الأمن العالمي والجناح الشرقي لحلف الناتو: بين الطموح والواقع العملي
إصدار تجريبي من إكسبرت
Available in 27 languages 📢
فضّل استخدام Xpert.Digital على جوجلⓘتاريخ النشر: ٢٤ يوليو ٢٠٢٦ / تاريخ التحديث: ٢٤ يوليو ٢٠٢٦ - المؤلف: Konrad Wolfenstein
السكك الحديدية والذخيرة والخدمات اللوجستية: هذه الأمور قد تتسبب فعلاً في فشل دفاعات أوروبا
مليارات تُنفق على التسلح، لكن دون استعداد للقتال؟ مشكلة الأمن القاتلة في أوروبا
الجناح الشرقي لحلف الناتو تحت المجهر: لماذا لا يكفي المال وحده لحماية أوروبا في الأزمات؟
أيقظت الحرب الروسية ضد أوكرانيا أوروبا من سباتها في مجال السياسة الأمنية. ولكن في حين ترتفع ميزانيات الدفاع إلى مستويات قياسية، بل ويتجاوز هدف الناتو البالغ 2% في العديد من المناطق، يكشف تقرير GLOBSEC 2026 الجديد حول الجاهزية القتالية على الجناح الشرقي حقيقةً مزعجة: المال وحده لا يصنع الأمن. فالتناقض الهائل بين التصريحات السياسية والواقع العملياتي، والاختناقات اللوجستية، والجمود البيروقراطي، كلها عوامل تُهدد القدرة الدفاعية الحقيقية لأوروبا. وبينما تُعتبر دول مثل فنلندا وبولندا نماذج يُحتذى بها، فإن دولًا أخرى تُخاطر بأن تُصبح نقاط ضعف بسبب هياكل صنع القرار غير الفعّالة. يُسلط هذا التحليل الشامل الضوء على ما يعنيه ذلك بالنسبة لردع الناتو، وأين تكمن الثغرات الحقيقية، ولماذا تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة الأوروبية على وجه الخصوص فرصة تاريخية، وإن كانت مليئة بالتحديات.
ذو صلة بهذا الموضوع:
المزيد من المال، أمن أقل - لماذا لم تفِ أوروبا بعدُ بالتزاماتها الدفاعية؟
مركز أبحاث بمثابة ضمير أوروبا: ما هو GLOBSEC ولماذا هو مهم
لا يمكن لأي شخص مهتم بجدية بسياسة الأمن الأوروبي اليوم أن يتجاهل مؤسسة نشأت في مدينة صغيرة نسبياً في قلب أوروبا الوسطى: منظمة GLOBSEC، ومقرها براتيسلافا، سلوفاكيا. انبثقت هذه المنظمة من اللجنة الأطلسية السلوفاكية، التي تأسست عام 1993 - مباشرة بعد انتهاء الحرب الباردة - على يد مجموعة من الدبلوماسيين السلوفاكيين بهدف تعزيز اندماج سلوفاكيا في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. وقد تحقق هذا الهدف عام 2004، وتطورت المنظمة غير الحكومية الأصلية تدريجياً إلى شبكة مؤسسية: فمنذ عام 2005، تنظم GLOBSEC منتدى براتيسلافا العالمي للأمن سنوياً، والذي أصبح أحد أهم خمسة مؤتمرات أمنية على مستوى العالم.
لا تقتصر سمعة GLOBSEC على مؤتمراتها فحسب، بل تستند بالدرجة الأولى إلى ذراعها البحثي المتخصص في السياسات، وهو معهد GLOBSEC للسياسات. يُعنى المعهد بتحليل السياسة الخارجية، والأمن الدولي، والتكنولوجيا، ومرونة الديمقراطية، ويستهدف بشكل مباشر صناع القرار في الحكومات، وقطاع الأعمال، والمجتمع المدني. وقد ضمّت قائمة المتحدثين في فعالياته شخصيات بارزة مثل البابا فرنسيس، وديفيد كاميرون، ومادلين أولبرايت، وأورسولا فون دير لاين، وجون ماكين، وزبيغنيو بريجنسكي، ما يُبرز مكانة GLOBSEC الرائدة في نقاشات الأمن العالمي.
