اتفاقيات أبراهام – مشروع ترامب لتعزيز مكانته ينهار: لماذا يكتفي شيوخ العرب الآن بإرسال رموز تعبيرية ضاحكة؟
إصدار تجريبي من إكسبرت
Available in 27 languages 📢
فضّل استخدام Xpert.Digital على جوجلⓘتاريخ النشر: ٢٨ مايو ٢٠٢٦ / تاريخ التحديث: ٢٨ مايو ٢٠٢٦ - المؤلف: Konrad Wolfenstein

اتفاقيات أبراهام – مشروع ترامب لتعزيز مكانته ينهار: لماذا يكتفي شيوخ العرب الآن بإرسال رموز تعبيرية ضاحكة؟ – الصورة: Xpert.Digital
خمسة عيوب تصميمية قاتلة: لماذا يتحول أكبر اتفاق دبلوماسي في الشرق الأوسط إلى قنبلة موقوتة
عندما يضحك الشيوخ ويصمت المتشددون - يُوضع أكبر مشروع مرموق لترامب على المحك
إسرائيل وإيران ودول الخليج: الحقيقة المُرّة وراء واجهة اتفاقيات أبراهام
اعتُبرت اتفاقيات أبراهام علامة فارقة تاريخية عند توقيعها، وأكبر مشروع سياسي خارجي لدونالد ترامب. لكن بعد مرور ست سنوات تقريبًا على الاحتفال الذي أُقيم في حديقة الورود بالبيت الأبيض، تكشف نظرة خاطفة على كواليسها صورةً مُقلقة. فبينما تزدهر العلاقات التجارية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، تُعرّي الصراعات المتصاعدة في الشرق الأوسط عيوبًا جوهرية في تصميم الاتفاقية. والأهم من ذلك، أن الاستبعاد المُتعمّد للقضية الفلسطينية يُثبت بشكل متزايد أنه قنبلة موقوتة هيكلية للمنطقة بأسرها. عندما حاول ترامب توسيع الاتفاقية بمطالب جديدة، تكاد تكون عبثية، في مايو/أيار 2026، لم يُقابل إلا بالسخرية والاستهزاء في الأوساط الدبلوماسية العربية. هل هذا الهيكل المُشاد به للسلام ليس في الواقع سوى واجهة دبلوماسية؟ يكشف تحليل مُعمّق ما تُحقّقه الاتفاقية فعليًا اليوم، ولماذا، وإن لم تُلغَ تمامًا، تفقد جوهرها بشكلٍ كبير.
اتفاقيات أبراهام: هل هي هندسة سلام أم واجهة دبلوماسية؟
في 25 مايو/أيار 2026، نشر دونالد ترامب على منصته "تروث سوشيال" مطلبًا أثار استغرابًا واسعًا في الأوساط الدبلوماسية: انضمام السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن - بشكل متزامن وملزم - إلى اتفاقيات أبراهام. وزعم أن أي دولة ترفض ذلك تُظهر "نوايا خبيثة". وأضاف، في إشارة إلى إمكانية انضمام إيران، العدو اللدود لإسرائيل، إلى الاتفاق بعد التوصل إلى تسوية سلمية محتملة. ما كان يُفترض أن يكون انقلابًا دبلوماسيًا كبيرًا انتهى بصمت مطبق في المكالمة الجماعية، وردود فعل ساخرة من مسؤولين حكوميين عرب لمسؤولين أمريكيين سابقين. تُجسد هذه الحادثة ما آلت إليه اتفاقيات أبراهام بعد ست سنوات تقريبًا من وجودها: أداة دبلوماسية جادة ذات نتائج اقتصادية ملموسة، وفي الوقت نفسه، أداة سياسية تقترب من حدودها الهيكلية.
الأصل والهندسة المعمارية: ما يكمن وراء الاسم
في 15 سبتمبر/أيلول 2020، وقّع ممثلو الإمارات العربية المتحدة والبحرين وإسرائيل اتفاقيات تطبيع العلاقات في حديقة الورود بالبيت الأبيض، مُرسّخين بذلك العلاقات الدبلوماسية بين هذه الدول. ويُستمد اسم "اتفاقيات إبراهيم" من شخصية إبراهيم التوراتية، الذي يُعتبر أحد الآباء المشتركين في المسيحية واليهودية والإسلام، وهو رمز للترابط الديني يهدف إلى إضفاء بُعد تاريخي على الاتفاقية. وانضمت المغرب إلى الاتفاقيات في ديسمبر/كانون الأول 2020، تلتها السودان في يناير/كانون الثاني 2021، إلا أن عدم الاستقرار السياسي الداخلي هناك حال دون التنفيذ الكامل لها حتى الآن.
