اختبارًا تاريخيًا: فبقرض غير مسبوق بقيمة 90 مليار يورو، تسعى بروكسل إلى إنقاذ أوكرانيا من الإفلاس الوشيك. إنها عملية طارئة مالية أصبحت حتمية بعد انسحاب الولايات المتحدة، في ظل الإدارة الجديدة، من منصبها كممول رئيسي. لكن بدأت تظهر تصدعات عميقة خلف واجهة التضامن الأوروبي. بات من الواضح أن الأموال المعتمدة غير كافية لسد العجز الهائل في ميزانية الاقتصاد الأوكراني المتضرر من الحرب، إذ لا يزال هناك عجز بقيمة 45 مليار يورو.
ومما يزيد الطين بلة، أن فضائح فساد غير مسبوقة طالت الدائرة المقربة من الرئيس فولوديمير زيلينسكي، تُزعزع بشدة ثقة المانحين الغربيين. فبينما تستخدم كييف مليارات اليورو من المساعدات الأوروبية لبناء صناعة أسلحة موجهة للتصدير، تختفي مبالغ طائلة في الخفاء عبر الرشاوى وعمليات الشراء المشبوهة. تُحوّل أوروبا موارد غير مسبوقة تاريخيًا إلى بلدٍ تتهاوى مؤسساته تحت وطأة الحرب والفساد المستشري. يُسلّط النص التالي الضوء على مقامرة أوروبا المحفوفة بالمخاطر، والأزمة الهيكلية المستمرة في أوكرانيا، والحقيقة المُرّة حول ما يحدث فعلاً لأموال دافعي الضرائب الأوروبيين في منطقة الحرب.
أكثر الرهانات خطورة في أوروبا: 90 مليار يورو لكييف - والتهديد المستمر بالإفلاس الوطني
في أبريل/نيسان 2026، وافق الاتحاد الأوروبي على قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا، بعد أشهر من الحصار الذي فرضته المجر، والذي لم يتراجع إلا بعد مفاوضات مطولة. يُعد هذا القرض أكبر قرض ثنائي في تاريخ الاتحاد الأوروبي، ممول عبر إصدار سندات في سوق رأس المال ومضمون بالميزانية المشتركة للاتحاد. يُسدد القرض بدون فوائد فقط عندما تدفع روسيا تعويضات، وهو تاريخ لم يُحدد بعد. تم التوصل إلى الاتفاق في قمة ديسمبر/كانون الأول 2025 بين رؤساء الدول، حيث لعب المستشار آنذاك فريدريش ميرز دورًا محوريًا. مع ذلك، يكشف هيكل حزمة المساعدات هذه أن أوروبا لا تتصرف من موقع قوة، بل من إدراكها أن أوكرانيا كانت ستواجه الإفلاس لولا هذه الأموال.
ينقسم القرض إلى قسمين رئيسيين: خُصص ما يقارب 30 مليار يورو لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي وتغطية ميزانية الدولة الأوكرانية، بينما يُخصص المبلغ المتبقي وقدره 60 مليار يورو لتوسيع الصناعات الدفاعية الأوكرانية وشراء المعدات العسكرية من أوكرانيا والاتحاد الأوروبي والدول الشريكة. يتوفر مبلغ مبدئي قدره 45 مليار يورو لعام 2026، على أن يُصرف المبلغ الثاني وقدره 45 مليار يورو في عام 2027. يبدو هذا وكأنه خطة مُحكمة. إلا أن الوضع في الواقع كان كارثيًا: فقد استنفد الاتحاد الأوروبي بالفعل الأموال المخصصة لأوكرانيا في أكتوبر ونوفمبر 2025، نظرًا لأن احتياجات كييف المالية تجاوزت التوقعات الأصلية بشكل كبير. تم تحويل آخر دفعة متاحة وقدرها 4.1 مليار يورو في نهاية نوفمبر 2025، وبعدها تُركت أوكرانيا دون ضمانات لتمويل لاحق.
تفاوضت ثلاث دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي - المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك - على استثناءات من إصدار السندات المشتركة، وهي لا تشارك في الوصول الجماعي إلى أسواق رأس المال. يُضعف هذا الأمر بشكل طفيف الجدارة الائتمانية للإصدار المشترك، ولكنه ذو دلالة رمزية في المقام الأول: فهو يُظهر أن التضامن الأوروبي مع أوكرانيا ليس كيانًا متجانسًا، بل هو كيان بُني بعناية فائقة من المصالح الوطنية والحسابات السياسية الداخلية والبراغماتية في السياسة الخارجية.