تكتسب منظمة GLOBSEC أهمية خاصة لأوروبا، ولا سيما أوروبا الوسطى، فهي من بين مراكز الفكر القليلة التي تُدمج باستمرار منظور أوروبا الوسطى في الحوار عبر الأطلسي. وفي وقتٍ تُؤثر فيه قرارات السياسة الأمنية في واشنطن وبرلين وباريس وبروكسل تأثيرًا كبيرًا على مصير الجناح الشرقي لحلف الناتو، تعمل GLOBSEC كجسرٍ وآلية تصحيح ونظام إنذار مبكر في آنٍ واحد. ولعلّ الدراسة التي نُشرت عام 2026 حول الجاهزية القتالية السنوية على الجناح الشرقي خير مثال على ذلك.
لماذا يمثل تقرير GLOBSEC بشأن الجناح الشرقي نقطة تحول؟
وثيقة GLOBSEC، الصادرة في مايو 2026 بعنوان "الجاهزية القتالية السنوية على الجناح الشرقي"، ليست مجرد ورقة استراتيجية عادية. إنها أول تقييم شامل ومقارن للجاهزية العسكرية على طول الجناح الشرقي لحلف الناتو، استنادًا إلى ثلاثة محاور رئيسية: الردع العسكري، وصنع القرار السياسي، والاستثمار والابتكار في مجال الدفاع. كما تتضمن خمسة تحليلات موضوعية معمقة حول الجاهزية السيبرانية، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، وإنتاج الأسلحة، وأنظمة الاحتياط، والدروس المستفادة من أوكرانيا.
تتناول الدراسة عشر دول، بدءًا من فنلندا ودول البلطيق مرورًا ببولندا وألمانيا وصولًا إلى بلغاريا، أي كامل المنطقة الواقعة بين بحر البلطيق والبحر الأسود، والتي تُعتبر منطقة التماس الأولى في حال نشوب مواجهة عسكرية مع روسيا. ويقيس مؤشر الجدول الزمني لصنع القرار (DMTI)، المُطور في التقرير، مدى سرعة استجابة الدولة في الأزمات الحقيقية، استنادًا إلى المحفزات القانونية، وسلاسل صنع القرار، وتوزيع الصلاحيات، والقدرة على حشد قواتها واستيعاب قوات الحلفاء.
والنتيجة تبعث على التأمل وتُلقي الضوء على جوانب مهمة: ثمة فجوة واضحة بين الدول التي تعتمد على هياكل مُعتمدة مسبقاً - وعلى رأسها فنلندا وإستونيا وبولندا - وتلك التي تستخدم إجراءات متسلسلة تعتمد على البرلمان، والتي قد تُحوّل الساعات إلى أيام في أوقات الأزمات. هذه الفجوة ليست مجرد ملاحظة نظرية، بل هي واقع عملي يُحدد ما إذا كان الردع فعالاً في الأزمات أم أنه مجرد حبر على ورق.
المثلث الذهبي للردع: المال، والقدرة، وسرعة اتخاذ القرار
أدى الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 إلى إيقاظ أوروبا من حالة التراخي الطويلة التي سادت فيما يتعلق بالسياسة الأمنية. ومنذ ذلك الحين، شهد الإنفاق الدفاعي في الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو ارتفاعًا ملحوظًا. وفي عام 2025، ولأول مرة، حققت جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو هدف الإنفاق الدفاعي البالغ 2%. ورفعت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو إنفاقها الدفاعي بنسبة 14% في عام 2025 ليصل إلى حوالي 739 مليار يورو، وهو أعلى معدل زيادة منذ خمسينيات القرن الماضي. وتتصدر بولندا القائمة بميزانية دفاعية بلغت 4.48% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أكثر من ضعف النسبة السابقة، وأعلى من الولايات المتحدة التي أنفقت 3.22% في العام نفسه.