لا تتجاوز الوثيقة صفحتين، وتبقى غامضة في مضمونها. وتتألف أساسًا من إعلانات نوايا بشأن السلام، ورغبة في الحوار، والتعاون في مجالات العلوم والفنون والطب والاقتصاد. وتفتقر الوثيقة إلى التزامات ملموسة، وآليات إنفاذ، وجداول زمنية ملزمة. وقد شكّل هذا الأمر نقطة قوة وضعف في آنٍ واحد منذ البداية: فعدم إلزامها سهّل توقيعها، ولكنه في الوقت نفسه حال دون ترسيخها مؤسسيًا بشكل عميق.
من الناحية النظرية، مثّل الاتفاق تطوراً لورشة عمل "السلام من أجل الازدهار" التي أطلقها جاريد كوشنر، صهر ترامب، في البحرين في يونيو/حزيران 2019. وكانت الفكرة الأساسية هي أن الحوافز الاقتصادية وتوافق المصالح الجيوسياسية كفيلان بتجاوز المأزق السياسي، دون اشتراط حل القضية الفلسطينية كشرط مسبق. إلا أن هذا النهج النظري أثبت لاحقاً أنه خلل جوهري في التصميم.
السياق الجيوسياسي: إيران كعامل تماسك فعلي
لفهم اتفاقيات أبراهام من منظور اقتصادي وجيوسياسي، لا بد من تحديد دوافعها الحقيقية: لم يكن الدافع الأساسي هو التعاطف مع إسرائيل، بل العداء المشترك لإيران الذي دفع دول الخليج إلى طاولة المفاوضات. فقد رأت السعودية والإمارات والبحرين في الشراكة الأمنية الضمنية مع إسرائيل وسيلةً لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، عبر وكلاء مثل الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، وحماس في قطاع غزة. أما واشنطن، فقد اتخذت من نفسها قوةً حاميةً وضامنةً، بهدف واضح هو موازنة النفوذ الصيني المتنامي في مجال التكنولوجيا المتقدمة في المنطقة.
يُفسر هذا السياق من المصالح سبب نجاح الاتفاقيات بصيغتها الأصلية: إذ لم تُلزم الدول العربية الموقعة بإعادة النظر في موقفها من القضية الفلسطينية، بل اقتصرت على الاعتراف الرسمي بوجود إسرائيل، وبأنها شريك مفيد في مواجهة عدوهم المشترك. وقد شهدت العلاقات الثنائية بين الإمارات والبحرين، من جهة، وإسرائيل، من جهة أخرى، توسعاً كبيراً في السنوات الثلاث الأولى التي تلت توقيع الاتفاقيات، لا سيما من خلال التعاون في مجالات الاقتصاد والبيئة والأمن.
ألغت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، الموقعة عام 2022 والمُبرمة نهائياً عام 2023، الرسوم الجمركية على أكثر من 96% من السلع المتبادلة. وكانت هذه الاتفاقية الأسرع في تاريخ التجارة الحرة لإسرائيل. وأعلنت وزارة الاقتصاد الإماراتية عن هدفها المتمثل في رفع قيمة التبادل التجاري إلى عشرة مليارات دولار أمريكي سنوياً خلال خمس سنوات.
الواقع الاقتصادي: ما تقوله الأرقام حقاً
إن النتائج الاقتصادية لاتفاقيات أبراهام حقيقية، لكنها موزعة بشكل غير متكافئ، ومخيبة للآمال عند مقارنتها بالوعود الأصلية. بلغ إجمالي التبادل التجاري بين إسرائيل والدول الأربع الموقعة على الاتفاقيات بين عامي 2021 و2024 ما يلي: 6.44 مليار دولار أمريكي مع الإمارات، و575.9 مليون دولار أمريكي مع المغرب، و50.4 مليون دولار أمريكي فقط مع البحرين. وبذلك، تُعدّ الإمارات الشريك التجاري المهيمن بلا منازع، بينما لم تلعب البحرين والمغرب سوى دور اقتصادي هامشي حتى الآن.