مشكلة الـ 135 مليار: لماذا لم تكن الحسابات صحيحة منذ البداية؟
حتى قبل الموافقة الرسمية على قرض الـ 90 مليار يورو، كان معروفًا في أوساط الخبراء في بروكسل أنه لن يكون كافيًا. فقد أشارت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، صراحةً في نوفمبر 2025 إلى أن الاحتياجات المالية الفعلية لأوكرانيا بحلول عام 2027 تبلغ حوالي 135.7 مليار يورو: 83.4 مليار يورو للجيش و52.3 مليار يورو لتحقيق الاستقرار الاقتصادي ومعالجة عجز الموازنة. وهذا يترك فجوة تمويلية تبلغ حوالي 45 مليار يورو بين قرض الـ 90 مليار يورو الموافق عليه والاحتياجات الفعلية، وهو رقم متداول في الأوساط الدبلوماسية منذ أسابيع.
عندما سُئلت المفوضية الأوروبية عن الجهة المسؤولة عن سدّ هذه الفجوة، قدمت إجابة مراوغة. وصرح مفوض الشؤون الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، باقتضاب أنهم يتوقعون من الشركاء الدوليين المساهمة بحصتهم؛ على الأقل، تم تقديم التزامات شفهية من بريطانيا وكندا. إلا أن الولايات المتحدة، في ظل الإدارة الحالية، غير مستعدة لتقديم أي تمويل إضافي لأوكرانيا. وهذا يُقصي أكبر ممول خارجي محتمل، تاركًا أوروبا أمام مهمة شاقة تتمثل في تغطية ما لم تعد واشنطن مستعدة لتقديمه.
تُجسّد ميزانية أوكرانيا لعام 2026 مدى اعتماد البلاد على مواردها المالية الخارجية: فقد أقرّ البرلمان ميزانية بعجزٍ بلغ 18.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ويُخصّص ما يقارب 60% من إجمالي الإنفاق الحكومي للدفاع. وقدّر وزير المالية، سيرغي مارشينكو، احتياجات التمويل الخارجي لعام 2026 بأكثر من 45 مليار دولار أمريكي، وذلك لسدّ عجز الميزانية فقط. وتُكلّف الحرب أوكرانيا أكثر من 140 مليون يورو يوميًا. يُبيّن هذا الرقم سرعة استنزاف الأموال الخارجية، وضيق هامش المناورة الذي تُتيحه حتى حزم القروض الكبيرة في ظلّ حربٍ ضارية.
اقتراح وادفول: السيادة الأوروبية أم النشاط المالي؟
في هذا السياق، ألقى وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول كلمة أمام اجتماع وزراء خارجية حلف شمال الأطلسي (الناتو) في هلسينغبورغ. وكانت رسالته واضحة: الحاجة إلى مزيد من التمويل، وضرورة تقديم شركاء الناتو الأوروبيين وكندا دعماً مستداماً لأوكرانيا بمعزل عن الولايات المتحدة. واقترح فاديفول تحديداً أن يقدم شركاء الناتو 90 مليار يورو إضافية، إلى جانب قروض الاتحاد الأوروبي الحالية، وذلك بشكل ثنائي ومباشر إلى كييف. وبحسب اقتراحه، يمكن خصم هذا المبلغ من قرض الاتحاد الأوروبي لتجنب الازدواجية في الحساب.
يُعدّ هذا المقترح لافتًا للنظر من عدة جوانب. أولًا، يُشير إلى أن ألمانيا - رغم مناقشاتها الداخلية حول الميزانية وتزايد الشكوك المحلية بشأن المساعدات المقدمة لأوكرانيا - مستعدة لتولي الدور القيادي في السياسة الأوروبية تجاه أوكرانيا، وهو الدور الذي برز مع انسحاب واشنطن. ثانيًا، تُشير دعوة واديفول إلى آلية جديدة، يُقرر بشأنها في قمة الناتو في تركيا في يوليو، إلى رغبة في ترسيخ الدعم مؤسسيًا، بما يتجاوز الحلول المؤقتة والمتسرعة. ثالثًا - وهذا هو البُعد الحاسم - لا يوجد حاليًا أي أساس قانوني في قانون الاتحاد الأوروبي لخصم المساهمات الثنائية من قروض الاتحاد الأوروبي، كما أوضح واديفول. وقد أشار الصحفي إريك بونس، المقيم في بروكسل، صراحةً إلى ضرورة إنشاء مثل هذه الآلية أولًا.