لكن تقرير GLOBSEC يُخالف معادلةً مُبسطة: فزيادة الميزانيات لا تعني بالضرورة زيادة الجاهزية القتالية. وقد رصدت شركة ماكينزي وشركاؤه التناقض نفسه في دراسة أجرتها عام 2026: فمع أن دول الناتو الأوروبية تتجه نحو هدف جديد يتمثل في تخصيص 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع النووي، إلا أن مخزونات المعدات لدى العديد من الدول لا تزال دون مستويات عام 2021، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن عمليات الدعم المكثفة لأوكرانيا قد استنزفت مخزوناتها. كما أن أكثر من 50% من برامج التسلح الأوروبية الرئيسية متأخرة عن الجدول الزمني أو تتجاوز ميزانياتها.
يُحدد إطار عمل GLOBSEC بوضوح العقبة الحقيقية: المثلث الذهبي المتمثل في القدرة العسكرية، وسرعة اتخاذ القرارات السياسية، والقدرة الإنتاجية الصناعية. يجب أن تعمل العناصر الثلاثة جميعها في آنٍ واحد لكي يكون الردع فعالاً لا مجرد تصريح. إذا فشل أحدها أو تأخر، ينهار النظام تحت ضغط أزمة حقيقية.
فئتان على الجناح الشرقي: القراء المتحمسون والمتخلفون
يرسم التقرير صورة دقيقة، وربما غير مريحة أحيانًا، للدول العشر التي شملتها الدراسة. تُوصف فنلندا بأنها المعيار الذهبي الأوروبي للتخطيط الاستراتيجي، إذ يسمح إطارها القانوني للقوات المتحالفة بالتحرك والانتشار والعمل بأقل قدر من الموافقات السياسية الإضافية بمجرد رفع مستويات الجاهزية. أما إستونيا، فقد طورت نموذجها الفعال لإدارة الأزمات انطلاقًا من إدراكها لضعفها أمام التهديدات الهجينة، وعملت باستمرار على تبسيطه.
تُعدّ بولندا أيضاً من بين الدول الرائدة في هذا المجال: فمنذ عام 2022، سارعت وارسو بتطوير احتياطياتها الاستراتيجية، واستثمرت في أنظمة أسلحة حديثة - من الدبابات إلى الأنظمة بعيدة المدى - وهي الدولة الأوروبية الكبرى الوحيدة التي رفعت ميزانيتها الدفاعية إلى أكثر من أربعة بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي. وتتبع دول البلطيق، ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، نهجاً مماثلاً، لا سيما وأن قربها الجغرافي من روسيا يجعل أي حديث نظري عن المخاطر الأمنية واقعاً ملموساً.
على النقيض تمامًا، نجد المجر وسلوفاكيا. يعتمد تخطيط الطوارئ في بودابست بشكل كبير على المراسيم الحكومية، التي تتطلب عادةً التصديق أو إعادة الموافقة، وغالبًا ما تكون مثيرة للجدل سياسيًا. أما سلوفاكيا، فرغم امتلاكها هياكل أساسية، إلا أنها تحتاج، وفقًا لمؤلفي تقرير GLOBSEC، إلى تطبيق آليات استجابة أوضح وقدرات مُجهزة مسبقًا، للاستجابة بشكل أسرع للتهديدات الهجينة وحوادث الطائرات المسيّرة. هذا التفاوت المؤسسي ليس مجرد مسألة عسكرية، بل يعكس اختلاف الثقافات السياسية والتقاليد الإدارية وتصورات المخاطر الجيوسياسية.
المشكلة الحقيقية: تتفوق الأمور اللوجستية على خطاب النوايا
من أهم نتائج التقرير أن الخدمات اللوجستية - وليس فقط أنظمة الأسلحة أو الميزانيات - هي العائق الرئيسي. يلخص توماس ناجي، الباحث الرئيسي في GLOBSEC وأحد المؤلفين الرئيسيين للتقرير، الأمر بإيجاز: الاستدامة في الميدان هي الفجوة الحقيقية والخطيرة. ويشمل ذلك القدرة على الصيانة، والقيود اللوجستية الناتجة عن ضعف البنية التحتية للنقل، وقبل كل شيء، القدرة على الحركة العسكرية كعنصر دعم قتالي.