أفاد معهد اتفاقيات أبراهام للسلام، خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2024، عن أحجام التبادل التجاري التالية: بلغ حجم التبادل التجاري بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة 1.39 مليار دولار أمريكي (بزيادة قدرها 8% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق)، ووصل حجم التبادل التجاري مع البحرين إلى 53.7 مليون دولار أمريكي (بزيادة قدرها 933%، مع العلم أن هذه النسبة كانت منخفضة للغاية، مما قد يؤثر على دقة الأرقام النسبية)، وبلغ حجم التبادل التجاري مع المغرب 53.2 مليون دولار أمريكي (بزيادة قدرها 64%). وفي الأشهر السبعة الأولى من عام 2024، بلغ إجمالي حجم التبادل التجاري الثنائي بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة 1.92 مليار دولار أمريكي، أي بزيادة قدرها 4% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ولكنه أقل بكثير من معدل النمو المسجل في عامي 2022 و2023.
بلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة حوالي 3.2 مليار دولار أمريكي في عام 2024، وهو رقم كبير، ولكنه بعيد كل البعد عن الهدف المنشود البالغ 10 مليارات دولار أمريكي بحلول عام 2028. ويبدو هذا الهدف متواضعاً بالنسبة لاقتصادين يولدان معاً أكثر من تريليون دولار أمريكي من الناتج الاقتصادي. وبالمقارنة، تتعامل ألمانيا مع حجم مماثل من التبادل التجاري مع شريك تجاري واحد متوسط الحجم في غضون بضعة أشهر فقط.
يمتد التعاون التجاري ليشمل قطاعاتٍ مثل التكنولوجيا، والتكنولوجيا الزراعية، والأمن السيبراني، والطب، والتمويل. وقد فتحت الشركات الإسرائيلية الناشئة أسواقًا جديدة، واستثمرت صناديق الثروة السيادية الإماراتية في شركات التكنولوجيا الإسرائيلية. وفي مجال الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الخضراء، أثبت التعاون مع المغرب جدواه بشكلٍ خاص. وبينما أدى هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 والحرب التي تلته إلى انخفاضٍ عام في التجارة الإسرائيلية بنسبة 18%، انخفض حجم التجارة مع دول اتفاقية أبراهام بنسبة 4% فقط، مما يدل على مرونة الشراكة الاقتصادية.
تُعدّ هذه النتيجة ذات أهمية تحليلية بالغة: فقد طوّرت التجارة والاستثمار منطقًا متأصلًا يتجاوز الاضطرابات السياسية قصيرة الأجل. ويجني التجار ومديرو الصناديق والشركات فوائد اقتصادية من عودة الأوضاع إلى طبيعتها، ويعمل هذا الدافع الاقتصادي المتأصل كعامل استقرار. مع ذلك، سيكون من الخطأ استنتاج عمق سياسي من هذا.
الفراغ الفلسطيني: نقطة الضعف في الاتفاق
يكمن الخلل الهيكلي الأخطر في اتفاقيات أبراهام فيما أغفلته عمداً. فللمرة الأولى منذ عقود، طبعت الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل دون اشتراط حل القضية الفلسطينية. وقد أدى ذلك فعلياً إلى دفن مبادرة السلام العربية التي تم الاتفاق عليها في بيروت عام 2002، وهي الاتفاقية التي بموجبها لن تعترف الدول العربية بإسرائيل إلا إذا انسحبت إسرائيل من الأراضي المحتلة وسمحت بإقامة دولة فلسطينية.
ندد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالاتفاقيات ووصفها بـ"الخيانة". ووصفتها حماس بـ"الطعنة في الظهر". لم يكن هذا الرد مجرد كلام، بل أشارت الاتفاقيات إلى القيادة الإسرائيلية بإمكانية الاعتراف الدبلوماسي دون تقديم تنازلات للشعب الفلسطيني، مما أضعف موقف الفلسطينيين التفاوضي بشكل جوهري. ويرى العديد من المحللين أن هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم يكن يهدف فقط إلى إلحاق الضرر بإسرائيل، بل أيضاً إلى تقويض التقارب الذي كان يلوح في الأفق بين السعودية وإسرائيل آنذاك.