ما يبدو للوهلة الأولى خطةً متماسكةً للسياسة المالية، يكشف عند التدقيق أنه مجرد إعلان عن أداة غير موجودة قانونيًا بعد. وبالتالي، لا يدعو واديفول إلى تنفيذ برنامج متفق عليه مسبقًا، بل إلى إنشاء إطار عمل جديد، في بيئة سياسية تُعرقل فيها المجر وغيرها من الدول المتشككة الأدوات القائمة بشكل منتظم. يُضاف إلى ذلك مشكلة هيكلية تتمثل في ضرورة تمويل المساهمات الوطنية في حلف الناتو من الميزانيات الوطنية، وهو ما يتطلب في العديد من الدول الأوروبية أغلبية برلمانية غير مضمونة بأي حال من الأحوال.
الأزمة المالية الدائمة كمبدأ هيكلي: البنية المالية الأوكرانية في ظل ظروف الحرب
منذ بداية الغزو الروسي، تعيش أوكرانيا حالة طوارئ مالية دائمة. فاعتمادها على التمويل الخارجي ليس ظاهرة عابرة، بل هو جزء لا يتجزأ من النظام. وقد توقع مشروع ميزانية عام 2026 في الأصل إيرادات بقيمة 2.92 تريليون هريفنيا (حوالي 68.9 مليار دولار أمريكي) مقابل نفقات تبلغ حوالي 4.84 تريليون هريفنيا. ويشكل الإنفاق الدفاعي وحده 27.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم غير مسبوق تقريبًا في تاريخ الدول الديمقراطية، بل ويتجاوز أحيانًا الإنفاق العسكري الروسي نسبةً إلى ناتجه الاقتصادي.
يُنشئ هذا الهيكل دوامة خطيرة من التبعية: فكلما قلّت إيرادات كييف عن نفقاتها، ازدادت الحاجة إلى المساعدات الخارجية. وكلما ازداد اعتماد كييف على التمويل الخارجي، ازداد نفوذ الجهات الخارجية على السياسة الأوكرانية، وازدادت جاذبية شبكات الفساد التي تستفيد من توزيع مبالغ طائلة. هذا ليس اتهامًا لأوكرانيا، بل هو مبدأ اقتصادي يُلاحظ في حروب العالم، ويجب على المانحين الغربيين أخذه في الحسبان.
بحسب الخطة الأصلية، يغطي قرض الاتحاد الأوروبي نحو ثلثي ميزانية أوكرانيا ونفقاتها الدفاعية لعامي 2026 و2027. وحتى هذه التغطية مشروطة بتحقق المساهمات التمويلية الخارجية من الشركاء الآخرين. إلا أن تجربة الأشهر القليلة الماضية تُظهر أن الوعود والمدفوعات الفعلية قد تختلف، وأن الحصار السياسي يُؤخر السداد، وأن أوكرانيا كادت أن تُعلن إفلاسها في عدة مناسبات، كان آخرها في ربيع 2026، عندما أشارت التقارير إلى أن الأموال الحكومية لن تكفي إلا حتى يونيو قبل الموافقة على قرض الاتحاد الأوروبي الجديد.
التراكم التسلحي كمقامرة استراتيجية: بين الضرورة والخطر
في هذا السياق، تتخذ استراتيجية أوكرانيا الرامية إلى ترسيخ مكانتها كمصدر للأسلحة بُعدًا جديدًا. فقد أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي في نهاية أبريل/نيسان 2026 أن أوكرانيا ستصدر فائض الأسلحة المنتجة محليًا حتى خلال الحرب. ومن المقرر إنشاء عشرة مراكز تصدير في أوروبا بحلول عام 2026، كما يجري إنشاء خطوط إنتاج طائرات بدون طيار باستخدام التكنولوجيا الأوكرانية في ألمانيا والمملكة المتحدة. وقد وُضع الأساس القانوني لذلك في مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير/شباط 2026، حيث سُمح للشركات الأوكرانية، ولأول مرة منذ بدء الحرب، بتصدير الأسلحة مجددًا.