أبرز مثال ملموس على ذلك هو مشروع "سكك حديد البلطيق": شبكة سكك حديدية بطول 870 كيلومترًا تهدف إلى ربط إستونيا ولاتفيا وليتوانيا ببولندا، واستبدال المقياس الروسي البالغ 1520 مليمترًا بالمعيار الأوروبي، وهو عامل حاسم لسرعة نقل الإمدادات والمعدات الثقيلة من أوروبا الغربية إلى الجبهة الشرقية في حال نشوب حرب. تبلغ ميزانية المشروع الإجمالية أكثر من 15 مليار يورو، وكان من المقرر إنجازه بحلول عام 2030. إلا أن رئيس لجنة التحقيق اللاتفية صرّح بأن الجزء اللاتفي من المشروع لم يعد بالإمكان إنجازه بحلول عام 2030، بل في حدود عام 2035، وذلك في ظل التهديدات الأمنية الكبيرة من روسيا.
تشير هذه التأخيرات إلى معضلة هيكلية: فالبنية التحتية التي تحدد سرعة الاستجابة في الأزمات لا يمكن حمايتها في ظروف الحرب إذا لم تُستكمل في وقت السلم. وبينما يخطط حلف الناتو لإنشاء منطقة دفاعية آلية على طول الحدود مع روسيا وبيلاروسيا، مُجهزة بروبوتات وطائرات مسيرة وأنظمة تحكم عن بُعد لردع أي معتدٍ محتمل، فإن حتى أكثر بنى الردع تطورًا تظل هشة في غياب ممرات إمداد آمنة وبنية تحتية متينة للنقل.
الذخيرة والصيانة والأدوية: العناصر الثلاثة المنسية للاستعداد القتالي
إلى جانب مسألة التنقل، يُحدد التقرير ثغراتٍ حاسمة أخرى غالبًا ما يتم تجاهلها في النقاش العام. تُعتبر مخزونات الذخيرة، وقدرات الصيانة، وأنظمة الدعم الطبي من أهم المعوقات التي تحول دون استمرار الحرب في العديد من دول الجبهة الشرقية. هذه العناصر الثلاثة - ما يُعرف في المصطلحات العسكرية بـ"الاستدامة" - ليست عناصر تكميلية للقوة القتالية، بل هي أساسها الجوهري.
أكدت الحرب في أوكرانيا هذه الفرضية عمليًا: إن ما يحدّ بشدة من القوة العسكرية لأي دولة في صراع طويل الأمد وشديد الحدة ليس جودة أسلحة القيادة والسيطرة، بل القدرة على إنتاج وتوزيع كميات كافية من الذخيرة على مدى أشهر، وصيانة وإصلاح أنظمة الأسلحة بسرعة، وتوفير الرعاية الطبية للجنود الجرحى. بالنسبة للجناح الشرقي لحلف الناتو، يعني هذا أن التقدم الظاهر في الإنفاق الدفاعي وقوة القوات لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن القدرة الصناعية اللازمة لخوض صراع طويل الأمد لا تزال غير كافية في العديد من الدول.
تُحدد شركة ماكينزي حجم المشكلة: نسبة الطلبات المتراكمة إلى الإيرادات أعلى بكثير لدى شركات الدفاع الأوروبية مقارنةً بالولايات المتحدة، وتتزايد فترات التسليم، ويتم شراء نسبة كبيرة من الأنظمة الرئيسية من خارج أوروبا، مما يُطيل أمد الاعتماد الاستراتيجي ويُضعف قدرتها على الصمود. والنتيجة هي نقص هيكلي في الإمدادات على الجبهة الشرقية، وهو نقص لا يُمكن معالجته بمجرد التصريحات السياسية.
مركز الأمن والدفاع - المشورة والمعلومات
يقدم مركز الأمن والدفاع مشورة الخبراء ومعلومات حديثة لدعم الشركات والمؤسسات بفعالية في تعزيز دورها في سياسة الأمن والدفاع الأوروبية. وبالتعاون الوثيق مع فريق عمل الدفاع التابع لمبادرة "تواصل الشركات الصغيرة والمتوسطة"، يُعنى المركز بشكل خاص بدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تطوير قدراتها الابتكارية وتنافسيتها في قطاع الدفاع. وبصفته نقطة اتصال مركزية، يُشكل المركز جسراً حيوياً بين الشركات الصغيرة والمتوسطة واستراتيجية الدفاع الأوروبية.