خلص تقريرٌ صادرٌ عن مؤسسة كارنيغي إلى أن الاتفاقيات صُممت للالتفاف على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ما أدى فعلياً إلى تطبيع الاحتلال الإسرائيلي دون أي أملٍ في تحقيق السيادة الفلسطينية. ويعود هذا الخلل المنهجي الآن بقوةٍ أكبر: فما دامت الشعوب العربية ترى صور حرب غزة، تواجه الحكومات العربية ضغوطاً سياسية هائلة لعدم السعي علناً إلى التطبيع مع إسرائيل. وقد ارتفع ثمن دعم اتفاقيات أبراهام بشكلٍ كبيرٍ بالنسبة للحكومات العربية.
السابع من أكتوبر كاختبار للتحمل: ما الذي صمد وما الذي انهار
شكّل هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والهجوم الإسرائيلي المضاد في قطاع غزة، اختباراً بالغ الصعوبة لاتفاقيات أبراهام. وكانت النتيجة متباينة. فعلى الصعيد المؤسسي، صمدت الاتفاقيات: إذ بقي السفراء في مناصبهم، ولم تُقطع العلاقات التجارية رسمياً، واستمرت خطوط الطيران. وقد أبقت الإمارات والبحرين، على وجه الخصوص، دبلوماسييهما في تل أبيب.
على الصعيدين الاستراتيجي والعام، لحقت أضرار جسيمة. ومن المفارقات أن يوم 14 أبريل/نيسان 2024 أظهر فائدة من الاتفاقيات: فعندما شنت إيران هجومًا غير مسبوق على إسرائيل باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، تبادلت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية المعلومات الاستخباراتية وتعاونتا في الدفاع. وقد بيّن هذا أن البُعد الأمني للاتفاقيات ظل فعالًا رغم الحرب في غزة.
إلا أن صراعات الولاءات العامة اندلعت في الدول الموقعة. ففي البحرين، نُظمت مظاهرات يومية تضامناً مع الفلسطينيين، وشعر وزير الخارجية البحريني بضرورة إدانة العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة بشدة. أما في الإمارات العربية المتحدة، حيث تخضع وسائل التواصل الاجتماعي لرقابة صارمة، فقد انتشرت منشورات داعمة للفلسطينيين على نطاق واسع. وقد هزّ الهجوم الإسرائيلي على مكتب لحماس في الدوحة في سبتمبر/أيلول 2025 - وهو أول هجوم إسرائيلي على عاصمة خليجية - الشعور بالأمن في المنطقة، ودفع الدول العربية إلى اتخاذ موقف طارئ مشترك.
حظرت الإمارات العربية المتحدة شركات الأسلحة الإسرائيلية من المشاركة في معرض دبي للطيران، وحذرت من أن خطط إسرائيل لضم أجزاء من الضفة الغربية قد تُعرّض العلاقات الثنائية للخطر. ووصف مسؤولون إماراتيون وبحرينيون أنفسهم بأنهم "يشعرون بخيبة أمل وإحباط" لأن إسرائيل وضعتهم في "موقف محرج". وهكذا، لا تزال الاتفاقيات قائمة، لكن جوهرها يتآكل تدريجياً.
خبرتنا العالمية في مجال الصناعة والاقتصاد في تطوير الأعمال والمبيعات والتسويق

خبرتنا العالمية في مجال الصناعة والاقتصاد في تطوير الأعمال والمبيعات والتسويق - الصورة: Xpert.Digital
مجالات التركيز الصناعية: الأعمال التجارية بين الشركات، والتحول الرقمي (من الذكاء الاصطناعي إلى الواقع الممتد)، والهندسة الميكانيكية، والخدمات اللوجستية، والطاقات المتجددة، والصناعة
للمزيد من المعلومات، انقر هنا:
مركز متخصص يقدم رؤى وخبرات:
- منصة معرفية تغطي الاقتصادات العالمية والإقليمية والابتكار والاتجاهات الخاصة بكل صناعة
- مجموعة من التحليلات والرؤى والمعلومات الأساسية من مجالات تركيزنا الرئيسية
- مكانٌ للخبرة والمعلومات حول التطورات الحالية في مجال الأعمال والتكنولوجيا
- مركز للشركات التي تسعى للحصول على معلومات حول الأسواق والتحول الرقمي والابتكارات الصناعية
فقاعة هيبة أم ضامن للسلام: السجل غير المنقح لدبلوماسية ترامب في الشرق الأوسط
نقاط الضعف الهيكلية: خمسة عيوب في التصميم
إن نقاط ضعف اتفاقيات أبراهام ليست وليدة الصدفة، بل تكمن في تصميم المشروع نفسه. ويكشف تحليل منهجي عن خمسة عيوب تصميمية رئيسية تحد من فعاليته على المدى الطويل.