المنطق الاقتصادي الكامن وراء هذه الاستراتيجية مفهوم. فمنذ عام 2022، شهد قطاع الصناعات الدفاعية الأوكرانية نموًا هائلًا: فبينما أنتج القطاع سلعًا بقيمة مليار يورو تقريبًا في عام 2022، ارتفع هذا الرقم إلى ثلاثة مليارات يورو بحلول عام 2023، ونحو عشرة مليارات يورو بحلول عام 2024. وكان الهدف هو مضاعفة هذا الرقم ثلاث مرات بحلول عام 2025، مع إنتاج 2.5 مليون قذيفة مدفعية، وزيادة ملحوظة في إنتاج الطائرات المسيّرة والمركبات. وفي عام 2025، حقق سوق تكنولوجيا الدفاع الأوكراني إيرادات إجمالية بلغت 6.8 مليار دولار أمريكي، مع نمو إنتاج الطائرات المسيّرة وحده بنسبة 137%. ويقدّر مسؤول حكومي إمكانات التصدير لعام 2026 بمليارات الدولارات.
يُقدّم زيلينسكي الصادرات كنموذج تمويل ذاتي الاستدامة: إذ تُعاد عائدات التصدير إلى إنتاج الطائرات المسيّرة، التي بدورها تُزوّد خطوط المواجهة وتخلق فرصًا تصديرية جديدة. وتهدف "صفقات الطائرات المسيّرة" - وهي اتفاقيات تعاون خاصة مع دول في الشرق الأوسط والخليج العربي وأوروبا والقوقاز - إلى ترسيخ هذه الدورة. ويتسم برنامج التصدير الأوكراني بانتقائية متعمدة: إذ يُمنح حق الوصول فقط للدول التي دعمت كييف منذ عام 2022، وهي أداة جيوسياسية تُعزّز الولاءات وتُشكّل رادعًا للمعارضين.
يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت استراتيجية التصدير تُضعف قدرات الجيش التموينية. ويؤكد الممثلون الأوكرانيون أنفسهم أن احتياجات الجيش المحلية لا تزال غير مُلبّاة بالكامل. ويتطلب تلبية احتياجات الأسواق الخارجية والمتطلبات العسكرية المحلية في آنٍ واحد قدرات إنتاجية، وتطويرها يستغرق وقتًا، ويتطلب أيضًا استثمارات خارجية. وهذا يُعيدنا إلى نقطة البداية: أوكرانيا بحاجة إلى مساعدات خارجية لبناء الصناعة التي ستُمكّنها من تحقيق الاكتفاء الذاتي. ولا يزال هذا التناقض بعيدًا عن الحل في المستقبل المنظور.
الفساد كخطر بنيوي: فضيحة إنيرغواتوم وتداعياتها السياسية المتفجرة
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نشر المكتب الوطني الأوكراني لمكافحة الفساد (NABU) نتائج تحقيق استمر 15 شهرًا، استنادًا إلى نحو 1000 ساعة من تسجيلات التنصت و70 مداهمة. وقد كشفت النتائج عن صورة صادمة: إذ تمكنت منظمة إجرامية رفيعة المستوى من السيطرة بشكل منهجي على شركات حكومية كبرى، ولا سيما شركة "إنيرغواتوم"، المشغلة الحكومية لمحطات الطاقة النووية الأوكرانية، والتي تُنتج أكثر من نصف كهرباء أوكرانيا. وكانت الطريقة بسيطة ووحشية في آنٍ واحد: إذ كان على المتعاقدين مع الشركة دفع ما بين 10 و15 بالمئة من قيمة عقودهم كرشاوى؛ وإلا، يتم تجميد مستحقاتهم أو إنهاء علاقاتهم مع الموردين. ويُعتقد أن هذه المجموعة اختلست نحو 100 مليون دولار أمريكي بهذه الطريقة.