ذو صلة بهذا الموضوع:
ثغرات الأمن في أوروبا: لماذا يتعاون الآن كل من الدفاع السيبراني والدفاع والشركات الصغيرة والمتوسطة؟
الحرب الهجينة كحالة دائمة: التهديدات السيبرانية بدون تكافؤ مؤسسي
من النتائج الرئيسية الأخرى لتقرير GLOBSEC ما يتعلق بالتهديدات السيبرانية والهجينة التي تواجه دول الجبهة الشرقية. فعلى مدى سنوات، عانت المنطقة من حملات تضليل منسقة، وأعمال تخريب للبنية التحتية، وهجمات سيبرانية موجهة، تقف وراءها في الغالب أجهزة استخبارات روسية خاضعة لسيطرة الدولة. ويخلص معدّو التقرير إلى استنتاج واضح: في كثير من الحالات، لا تتجاوز القدرة المؤسسية لهذه الدول على التصدي للتهديدات السيبرانية والهجينة مستوى العبء القائم.
بمعنى آخر، هذا يعني أن السلطات المسؤولة تعمل بالفعل في حالة أزمة دائمة، دون توفر الموارد البشرية والتقنية الكافية للتوسع السريع. وبينما تتبنى روسيا عمليات هجينة كامتداد استراتيجي متماسك لسياستها الخارجية، لا تزال العديد من دول أوروبا الشرقية تتفاعل بنهج وطنية مجزأة تفتقر إلى التنسيق المجتمعي. ويضع تطبيق توجيه NIS2 على المستوى الأوروبي معايير تنظيمية دنيا، لكن مستوى التنفيذ يتباين بشكل كبير.
يقدم التقرير ملاحظة هامة في هذا السياق: إن مرونة المجتمع ليست مجرد إضافة إلى سياسة الأمن الصارمة، بل هي عامل مستقل مضاعف للقوة. فثقة الجمهور في مؤسسات الدولة، واستعداده للتعاون في أنظمة الاحتياط، وقدرته على الحفاظ على تدابير الدفاع المدني، كلها عوامل تعزز القدرات الدفاعية بشكل ملموس. وتُظهر فنلندا مرة أخرى الطريق الأمثل: فوجود نظام احتياطي متطور، مقترن بثقافة أمنية قائمة على التوافق السياسي، يزيد من استجابة النظام بأكمله بطريقة لا يمكن تحقيقها من خلال الإنفاق العسكري وحده.
ذو صلة بهذا الموضوع:
- نقطة الضعف في إعادة التسلح: النائب البرلماني توماش زديكوفسكي ومنظمة SME Connect يناضلان من أجل الشركات الصغيرة والمتوسطة
الجناح الصناعي: صناعة الأسلحة الأوروبية بين النمو والاختناقات
تُعدّ صناعة الدفاع محورًا أساسيًا في مسألة إمكانية ترجمة طموحات السياسة الأمنية الأوروبية الجديدة إلى قدرات عملياتية فعلية. ويفترض نموذج EY/DekaBank لعام 2026 أن الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو ستضطر إلى إنفاق حوالي 770 مليار يورو سنويًا لتحقيق أهداف الحلف بحلول عام 2035. ومن هذا المبلغ، سيتم تخصيص حوالي 220 مليار يورو سنويًا للإنفاق الدفاعي المباشر، ما سيؤدي إلى آثار اقتصادية كلية كبيرة: ففي ألمانيا وحدها، سيرتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.9% على الأقل، وسيتم توفير أو استحداث حوالي 360 ألف وظيفة سنويًا.
على المستوى الأوروبي، تُؤمّن الاستثمارات في الدفاع والمعدات العسكرية حوالي 1.9 مليون وظيفة، منها ما يقارب 600 ألف وظيفة مباشرة في قطاع الدفاع، ونحو مليون وظيفة غير مباشرة لدى الموردين. تُبيّن هذه الأرقام التقارب المتزايد بين السياسات الأمنية والاقتصادية. مع ذلك، هذا هو الجانب الإيجابي فقط. أما الجانب السلبي فيكمن في سوق الدفاع الأوروبية التي لا تزال مُجزّأة، مع معايير شراء وطنية، ونقص في قابلية التشغيل البيني، والأهم من ذلك - وهو أمر بالغ الخطورة على الجناح الشرقي لحلف الناتو - عدم كفاية القدرة على التوسع لمواجهة صراع طويل الأمد وعالي الحدة.