الخطأ الأول، كما سبق شرحه، هو غياب الحل الفلسطيني. إن استبعاد الصراع الفلسطيني قد خلق قنبلة موقوتة هيكلية: فما دام التقدم نحو حل الدولتين غير ملموس، فإن كل خطوة نحو التطبيع ستظل غير شرعية بالنسبة للشعوب العربية ومكلفة سياسياً للحكومات العربية.
أما العيب الثاني فيتمثل في التفاوت الشديد بين الدول الشريكة. فالعلاقة الاقتصادية مع الإمارات العربية المتحدة تتحمل العبء كاملاً، بينما بالكاد حققت البحرين والمغرب حجماً تجارياً يُذكر. هذا الاعتماد المفرط على شراكة واحدة يجعل البنية هشة: فأزمة خطيرة بين إسرائيل والإمارات ستُزعزع الأساس الاقتصادي للاتفاقيات برمته.
الخطأ الثالث هو أزمة الشرعية الداخلية في الدول الموقعة. ففي البحرين والمغرب والإمارات العربية المتحدة، ثمة مقاومة اجتماعية كبيرة للتطبيع، تفاقمت بشكل كبير جراء حرب غزة. قد تتجاهل الحكومات التي تتصرف دون شرعية ديمقراطية هذا الشعور على المدى القصير، لكنه على المدى البعيد يُشكل خطراً سياسياً جسيماً، لا سيما إذا واصلت إسرائيل تصعيد أعمالها العسكرية التي تستفز السكان العرب.
الخطأ الرابع هو الاعتماد على ضمانة أمنية أمريكية واحدة. فقد فهمت الدول العربية الموقعة على اتفاقيات أبراهام أيضاً على أنها إشارة من الولايات المتحدة بأن واشنطن تضمن أمنها. إلا أن سياسة ترامب الخارجية المتقلبة، التي تتسم أحياناً بالتقرب من الرياض، وأحياناً بممارسة الضغط، وأحياناً أخرى بتقديم تنازلات لإيران، قد أضرت بهذه الثقة ضرراً بالغاً. وقد برز الفرق الاستراتيجي جلياً في عام ٢٠٢٥ بين نهج ترامب التصادمي تجاه إيران ورغبة دول الخليج في خفض التصعيد مع طهران.
الخطأ الخامس يكمن في الضعف الجوهري لنص العقد نفسه. طرفان فقط، لا التزامات ملزمة، ولا آليات إنفاذ. ما تم الترويج له على أنه مرونة، هو في الواقع غير ملزم. إذا كان الاتفاق غامضًا قانونيًا لدرجة أن أيًا من الطرفين غير ملزم بالامتثال له، فهو ليس اتفاقًا، بل مجرد إعلان نوايا.
المسألة السعودية: جوهرة التاج غير المتوجة
لم يكن الهدف الاستراتيجي الحقيقي لاتفاقيات أبراهام البحرين أو المغرب، بل السعودية. إن تطبيع العلاقات بين الرياض والقدس من شأنه أن يغير جذرياً ديناميكيات منطقة الشرق الأوسط: المركز الديني والسياسي للإسلام السني، وحامية الحرمين الشريفين مكة والمدينة، والدولة التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم - لو اعترفت السعودية رسمياً بإسرائيل، لكان ترامب قد صنع التاريخ بالفعل.
في الأشهر التي سبقت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدا هذا السيناريو واردًا. لم يعد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يستبعد إقامة علاقات علنية مع إسرائيل، وكانت المفاوضات جارية في الخفاء. وكان الفشل اللاحق أكثر دراماتيكية. فبعد حرب غزة، أعلنت السعودية بشكل قاطع أنها لن تقيم علاقات مع إسرائيل حتى توافق القيادة الإسرائيلية على إنشاء دولة فلسطينية. بل إن مصدرًا سعوديًا أوضح الأمر لوسائل الإعلام الدولية قائلًا: إن التطبيع يتطلب "مسارًا لا رجعة فيه" نحو إقامة دولة فلسطينية.