الأمر الأكثر إثارة للجدل: يُعتبر تيمور مينديتش، المقرب من زيلينسكي وشريكه السابق في شركة الإعلام "كفارتال 95" - الشركة التي جمع زيلينسكي ثروته من خلالها قبل دخوله معترك السياسة - العقل المدبر المزعوم. وتشير التقارير إلى أن التسجيلات الصوتية التي نُشرت تحت مسمى "أشرطة مينديتش" تحتوي على أصوات إيهور ميرونيوك، المستشار السابق لوزير الطاقة هالوشينكو، ودميترو باسوف، المدعي العام السابق والرئيس السابق للأمن المادي في شركة "إنيرغواتوم". ووفقًا للمكتب الوطني لمكافحة الفساد في إسرائيل (NABU)، كان هذان الشخصان يُسيطران فعليًا على جميع مشتريات الشركة. ويُقال إن مينديتش نفسه قد أفلت من الاعتقال بالفرار إلى الخارج، ويُقال إنه يقيم في إسرائيل.
كانت العواقب السياسية وخيمة. فقد استقال وزير العدل هيرمان هالوشينكو ووزيرة الطاقة سفيتلانا هرينتشوك. كما أُجبر أندريه يرماك، رئيس مكتب الرئاسة، والذي كان يُعتبر حتى ذلك الحين ثاني أقوى رجل في أوكرانيا وكبير مفاوضي محادثات السلام، على الاستقالة بعد مداهمات لمنزله من قبل سلطات مكافحة الفساد. في مايو/أيار 2026، أمرت المحكمة العليا لمكافحة الفساد بحبس يرماك، البالغ من العمر 54 عامًا، احتياطيًا لمدة 60 يومًا مبدئيًا، مع إمكانية الإفراج عنه بكفالة قدرها 2.72 مليون يورو، وهو المبلغ الذي صرّح يرماك بأنه لا يستطيع توفيره. وتتعلق التهم الموجهة إليه بصفقات غير قانونية بملايين اليورو في مشروع بناء فاخر؛ وقد وُجهت إليه لائحة اتهام رسمية منذ ذلك الحين.
خبرتنا في الاتحاد الأوروبي وألمانيا في مجال تطوير الأعمال والمبيعات والتسويق

خبرتنا في الاتحاد الأوروبي وألمانيا في مجال تطوير الأعمال والمبيعات والتسويق - الصورة: Xpert.Digital
مجالات التركيز الصناعية: الأعمال التجارية بين الشركات، والتحول الرقمي (من الذكاء الاصطناعي إلى الواقع الممتد)، والهندسة الميكانيكية، والخدمات اللوجستية، والطاقات المتجددة، والصناعة
للمزيد من المعلومات، انقر هنا:
مركز متخصص يقدم رؤى وخبرات:
- منصة معرفية تغطي الاقتصادات العالمية والإقليمية والابتكار والاتجاهات الخاصة بكل صناعة
- مجموعة من التحليلات والرؤى والمعلومات الأساسية من مجالات تركيزنا الرئيسية
- مكانٌ للخبرة والمعلومات حول التطورات الحالية في مجال الأعمال والتكنولوجيا
- مركز للشركات التي تسعى للحصول على معلومات حول الأسواق والتحول الرقمي والابتكارات الصناعية
بين الدفاع والمحسوبية: هل يستطيع الاتحاد الأوروبي السيطرة على أوكرانيا حقاً؟
نقطة النار: كيف تحولت شركة صب سابقة إلى مورد أسلحة بمليارات الدولارات
إلى جانب فضيحة إنيرغوأتوم، تُجسّد حالة أخرى هشاشة نظام المشتريات الأوكراني: شركة فاير بوينت المحدودة، المُصنّعة للطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة. هذه الشركة، التي كانت تعمل كوكالة صبّ قبل الحرب بثلاث سنوات فقط، تُعدّ الآن من أكبر موردي القوات المسلحة الأوكرانية. في حوالي 30 موقعًا سريًا في أوكرانيا، تُنتج فاير بوينت طائرات مسيّرة هجومية بعيدة المدى - بما في ذلك طراز "فلامنغو" - من مواد رخيصة الثمن مثل الستايروفوم والخشب الرقائقي وألياف الكربون المستخدمة في صناعة الدراجات، والتي تُستخدم تحديدًا في الهجمات على مصافي النفط الروسية.