تشير تقديرات مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس إلى أن حوالي 40% من الإنفاق الدفاعي الأوروبي ينتهي به المطاف خارج الاتحاد الأوروبي، لا سيما فيما يتعلق بالقدرات التي لا تستطيع أوروبا إنتاجها محلياً، مثل أنظمة الضربات بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع الصاروخي الباليستي، وأنظمة الإنذار المبكر، والطائرات المقاتلة الشبحية، والطائرات المسيّرة الكبيرة. ولا يُعدّ هذا الاعتماد الخارجي مجرد هامش، بل عامل خطر استراتيجي، قد يتحول إلى نقطة اختناق في حال حدوث أزمة إذا ما تسببت أسباب سياسية أو لوجستية في تعطيل الإمدادات.
الشركات الصغيرة والمتوسطة في طور التحول: صناعة الدفاع الجديدة كفرصة
يمثل هذا التحول الصناعي فرصة تاريخية للشركات الصغيرة والمتوسطة الألمانية والأوروبية، وإن كان مصحوبًا بتحديات هيكلية كبيرة. ويُظهر استطلاع رأي أجرته رابطة غرف التجارة والصناعة الألمانية (DIHK) في ربيع عام 2026 أن شركة واحدة من بين كل ست شركات صناعية في ألمانيا تعمل بالفعل في سلسلة قيمة صناعة الدفاع، بينما ترى شركة واحدة من بين كل ثلاث شركات تقريبًا في ذلك فرصة لتطوير نموذج أعمالها. وأفادت الرابطة الألمانية لصناعة الأمن والدفاع أن عدد أعضائها قد تضاعف تقريبًا منذ نوفمبر 2024، من 243 إلى 440 عضوًا، ثلثاهم من الشركات الصغيرة والمتوسطة.
يكمن الدافع الرئيسي في ظاهرة هيكلية: إذ تعاني العديد من الشركات المتوسطة الحجم في قطاعي توريد السيارات والهندسة الميكانيكية من مشاكل في استغلال الطاقة الإنتاجية نتيجة للتغيرات التي يشهدها قطاع السيارات، وتبحث عن أسواق مبيعات جديدة. وتقدم صناعة الدفاع ما تحتاجه هذه الشركات تحديدًا: طلبات مستقرة طويلة الأجل، ودعم حكومي، وفرصة الاستفادة من الخبرات التصنيعية القائمة - المكونات الميكانيكية، والتجميع الدقيق، والطلاءات الخاصة، والإلكترونيات - في سوق متنامية.
تُعدّ مجالات الأمن السيبراني وأمن تكنولوجيا المعلومات، وتكنولوجيا الاستشعار وتكنولوجيا الاتصالات، والأنظمة غير المأهولة مثل الطائرات المسيّرة والمنصات ذاتية التشغيل، والخدمات اللوجستية، والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن استخدامها لأغراض مدنية وعسكرية، من أهم المجالات بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة. ويُعتبر الاستخدام المزدوج المجال الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية، حيث إن الشركات التي تُنتج أدوات الآلات، ومعدات الاختبار والقياس، والصمامات، والبصريات، أو الإلكترونيات المتخصصة، غالباً ما تكون جزءاً من سلسلة التوريد دون أن تُدرك ذلك، أو يُمكنها أن تُصبح كذلك بإجراء بعض التعديلات الهيكلية البسيطة.
العقبة الخفية: لماذا لا تستفيد الطبقة الوسطى إلا بشكل محدود
على الرغم من التوقعات الإيجابية للنمو بشكل عام، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تستفيد حاليًا إلا بشكل محدود من طفرة صناعة الأسلحة. ويعود ذلك إلى عدة عوائق هيكلية. أولًا، تهيمن شركات الدفاع الكبرى - راينميتال، وهينسولد، وديهل ديفنس، وكي إن دي إس - على أعلى مستويات الطلبات، وتعمل على توسيع قدراتها الإنتاجية دون الاعتماد بالضرورة على موردين خارجيين من الشركات الصغيرة والمتوسطة. ثانيًا، تتسم شروط وصول الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى إجراءات الشراء لدى الجيش الألماني بالتعقيد: فالفحوصات الأمنية، ولوائح مراقبة الصادرات، وفترات التسليم الطويلة، ومتطلبات الاعتماد المعقدة، كلها عوامل تُثني العديد من الموردين المحتملين.