إنّ العقبات الهيكلية التي تعترض سبيل التقارب السعودي الإسرائيلي هائلة. فالرياض ستطالب بضمانات أمنية أمريكية ملموسة في شكل اتفاقية دفاعية كشرط لتوقيع أي اتفاق، وهو أمر من غير المرجح أن يصادق عليه مجلس الشيوخ الأمريكي في الوقت الراهن. وفي الوقت نفسه، فإنّ التنافس السعودي الإماراتي، على نحوٍ متناقض، يحول دون تطبيع سريع للعلاقات بين السعودية وإسرائيل: فما حققته الإمارات اقتصادياً، لا تستطيع الرياض ببساطة تكراره في ظل ظروف مماثلة. وقد لخص آرون ديفيد ميلر، الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي، الوضع بإيجاز قائلاً: ما جدوى تطبيع العلاقات مع إسرائيل بالنسبة لدول الخليج الآن، طالما أن إسرائيل لا تقدم أي تنازلات بشأن القضية الفلسطينية؟
طلب ترامب التوسعي اعتبارًا من مايو 2026: حسابات سياسية بدلًا من الدبلوماسية
إن مطالبة ترامب في 25 مايو/أيار 2026 بإدراج عدد من الدول الإسلامية في اتفاقيات أبراهام في آن واحد، بل وربط ذلك بالمفاوضات الجارية مع إيران، تُعدّ، من منظور تحليلي موضوعي، مناورة سياسية داخلية أكثر منها مبادرة دبلوماسية. ووفقًا لمحللين في مجموعة الأزمات الدولية، حاول ترامب تسويق الاتفاق النووي الإيراني على أنه "الموسم الثاني من اتفاقيات أبراهام"، لجعله أكثر قبولًا لدى المتشددين الجمهوريين الذين كانوا يخشون تقديم إيران تنازلات كثيرة. وكان السيناتور ليندسي غراهام، المقرب من ترامب، قد تساءل سابقًا عن جدوى اندلاع الحرب من الأساس في ظل المفاوضات الجارية حاليًا.
قال دبلوماسي خليجي لموقع بوليتيكو: "إنها حيلة ذكية لاسترضاء القاعدة الجماهيرية الغاضبة. سيظل يثير الموضوع، لكنه لن يكون جزءًا من الاتفاق". وعندما سمع مسؤول حكومي أمريكي سابق بمطالب ترامب، أرسل رسائل ساخرة إلى مسؤولين حكوميين عرب، فتلقى ردودًا عليها برموز تعبيرية ضاحكة.
رفضت باكستان علنًا هذا المطلب. وصرح وزير الدفاع خواجة آصف بوضوح أنه لا يعتقد أن باكستان ستكون طرفًا في مثل هذه الاتفاقيات. والتزمت السعودية الصمت رسميًا. أما قطر، التي تعمل أيضًا كوسيط محايد في مفاوضات حماس، فترى أن دورها كوسيط مهدد باحتمال انضمامها إلى اتفاقيات أبراهام. ويُعتبر ذكر إيران كطرف محتمل للتوقيع على هذه الاتفاقيات في الأوساط الدبلوماسية مجرد أمنيات، إذ أن العداء لإسرائيل ركن أساسي في العقيدة الإيرانية.
بل إن هذا المطلب هدد بتقويض عملية السلام الجارية في إيران. واعتبره مسؤولون حكوميون في الشرق الأوسط بمثابة "سمّ قاتل" - شروط جديدة للسلام لن تقبلها إيران ولا الدول المعنية.
البعد الإيراني: عندما يذوب الغراء
ليس من قبيل المفارقة التاريخية أن الحرب الإيرانية الإسرائيلية عام 2026، التي كانت تُعتبر، وفقًا لاتفاقيات أبراهام، العدو الموحد الذي يُحافظ على تماسك الشراكة العربية الإسرائيلية، تُهدد الآن بزعزعة أسس الاتفاق نفسه. فما دام يُنظر إلى إيران على أنها تهديد، ويُعتبر التعهد الأمني الأمريكي ذا مصداقية، كان لدى دول الخليج مبرر للوقوف إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة. إلا أن القصف الإسرائيلي للدوحة، عاصمة الخليج، غيّر هذا التقييم جذريًا. والآن، وجدت دول الخليج نفسها في مواجهة قوة إقليمية لم تعد تبدو شريكًا يُعتمد عليه، بل تهديدًا أمنيًا مباشرًا محتملاً.