معدل نمو الشركة استثنائي: ففي عام 2024، حصلت شركة فاير بوينت على عقود حكومية بقيمة تقارب 320 مليون دولار. وتشير التقارير إلى أن حجم العقود تجاوز مليار دولار بحلول عام 2025. كما تُشير ما يُسمى بـ"تسجيلات مينديتش" إلى أحجام عقود محتملة تصل إلى 7 مليارات دولار، وهو رقم تنفيه الشركة. وفي أغسطس/آب 2025، أعلن المكتب الوطني لمكافحة الفساد (NABU) عن بدء تحقيق في ما إذا كانت فاير بوينت قد بالغت في رفع الأسعار وأحجام التسليم بشكل مصطنع للحصول على عقود باهظة الثمن مع وزارة الدفاع.
كان رد فعل الشركة على التقارير الاستقصائية لافتًا للنظر: فقد هدد الرئيس التنفيذي، يهور سكاليها، هيئة تحرير صحيفة "كييف إندبندنت" باتخاذ إجراءات قانونية، وقدم شكوى إلى جهاز الأمن الأوكراني، مدعيًا أن التقارير تشكل خيانة عظمى، وأنها من شأنها تخريب برنامج الصواريخ الأوكراني. ولم تتضمن الرسالة أي دحض جوهري للاتهامات. تُعد هذه المحاولة لقمع الصحافة الناقدة عبر الضغوط المؤسسية مؤشرًا مقلقًا على جودة سيادة القانون في أوكرانيا، على الرغم من تأكيد شركة "فاير بوينت" رسميًا على استعدادها للتعاون مع السلطات.
البُعد الهيكلي: الفساد في حالة الحرب كظاهرة منهجية
من الخطأ التحليلي اعتبار حالات الفساد الموصوفة مجرد تجاوزات إجرامية معزولة. فهي تعبير عن توتر بنيوي ينشأ باستمرار في اقتصادات الحرب: فعندما تعمل عمليات الشراء الحكومية تحت ضغط زمني هائل وبأموال طائلة، وفي الوقت نفسه تضعف آليات الرقابة النظامية بفعل ظروف الحرب، وتُعطى الأولوية للشبكات الشخصية على الإجراءات البيروقراطية، تظهر بؤر للفساد الممنهج. وفي أوكرانيا، يتفاقم الوضع أكثر بسبب تغلغل شبكات تعود أصولها إلى ما قبل ثورة الميدان الأوروبي في أجزاء كبيرة من جهاز الدولة، وهي شبكات كان زيلينسكي ومينديتش ويرماك وغيرهم على صلة وثيقة بها.
أشارت الوكالة الفيدرالية للتربية المدنية، في تحليلها لصناعة الأسلحة الأوكرانية، إلى أوجه قصور هيكلية جوهرية، تتمثل في نقص الاستثمارات، والمشاكل التنظيمية، والعقود قصيرة الأجل، والعقبات البيروقراطية التي تعيق نمو القطاع. في الوقت نفسه، تتزايد المنافسة من شركات الأسلحة الأجنبية الساعية إلى إنشاء مصانع إنتاج خاصة بها في أوكرانيا. قد يكون لهذه المنافسة أثرٌ رادع على المدى المتوسط إذا ما فرضت مزيدًا من الشفافية وعمليات المناقصات التنافسية. أما على المدى القصير، فإنها تحفز الشركات الأوكرانية التي تتمتع بشبكات علاقات واسعة على استغلال علاقاتها القائمة بقوة لتحقيق أرباح طائلة قبل أن تجبرها المنافسة على الانسحاب.
تُثبت مؤسسات مكافحة الفساد - المكتب الوطني لمكافحة الفساد (NABU) وجهاز الأمن الخاص (SAPO) - جدارتها كحامية حقيقية لمشروع الإصلاح الأوكراني في هذه الظروف. إن قدرتها على التحقيق مع شخصيات نافذة مثل يرماك وتأمين حبسها احتياطياً قبل المحاكمة إنجازٌ عظيم يستحق التقدير. ويُظهر هذا أن الهياكل التي أُنشئت بعد ثورة الميدان الأوروبي قد طورت مرونة مؤسسية ملحوظة. في الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن هذه التحقيقات ربما لم تكن لتُجرى بهذه الحزم لولا الضغط المتواصل من الجهات المانحة الغربية، ولا سيما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي.