ثالثًا، ينشأ التعقيد التنظيمي من التطبيق المتوازي لعدة قوانين أوروبية: إذ ينطبق قانون الذكاء الاصطناعي، وتوجيه NIS2، وقانون المرونة السيبرانية أيضًا على الشركات التي تُطوّر منتجات دفاعية ذات استخدام مدني-عسكري مزدوج، وتُبالغ العديد من الشركات في تقدير نطاق الإعفاءات القائمة. رابعًا، يُراقب المستثمرون وشركات الأسهم الخاصة هذا القطاع بشكل متزايد: فقد بلغ حجم معاملات الأسهم الخاصة في قطاع الدفاع الأوروبي عام 2025 ضعف متوسط الخمس سنوات، وارتفع مؤشر STOXX للفضاء والدفاع بنسبة 74% في عام 2025، ما يُشير إلى تدفق رؤوس الأموال إلى هذا القطاع، وإلى بدء عمليات الدمج والاستحواذ على مستوى الموردين.
مع ذلك، فإنّ الشركات التي تُنمّي خبراتها مبكراً، وتُقيم شراكات استراتيجية، وتُعالج المتطلبات التنظيمية بشكل منهجي، يُمكنها أن تُرسّخ مكانتها في سوق يبدو مسار نموها مضموناً لعقد من الزمن على الأقل. ويُقدّم برنامج تمويل صندوق الدفاع الأوروبي حوافز مُوجّهة لمشاريع التعاون عبر الوطنية، والتي تُمثّل وسيلة جذّابة، لا سيما للشركات المتوسطة الحجم ذات الموارد الدولية المحدودة.
المرونة المجتمعية كمتغير استراتيجي
يُبرز تقرير GLOBSEC 2026 بوضوح دور المرونة المجتمعية كعامل مُضاعف للقوة، وهذا ليس مجرد كلام. ففي عصرٍ تستهدف فيه التهديدات الهجينة تآكل ثقة الجمهور، يُشكّل الاستقرار النفسي والمؤسسي للسكان جزءًا لا يتجزأ من بنية الدفاع. وبالنسبة للدول العشر التي شملتها الدراسة، يتضح أن الدول التي تجمع بين نظام احتياطي قوي وأسس مجتمعية راسخة - وفنلندا مثالٌ بارز على ذلك - تمتلك عمقًا دفاعيًا نوعيًا مختلفًا مقارنةً بالدول التي تعتمد على جيوش نظامية صغيرة وأنظمة ردع مستوردة.
لهذا الإدراك تداعيات اقتصادية مباشرة لا تزال غائبة عن النقاش الدائر حول السياسة الأمنية. فالمرونة المجتمعية لا تنشأ من فراغ، بل تتطلب أنظمة تعليمية ومعلوماتية فعّالة، ووعياً إعلامياً لمواجهة التضليل، ونظام رعاية صحية قوياً، وبنية تحتية اجتماعية قادرة على العمل حتى في ظل الضغوط. وهذا يعني أن الحدود بين الاستثمار الدفاعي والخدمات العامة المدنية تتلاشى تدريجياً، سياسياً واقتصادياً.
تُعدّ التداعيات على الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وعلى بيئة الأعمال ككل، لافتةً للنظر: فالشركات التي تُقدّم حلولاً في مجالات الأمن السيبراني، وتكنولوجيا الاتصالات، والبنية التحتية الحيوية، ومرونة الخدمات اللوجستية، والرعاية الطبية، لا تقتصر أهميتها على الجانب الصناعي فحسب، بل تمتدّ لتشمل الجانب الأمني أيضاً. ويتلاشى التمييز بين شركات الدفاع والشركات التي تُوفّر الأمن القومي الأساسي، مما يُتيح فرصاً استراتيجية جديدة للشركات التي لم تكن لها سابقاً أيّة علاقة بقطاع الدفاع.