حللت دراسة أجرتها مؤسسة الملك عبد العزيز للعلوم والآداب (KAS) حول إدارة ترامب الأولى بدقة التوترات الاستراتيجية الناشئة: فبينما انتهج ترامب سياسة المواجهة مع إيران وتوسيع اتفاقيات أبراهام، انتهجت دول الخليج سياسة خفض التصعيد تجاه طهران وطالبت بإحراز تقدم في القضية الفلسطينية. هذا التباين ليس مجرد سوء فهم يمكن تبريره، بل هو تضارب مصالح جوهري لا يمكن تجاوزه بمجرد التصريحات الرنانة.
الفرص والقيود: تقييم موضوعي
على الرغم من كل الانتقادات المبررة، سيكون من غير النزاهة التحليلية تجاهل الإنجازات الحقيقية لاتفاقيات أبراهام. فللمرة الأولى منذ معاهدتي السلام مع مصر (1979) والأردن (1994)، قامت الدول العربية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل رسميًا. وافتُتحت السفارات، ورُسّخت العلاقات التجارية، وأُقيمت خطوط جوية تجارية. كما أظهر الدفاع المشترك ضد الهجوم الصاروخي الإيراني في أبريل 2024 تعاونًا أمنيًا فعالًا. ويُعد حجم التبادل التجاري بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، الذي تجاوز ثلاثة مليارات دولار أمريكي في عام 2024، ذا أهمية اقتصادية كبيرة على الرغم من الحرب في غزة.
لعلّ أهمّ إسهام لهذه الاتفاقيات لا يكمن في مؤشراتها الاقتصادية المباشرة بقدر ما يكمن في أثرها التوحيدي: فقد أثبتت إمكانية التعاون العربي الإسرائيلي، وبالتالي غيّرت إطاراً فكرياً بدا جامداً لعقود. وتحت تأثير هذه الاتفاقيات، برز جيل جديد من الفاعلين الاقتصاديين في المنطقة، جيلٌ له مصلحة راسخة في استمرارها.
مع ذلك، فإن القيود واضحة بنفس القدر. فأي تطبيع قائم على اتفاقيات أبراهام يبقى مهمة شاقة لا تنتهي، جهداً متواصلاً لا ينقطع، ما لم يكن هناك التزام جاد بالاعتراف بدولة فلسطينية. ولا يمكن للعلاقات الاقتصادية أن تعوض بشكل دائم عن نزع الشرعية السياسية. كما أن التوسع إلى دول جديدة - كالسعودية وقطر وباكستان وتركيا - ليس واقعياً في ظل الظروف الراهنة.
هل هذه فقاعة هيبة؟ إجابة دقيقة
لا يمكن الإجابة على سؤال ما إذا كانت اتفاقيات أبراهام في نهاية المطاف مشروعًا يهدف إلى تعزيز مكانة ترامب بنعم أو لا. فهي كذلك، إذ سوّق ترامب هذه الاتفاقيات محليًا باعتبارها إنجازًا تاريخيًا للسلام، متجاهلًا بشكل ممنهج المشاكل الهيكلية. أخفت صورة حفل التوقيع الاحتفالي في البيت الأبيض حقيقة أنها اتفاقية تجارية ذات طابع تسويقي جيوسياسي. وتجاهل خطاب "الشرق الأوسط الجديد" حقيقة أن 70% من السكان العرب رفضوا الاتفاقيات لأنها استبعدت القضية الفلسطينية.
إنها ليست مجرد فقاعة هيبة، إذ أُقيمت علاقات اقتصادية وأمنية حقيقية، لم تنهار تمامًا حتى تحت ضغط حرب غزة. فالتجارة مزدهرة، والسفارات مفتوحة، وأجهزة الاستخبارات تتعاون. هذا ليس بالأمر الهين، ولكنه أقل بكثير مما وُعد به، وأقل بكثير مما هو ضروري لإحداث تغيير جذري في الشرق الأوسط.