مصالح الجهات المانحة وشروطها: ما يمكن للاتحاد الأوروبي أن يطلبه في المقابل
بالنسبة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ودافعي الضرائب فيها، يبرز سؤالٌ شائكٌ حول كيفية ضمان استخدام مبلغ التسعين مليار يورو - المضمون أساسًا بسندات دين في ميزانية الاتحاد الأوروبي - للغرض المخصص له. يرتبط قرض الاتحاد الأوروبي رسميًا بشروطٍ محددة: إذ يُعدّ إحراز تقدم في الإصلاحات في مجالي سيادة القانون ومكافحة الفساد شرطًا أساسيًا لصرفه. عمليًا، تُصبح إدارة هذه الشروط أكثر صعوبةً بكثير في بلدٍ يخوض حربًا نشطة مقارنةً ببلدٍ في زمن السلم. فالضغط السياسي الهائل لعدم عرقلة صرف الأموال خشية هزيمة أوكرانيا. ويواجه المانحون مشكلة مصداقيةٍ كلاسيكية: فتهديدهم بحجب الأموال في حال فشل الإصلاحات لا يُعتدّ به إذا كان حجبها يُعرّض البلاد لخطر الانهيار العسكري.
تُفسر هذه الديناميكية تحديداً سببَ قوة هياكل الأوليغارشية والشبكات الأوكرانية، لا سيما في أوقات الحرب. فما دام تمويل الجيش يعتمد على الشبكات نفسها التي تمارس الفساد، لا يُبدي السياسيون اهتماماً يُذكر بتفكيك هذه الشبكات بالكامل. لذا، ينبغي فهم تحقيقات المكتب الوطني لمكافحة الفساد ضد ييرماك كدليل على صراعات داخلية على السلطة في أوكرانيا، ومحاولة من النخب المتنافسة لتغيير المواقف التي كشف عنها رحيل شخصيات نافذة في هذه الشبكات.
بالنسبة للمانحين الأوروبيين، يعني هذا أنهم سيحتاجون إلى الصبر. إن ربط القروض بتقدم الإصلاحات، على المدى الطويل، هو الأداة الأهم للتحول المؤسسي في أوكرانيا، ولكنه أداة بطيئة يصعب أن يكون لها تأثير فوري في ظل الحرب. ويجب أن يأخذ التوقع الواقعي في الحسبان أن جزءًا كبيرًا من الأموال المقدمة سيُوجه إلى هياكل لا تزال بعيدة عن استيفاء معايير الحوكمة الأوروبية.
الحسابات الجيوسياسية: ما الذي تشتريه أوروبا فعلاً بأموالها؟
بعيدًا عن المنظور المحاسبي، يبرز السؤال الجوهري: ما الذي تشتريه أوروبا فعليًا بقرض التسعين مليار يورو؟ الإجابة الواقعية هي: لا يقين بشأن نتيجة الحرب، ولا ضمانات لإحراز تقدم في الإصلاحات، ولا سداد مؤكد – ولكن الوقت. وقتٌ لأوكرانيا للحفاظ على وضعها العسكري أو تحسينه. وقتٌ للإطار الأمني الأوروبي للتكيف. وقتٌ للحلول الدبلوماسية، إن وُجدت. إن تأكيد واديفول على أن أوكرانيا "دائمًا ما تنظر إلى الأمور من منظور طويل الأمد" وأنها تستطيع دائمًا الاعتماد على الدعم الأوروبي، ليس مجرد خطاب سياسي: بل هو إشارة إلى موسكو بأن مجتمع المانحين الغربي لا يزال يعمل بجد.
إن كون هذا الدعم يمثل في الوقت نفسه استثمارًا استراتيجيًا في الأمن القومي هو النقيض القاطع للتشكيك. فالذين يتخلون عن أوكرانيا سيدفعون الثمن غاليًا في نهاية المطاف، من خلال الإنفاق الدفاعي، وضغوط الهجرة، وعدم الاستقرار الاقتصادي، وفقدان الردع الفعال. وبهذا المعنى، فإن قرض التسعين مليار يورو ليس عملًا خيريًا، بل هو بمثابة تأمين ذاتي. ومع ذلك، حتى هذا الحساب يفترض أن الأموال المقدمة تحقق بالفعل أثرها المنشود، وألا تتبدد في شبكات الفساد التي تقوض ثقة الرأي العام الأوروبي في المشروع على المدى البعيد.