ما الذي يجب أن تستعد له أوروبا بحلول عام 2030
يُحدد التقرير إطارًا زمنيًا ضمنيًا بالغ الأهمية اقتصاديًا واستراتيجيًا: عام 2030. وبحلول ذلك الوقت، يجب تحقيق أهداف الإنفاق الجديدة المتفق عليها في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بشكل كبير، وهي 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع النووي، بالإضافة إلى 1.5% للبنية التحتية ذات الصلة بالدفاع. وهذا يعني أن على معظم دول أوروبا القارية تعبئة ما بين نقطة مئوية ونقطة ونصف من الناتج المحلي الإجمالي كإنفاق إضافي. وبمقارنة هذا مع الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فإن ذلك يُعادل متطلبًا سنويًا إضافيًا بمئات المليارات.
إن ضغط الوقت ليس مجرد مسألة نظرية. فالتأخيرات في مشروع "ريل بالتيكا"، والنقص في إنتاج الذخائر، وعدم اكتمال منطقة الدفاع الآلي لحلف الناتو على الجناح الشرقي، كلها سمات لمرحلة انتقالية يتزايد فيها التهديد الحقيقي بوتيرة أسرع من آليات الاستجابة المؤسسية والصناعية. ويُقدم تقرير "غلوبسيك" هذا التشخيص بوضوح تحليلي: فالردع اليوم لا يتعلق في المقام الأول بالقدرات أو الإنفاق، بل بالقدرة على مواءمة الأنظمة العسكرية والسياسية والصناعية ضمن أطر زمنية مضغوطة.
بالنسبة للاقتصاد الأوروبي، يُمثل هذا توافقاً نادراً: إذ تتلاقى الضرورة الاستراتيجية مع فرص النمو الاقتصادي. فالاستثمارات في الدفاع، والمرونة، والبنية التحتية، والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج، لا تخدم مصالح الأمن القومي فحسب، بل تفتح أيضاً أسواقاً ذات إمكانات نمو استثنائية. وبهذا المعنى، لا يُعد تقرير GLOBSEC وثيقةً للخوف، بل هو بالأحرى خريطةٌ للفجوات الاستراتيجية، تُشكل في الوقت نفسه مخططاً للعمل الصناعي والاقتصادي.
ما الذي يتبقى: قوة إعلانية أم جوهر عملي؟
يُقدّم تقرير GLOBSEC السنوي حول جاهزية المعارك لعام 2026 استنتاجاً واضحاً وإن كان مُقلقاً: التقدم حقيقي، لكنه غير متساوٍ. فبعض أجزاء الجناح الشرقي لحلف الناتو مُعرّضة للخطر هيكلياً في حال وقوع أزمة حقيقية. ولا يُمكن سدّ الثغرات في سرعة التعبئة، والإمداد اللوجستي، ومخزونات الذخيرة، وقدرات الصيانة، والمرونة المؤسسية بمجرد تصريحات سياسية، بل فقط من خلال استثمارات مُستمرة وطويلة الأجل في القدرات العملياتية.
بالنسبة لأوروبا ككل، وللمؤسسات الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص، يُمثل هذا تحديًا ثلاثيًا: تحديد الأولويات السياسية الصحيحة، وتوسيع نطاق القدرات الإنتاجية صناعيًا في إطار زمني أقصر بكثير من المعتاد، وخفض الحواجز المؤسسية أمام وصول هذه المؤسسات إلى الأسواق بشكل منهجي. ويُقدم تحليل GLOBSEC التشخيص اللازم. ويكمن الحل في أيدي الحكومات والصناعات والمجتمعات المستعدة لتحويل التصريحات إلى واقع عملي.
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
رئيس قسم تطوير الأعمال
رئيس فريق عمل الدفاع التابع لشبكة الشركات الصغيرة والمتوسطة
الاستشارات - التخطيط - التنفيذ
يسعدني أن أكون مستشارك الشخصي.
يمكنكم التواصل معي عبر البريد الإلكتروني wolfenstein∂xpert.digital أو
اتصل بي على الرقم +49 7348 4088 965 .