ما تبقى هو مزيجٌ فريد: تقدم دبلوماسي حقيقي، مُضخّم أيديولوجيًا، ومُفتقر إلى التمويل الاستراتيجي الكافي. اتفاقٌ يجب أخذ جوهره على محمل الجد، لكن تسويقه لا يزال عرضةً للتدقيق النقدي. إن الشيوخ الذين يردّون على ترامب برموز تعبيرية ضاحكة لا يعكسون ازدراءً للاتفاق، بل شكًا في محاولة تصويره كمشروع سلام كوني، في حين تُقصف عواصم الخليج ويُقتل المدنيون الفلسطينيون. هذا ليس رفضًا للتجارة مع إسرائيل، بل هو رفضٌ للاستمالة الدبلوماسية التي لا طائل منها.
بين المرونة والتراجع
كان التقييم الذي أُجري بعد خمس سنوات لاتفاقيات أبراهام في سبتمبر 2025 مُقلقًا، بل ومُحبطًا، في الأوساط الدبلوماسية. لم تنضم أي دولة عربية جديدة إلى الاتفاقية منذ عام 2020، باستثناء إعلان كازاخستان، التي حافظت على علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ عام 1992. أما "جوهرة التاج"، المملكة العربية السعودية، فهي أبعد ما تكون عن الانضمام. وفي عامها الخامس، تتعرض الاتفاقية لأكبر قدر من الضغوط منذ توقيعها.
في الوقت نفسه، من غير المرجح انهيار الاتفاقيات القائمة بشكل كامل. فالمصالح الاقتصادية راسخة، والروابط الأمنية متينة، والتخلي عنها مكلف سياسياً للغاية. ما يتبلور هو مرحلة انتقالية: سيُحافظ على الاتفاق ضمن حدوده الحالية، دون إحراز أي تقدم ملموس. ويبقى التطبيع العربي الإسرائيلي واسع النطاق سيناريو بعيد المنال، مرهوناً بحل حقيقي للقضية الفلسطينية.
يرى السياسيون الأوروبيون ضرورةً للتحرك في هذا السياق: فبحسب استطلاع رأي أُجري عام 2024، أيّد 85% من البرلمانيين الألمان و77% من البرلمانيين الأوروبيين استخدام اتفاقيات أبراهام لتعزيز عملية إعادة إعمار غزة وعملية السلام في المنطقة. ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يلعب دوراً إضافياً كضامن، وهو دورٌ لم يُستهان به بشكلٍ منهجي حتى الآن.
إن اتفاقيات أبراهام ليست نقطة تحول تاريخية كما يصفها ترامب، ولا هي الفشل الذريع الذي يصفها به أشد منتقديها. إنها نتاجٌ لما تُنتجه الحقائق الجيوسياسية المعقدة في كثير من الأحيان: أداة غير مكتملة ومتناقضة، ولكنها ليست عديمة الجدوى، يمكن البناء عليها كجسر أو اختزالها إلى مجرد مشهد، وذلك بحسب ما إذا كانت البراعة الدبلوماسية أم المسرحية السياسية هي التي تسود.
🎯🎯🎯 مركز صناعي قائم على البيانات بين الشركات كحل شبه داخلي

الحل شبه الداخلي: كيف تسدّ Xpert.Digital الثغرات التشغيلية في التسويق والمبيعات بين الشركات - أعمال ذكية قائمة على المحتوى - الصورة: Xpert.Digital
Xpert.Digital هي منصة صناعية B2B تعتمد على البيانات بقيادة Konrad Wolfenstein . تعمل الشركة كحل خارجي شبه داخلي للشركاء الصناعيين، حيث تسد الثغرات التشغيلية في التسويق والمحتوى والمبيعات - دون الحاجة إلى موارد إضافية من جانب العميل.
للمزيد من المعلومات، انقر هنا:
شريكك العالمي في التسويق وتطوير الأعمال
☑️ لغة أعمالنا هي الإنجليزية أو الألمانية
☑️ جديد: مراسلات بلغتك الأم!
يسعدني أنا وفريقي أن نكون متاحين لكم بصفتنا مستشاركم الشخصي.
يمكنكم التواصل معي عبر ملء نموذج الاتصال هنا مباشرةً الاتصال بي +49 7348 4088 965. عنوان بريدي الإلكتروني هو [email protected]:أو
أتطلع إلى مشروعنا المشترك.