لا يزال التوتر الأساسي قائماً: فأوروبا تنقل موارد غير مسبوقة تاريخياً إلى بلدٍ يعاني في الوقت نفسه من واحدة من أكبر فضائح الفساد في تاريخه الحديث، وهي فضيحة تمتد إلى الدائرة المقربة من الرئيس. وتُجري هيئات مكافحة الفساد تحقيقات مع وزراء سابقين، ورئيس سابق للإدارة الرئاسية، وشركات أسلحة. وفي الوقت نفسه، تخطط الحكومة نفسها لتدويل قطاع الأسلحة كنشاط تصديري. ولن تحل القروض أو الاتفاقيات المشروطة وحدها هذه التناقضات. ما هو مطلوب هو تحول هيكلي للمؤسسات الأوكرانية، والحرب تُوفر أسوأ بيئة ممكنة لتحقيق ذلك.
بين التبعية والبدايات الجديدة: آفاق النظام الاقتصادي الناجم عن الحرب
تواجه أوكرانيا مهمةً بالغة الصعوبة، تتمثل في تمويل دولةٍ في حالة حرب، وفي الوقت نفسه، وضع الأسس المؤسسية لدولة ما بعد الحرب. يُحقق قرض الاتحاد الأوروبي كلا الأمرين معًا، لكن ليس بشكلٍ كامل. سيُساهم مبلغ 30 مليار يورو المخصص لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي في دفع الأجور والمزايا الاجتماعية، وتجنب التضخم المفرط. أما مبلغ 60 مليار يورو المخصص للدفاع، فيهدف إلى إنشاء قاعدة صناعية يُمكن توظيفها في القطاع المدني بعد انتهاء الحرب.
تُمثل استراتيجية تصدير الأسلحة الطموحة - التي تتضمن عشرة مراكز تصدير في أوروبا بحلول عام 2026، وخطوط إنتاج طائرات بدون طيار في ألمانيا والمملكة المتحدة، واتفاقيات تعاون في عدة مناطق من العالم - محاولةً لتحويل ضرورة التبعية إلى فرصة. فإذا نجحت أوكرانيا في ترسيخ مكانتها كمورد موثوق لتقنيات الدفاع المجربة في ساحات القتال، فسوف تُدرّ عليها إيرادات قد تُسهم، على المدى البعيد، في تحقيق قدر من الاستقلال المالي. إن إمكانات النمو حقيقية: إذ يُقدّر حجم السوق الأوكرانية للطائرات بدون طيار وحدها بنحو 6.3 مليار دولار أمريكي، ويعمل في هذا القطاع أكثر من 150 شركة.
لكن هذا الاحتمال لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان الإطار القانوني مستقرًا، وتمّت ملاحقة الفساد قضائيًا بشكل متسق، وكانت العلاقات التعاقدية شفافة، وكان لدى المستثمرين الدوليين يقين بشأن حقوق ملكيتهم. إن فضيحة "فاير بوينت" ومحاولات إسكات الصحافة الاستقصائية بالتهديدات هي تحديدًا المؤشرات التي تقوّض هذه الثقة. بالنسبة لأوروبا، هذا يعني أن توفير 90 مليار يورو ضروري، ولكنه غير كافٍ بأي حال من الأحوال. ثمة حاجة إلى عملية سياسية طويلة ومتواصلة للدعم المؤسسي، بما في ذلك الاستعداد، في حالات فردية، لتقديم مطالب غير مريحة وإنفاذها، حتى لو تسبب ذلك في احتكاك سياسي قصير الأجل مع كييف.
لذا، فإن السؤال المحوري للسنوات القادمة ليس ما إذا كان بإمكان أوروبا توفير 45 مليار يورو إضافية لسد فجوة التمويل. فبالنظر إلى المصالح الاستراتيجية للقارة وقدراتها الاقتصادية، يُمكن حل هذا السؤال. السؤال المحوري هو ما إذا كانت أوروبا وأوكرانيا قادرتين معًا على إنشاء نظام حوكمة يضمن استخدام الأموال المُقدمة للغرض المُخصص لها. ولا يتوقف على ذلك مستقبل أوكرانيا فحسب، بل يتوقف عليه أيضًا مصداقية المشروع الأوروبي كفاعل جيوسياسي.
















